في احد الأماسى او في عشية يوم الترووية ١٣٧٣ صحبني زميل كريم الى مطبعة الحرم فى مكة . . وهناك كان الاستاذ احمد السباعي والاستاذ عبد القدوس الانصارى ، وهو بالطبع من اصدقاء الاستاذ السباعي وكان رفيق الحج ، وكنت انا ، وجاء الاستاذ محمود عبد الوهاب ، وهذا اللقاء الغير منتظر بدأ وانتهى بنقاش يشغل الناس به أوقاتهم ، يتعرضون له تارة ويتعرض لهم تارة اخرى ان صح هذا القول ،
وبدأ الحديث من الاستاذ السباعي بتفكه موجها السؤال الى عن حركة الادب او حال الادب ، وبدأت اتحدث فى تحفظ لامر واحد وهو انى محرم وامور الادب ومشاكله تتطرق الى الجدل او يتطرق الجدل اليها . . فى الاراء والافكار وما وراء الافكار والاراء والحج ينهى فيه عن الجدل ، واحسب ان هذا الجدل فى الادب يدخل فى الجدل المنهى عنه ، ولكن الاستاذ السباعي يطرب لهذا الجدل ايمان طرب ويسعى في فتح نوافذه وابوابه . .
وليقول هو كلمة يوسع فيها مجال الجدل والنقاش بين الحين والحين من البدء فيهما . . ولا اريد ان اطوف بالقارئ كثيرا فيسأم مني او من هذا التطواف ووصلنا إلى كتابه " مطوفون وحجاج واحرجني الاستاذ السباعي مرة اخرى حينما سألني عن رأيني في تضمين الكتاب بجمل ( عامية ) وقلت كلمتي التى لابد من قولها فى ذلك المجال
سواء ارضت صاحب الكتاب ام اغضبته ولقد كانت في صالحه اذا كانت كلمات مستملحة فلا بأس بها ، وقلت كذلك ان هناك جملا عامية لا نجد قوة معانيها على قصرها فى اللغة العربية الفصحى ، ونجد بعض هذا فى اكثر شعر الاستاذ احمد رامي مثلا وغيره ممن كان لهم باع طويل في هذا الشأن وكان هذا وما زال هو رأيي الخاص سواء كان على حق او على غير حق الى ان اقرأ رأيا آخر يتعارض هذا واقتنع به كحجة يمكن ان يؤخذ بها وبرهان يصلح ان يكون قانونا يسار عليه .
وظهر بعد اعلان هذا الرأي ان الاستاذ الانصاري معارض في تضمين اللغة العربية بكلمات عامية ولم يطل النقاش كما طال في موضوع الادب والنقد ، واحسب ان الاستاذ الانصاري لا يحب الجدال الذي لا يجدى اذ لم يكن اثارة هذا الموضوع مكتوبة يقرؤها الرأى العام ليقول كلمته فيها ، وانتهى الامر بعزمي على اعلان رأيي للناس ،
واكبر الظن انني حددت الكتابة عنه فى مجلة " المنهل الفيحاء ومرت الايام سراعا كما يراها الناس او كما هي تمشي في محورها الطبعي لم تتغير على ما اعتقد التغير الذي يزعمه الناس ولم اكتب شيئا عن هذا الموضوع لا فى المنهل التى وعدت بالكتابة لها ولا لغيرها ، واذا كان لي بعد مرور هذا الوقت الطويل ان اقول كلمة . . ولا حق لي في قولها في هذا المجال بالذات
لاني اكتب عن موضوع لا صلة له بالفصحى والعامية ، ثم ان الامد قد طال وبعد ذلك العهد الذى ناقشنا فيه هذه الناحية ايضا . . وانا مع الاستاذ الانصارى فى رأيه في استقلال اللغة العربية عن العامية . . ولكن هذا المزاج بالنسبة لكتاب الاستاذ السباعي وموضوعه اكبر الظن انه لا ضير عليه ، وارجو ان اقرأ رأي الاستاذ الباحث المنقب صاحب الشوارد " الانصارى " فى هذا الصدد وانا موقن باننا سنقرأ بحثا قيما نحن أحوج ما نكون اليه ، ولست أقول هذا مجاملا فحسب الاستاذ الانصارى انه سبق ان ساهم بكتيب ليقى الكتاب من الخطأ الذي يقعون فيه . .
وما اجل المناسبات فقد هيأت لى اجتماعا عابرا بالاستاذ الانصارى وصديقى الاستاذ محمد امين يحيى وبدأ الحديث كما بدأ الذى قبله بعام ونيف عن الادب ما فى ذلك شك ولم يكن للادب وحده نصيب فيه كما حدث منذ عام في تلك المناسبة التى ذكرتها آنفا بل سرعان ما تحول الحديث الى النقد ، وكان الصديق الرفيق هو المثير لجذوة النقد ، فوصفني بانني " ناقد هدام " واسرع الاستاذ الانصاري ليقول كلمته : " كثيرا ما يكون الهدم بناء " وتساءلت انا عن نصيب النتاج الذي تحفل به المنهل من النقد فقال الاستاذ الانصاري " اننا نرحب وننشر نقد التمحيص لانقد التنغيص . . وتحدثت عن مقاييس النقد ، وكيف يكون ونصيبنا منه ، ولم اشعر الاوقد احرجني الاستاذ الانصارى حينما رغب الى في أن اكتب في هذا الموضوع وانا محرج حقا حين اكتب في مجال
لم يطل فيه باعى ، وامام من يحسنون الكتابة فيه احسانا لم اصل اليه بعد ومهما يكن من شئ فانى ساقول رأيي او سأصور الرأى الذى ارى انه الانسب فى النقد الادبى على ضوء الحقائق العلمية التى قرأتها ، ويؤسفني ان اقول ان نقدنا الادبي ما زال يتعثر تعثرا يكاد يقعد به عن الخوض فى أى مجال ادبى ، ونقدنا لا يكاد يتعدى الكلمات والاخطاء التافهة فى اغلب الاحيان والتى غالبا ما تكون قشورا واكثر نقادنا لا تزيد ثقافتهم عن الثقافة الادبية فقط ، وهذه الثقافة وحدها لا تكفي للناقد الادبي الباحث
وانما هو محتاج إلى الثقافة العلمية اولا التى تتكون من الدراسة الفنية لصرفة والبحث العلمي لحقائق الحياة الفكرية والأدبية التى تقوم على الادلة المقنعة ولا تسلم بما يلقى اليها من تقريرات . . ودراسة الاصل اهم من دراسة الفرع ، ولهذا فلابد للناقد من دراسة الأدب دراسة علمية للوصول الى كنوزه المخبأة ، دراسة صحيحة بريئة محايدة . . ومطالعتى اثبتت لى ان الحقائق العلمية يمكن ان ندرس على ضوئها اى موضوع ، اما الاشتقاق
المنطقي والتفكير النظرى المحض فغير كافيين للناقد الذى يستحق هذا الاسم بكل معاني هذه الكلمة ، ومن الحق ان نذكر ان الطالب في بريطانيا قبل ان يسمح له بالتخصص فيما اختاره من فروع الدراسة يطلب اليه ان يؤدى امتحانا عسيرا في المواد العلمية حتى إذا انقطع الى الدراسات الادبية او الفنية الصرفة ليثبت لذوى الشأن انه قد اتفن قدرا صالحا من الطبيعة والكيمياء وقوانين الحركة وقوانين
السكون ، والرياضة التطبيقية ، والرياضة البحتة والقوانين الهندسية والآلية وعلم النبات وعلم الحيوان ، والدراسات العالمية الانسانية من اجتماعية ونفسانية وجنسية وعقدية الى آخر تلك الدراسات التى تبحث في الكون وقوانينه ، والمادة واوصافها ، والحياة وميزاتها ، وأجناسها المتعددة والانسان ومواهبه الخاصة ، يسمح له بعد ذلك بالتخصص ان شاء فى الشعر او الدرامة او النحت او الموسيقى او في اللغات الشرقية ، وبذلك يكون قد أمن ان يكون انتاجه الفكرى فى هذه الميادين محض تخمينات وتخريفات ،
ومن الاراء الرائعة التى قرأتها فى تعريف الادب هذا الرأي الناضج : " الادب كلمات يصدرها هذا الجنس الحي الذي نسميه الانسان حين يلاقي تجارب خاصة او تمر به مواقف خاصة فى حياته على ظهر هذه الأرض التى يعيش عليها ، او حين يتأمل في الكون الذي يحيط به ، أو في الناس الذين يعيش بينهم ، محاولا بهذه الكلمات ان ينفس عن شعور خاص يجده فى نفسه ، ويجده يدفعه دفعا الى اصدار هذه الكلمات ، وتستطيع القول بان
الشخص العادي يتلذذ بالادب ويطرب منه بتأملاته ، ولكن تلذه قائم على الاستجابة الآلية فحسب ، وان كفي هذا القدر من المعرفة الانسان العادي فانه لا يكفي الناقد الذي يأتي الى النتاج فيقيسه بمقايسه ومعاييره التى تعطيه اياها الحقائق العلمية ، ووظيفة الناقد لاتنحصر في ان يستجيب للادب للادب استجابة آلية محضة بل هو محتاج ليسال نفسه كيف استجاب حسبما احس وهل احدثت فيه تلك
الكلمات تأثيرا والى أى شئ يرجع ويتخيل حال الاديب حين انشأ هذه الكلمات ؟ وماذا كان شعور منشئها ؟ وما اسباب التأثير والعوامل التى أثرت فيه ؟ وما هي الحالة النفسية التى كان عليها او اعترته حتى بعثت فى نفسه ذلك الشعور ؟ الى اى حد يستطيع الناقد تمثيل حالته تلك وفهمها ؟ وهل مرت به حال مثلها او قريبة منها ؟ وماذا اثرت في احاسيسه واذا لم يستطع الناقد ان يجيب نوعا ما من الاجابة على هذه الاسئلة فهو لم يحرز فهما صحيحا او كاملا بموضوع حرفته ولم يستطلع شيئا قيما عن حقائق تلك الشخصية وموضوعها
ويترك القارئ حيث كان امام الادب وامام الادباء لم يزد بهم فهما ولا لانتاجهم تقديرا ، ونحن لن نطلب من الناقد الاجابة النظرية والفلسفية الجمالية اللاهوتية التى تحفل بها كتب قواعد النقد ودراسات الجمال ، وانما نريد منه الاجابة الدقيقة المنضبطة التى لا تعطيها الا دراسة حقائق الكون وحقائق الحياة دراسة علمية والحقائق العلمية بلا شك توسع مدارك العقول وتعمق قسوة التفكير وتشرح تعبير تعقيدات النفس الانسانية ، وتدفع
الاخطاء وما قد يقع فيه الناقد من هذر حين يتحدث حديثا نظريا عن كل مسألة تصادفه ، وهي كذلك ترهف الملكة النقدية وصحيح اننا لانستطيع فهم الشعر الجاهلى فهما صحيحا دون المام حسن بعلوم الحيوان او ببسائط علم الفلك . وكذلك لا نستطيع فهم شعر بعض الشعراء في القرن الثالث مثلا الألمام بشتى حقائق علوم الاحياء والدراسات النفسائية والانسانية او
ما تسمى - انثروبولوجيا - ، ووجود الفهم اللفظي للادب كثيرا ما يحتاج منا الى معرفة بالحقائق العلمية ، لان الكلمات التى ينشئها الاديب تتأثر في تكوينها بمزاجه الخاص وطبيعة تكوينه الجسمى والعقلي وقد يكون هو نفسه لا يفهم تكوينه ومزاجه . . ولن نستطيع فهم كلماته فهما صحيحا الا بدراسة علمية جسمانية ونفسانية وتطور العصر يجعلنا نتطور معه ومن أجل ذلك فالناقد الفذ الناجح يحتاج الى دراسة الأدب الغربي دراسة عميقة صرفة لا تقل عن دراسته ومعرفته للادب العربي ليستطيع المقارنة بينهما والموازنة الصحيحة الحقة ، ولى رجعة الى هذا الموضوع لاستوفيه بحثا وتعليقا . .
انا مدين للدكتور - النويهى - عن هذه النظريات الفقهية القيمة التى اثبتها هنا ولم يكن لى فيها الا تصرف بسيط ، والذي اريد ان اقوله اخيرا بحق فى هذا البحث بالنسبة لنقدنا الذي يصبحنا ويمسينا ولنقادنا وعلى الاخص الشباب هو ان يكثروا من تفهم اساليب النقد وطرق معرفته بالنظريات العلمية القيمة وان يعتمدوا عليها اكثر مما يعتمدون على الخيال والتخمين ، إذا ارادوا ان يكونوا نقادا بحق . .
ورسالة النقد ينبغي ان تبنى على الصدق في القول وعلى الامانة النقدية بمعناها الذي تفهم به فهما لا يدركه وينبغى كذلك ان يترفع نقدنا عن والسفاسف والسخف الذي نقرؤه بين الحين والحين بين الناقد والمنقود . . فالناقد عليه ان يأتي الى النتاج
فيفحصه فحصا دقيقاويدرسه ويتمعن فيه ثم يعرضه لموازين النقد السليم الذي لا تعروه الشوائب والاغراض الشخصية التى لا تحسن الا الفساد وحده ، فى تحفظ لا يخرج عن طور النقد الذى يجب ان يكون اداة مصلحة موجهة اكثر منها هدامة دون الاتيان - بالمحفظات - وما يثير السخط والاشمئزاز . . فمثلا يبدأ الناقد بدراسة النتاج دراسة من معنى عام ثم اللغة والوحدة الفنية إذا كان النتاج فنيا او له مساس
بالفن ، فيصور الواقع على ضوء النظريات التى ينبغي ان يبنى عليها نقده ، والتي تستقى من الحقائق العلمية على الا يخرج عن المقاييس الى يتخذها الناقد أداة له ، ويبدى رأيه بعد ذلك في اخلاص وامانة لا يتطرق اليها الهوى والسخرية . . ثم على المنقود ان يتقبل النقد الرفيع النزيه الذي لا عيب فيه ولا ضغينة ولا تحرج ، وله بعد ذلك ان يناقش نظريات الناقد في الوحدة ( مثلا ) والموضوع واللغة والرأي العام ان
كان الموضوع يصح ان يكون للرأى العام فيه كلمة ، دون ضيق او ملابسات وحرج لامجال له الا اضاعة الوقت واشغال الصحف والمجلات باللفاء او ما دون اللفاء كما يقول الشاعر القديم ، ومن الخطأ ان يخرج النقد من نطاقه الذي يجب ان يجرى فيه الى مجالات أخرى كلها سباب وشتم وسخف وتعصب لرأى غالبا ما يكون شاذا لا يستند الى حقيقة او بصيرة من علم وفن او نظرية
حتى كبار الكتاب والنقاد ، وطالما رأينا الاستاذ الكبير عباس محمود العقاد يتعصب لرأيه تعصبا شديدا حتى يكاد يصفه الانسان بانه فى تلك الحالة أقل من شخص عادى التفكير ، وهذا شذوذ يجب الا يتصف به ناقد نزيه متزن يسمع لحكمه ويحتاج لرأيه . . وأنا بعد قد أعذر بعض الصحف او المجلات إذا قفلت الابواب حينما يتطور النقد ويخرج عن طوره حتى لا يستحق ان يسمى نقدا بل هو هراء وخزعبلات . . ولكن على اصحاب الصحف ان يكونوا عادلين بكل معاني هذه الكلمة فلا يتيحوا المجال لكاتب او ناقد ان يكتب ما يشاء
ضد نتاج شخص ما في مجال الادب او غيره ثم يقفل الباب في وجه صاحب الكلمة أو الرد على التحديد اذا كان الرد دفاعا حسنا ، ومن المحزن اننا نجد هذا اللون من السرف يلعب دورا هاما فى محيطنا ثم لا يكون له علاج او تقويم ، فارجو ان يتهيأ لنا الوقت الذي نتفهم فيه الادب والنقد وكيف يتكونان ، ومن يرعاهما بحكمة عند من يتصلان به من قرب وانا حين اقول هذا فانى لا اقوله متجنيا على احد ولكنى اتحدث عن حقيقة واصور واقعا لا سبيل الى انكاره سواء طال الزمان او قصر " وكذلك فالعسف لا يمكن ان يصلح شيئا مهما طال به الامد
ومهما تطور ونال من الحظ .
وكلمة اخيرة اود ان ارسلها الى المنتجين وهي ان يترووا في انتاجهم وان يصلحوا من شأنه ما استطاعوا الى ذلك سبيلا وان ينضجوه حتى يصلح ان ينتفع به من يقرؤه ولا يضيع الوقت الثمين فيما لا فائدة من ورائه اما اذا كان رائدهم السرعة وكم فى السرعة من خطر كما يقول الدكتور طه حسين فعليهم وحدهم تقع تبعة النقص ، وعليهم بعد ذلك الا يضيقوا بالنقد النزيه الممتاز الذي يصدر عن نفوس تريد الخير ، وتبتغي الاصلاح ، وعلى النقاد الذين هم الرواد المرشدون المصلحون ان يكونوا جديرين بثقة
الشعوب التى يحيون معها ، وتستضئ بهم فى سبيل العلم وتحقيقه ، والأدب وتمحيصه ، والنقد وتوجيهه ، ولن يصلح النقد اذا كان رواده شعوريين بكل معانى هذه الكلمة . . فعسى ان يعتدل نقدنا ويستقيم ويلزم الطريق السوى دون ان يتطرق اليه ريب او التواء فننشئ مدرسة نقدية بحتة فى عالم الأدب . . وعسى ان ارجع الى هذا الموضوع مرة اخرى فأتحدث عنه كما ينبغي في مناسبة كريمة ، ولاستاذى الانصارى الذى تفضل فاتاح لي هذه الفرصة القيمة تحياتي خالصة .
جده

