قال المستر توتشل فى الفصل الحادى عشر من كتابه "البلاد السعودية": لقد كان استخراج الزيت والمعادن في المملكة العربية السعودية نتيجة لفكرة انسانية نبيلة محضة .
ثم شرح هذه الفكرة الانسانية التى جلبت على البلاد خيرا وفيرا، بعد ان ذكر نبذة عن صداقة المستر كراين للعرب ومساعداته لحكومة اليمن بالاشتراك مع المؤلف في اجراء بعض التجارب في الكشف عن المعادن وموارد المياه .. بعد هذا قال المؤلف :
لقد اجتمع المستر كرائن بجلالة الملك ابن سعود عام ١٩٣٠-١٩٣١ م وكان معجبا أشد الاعجاب بشخصية جلالته، ودارت بينهما بحاث شتى بشأن رفع مستوى البلاد الانشائي والعمرانى، وقد ادرك المستر كرائن من احاديث جلالته أنه يرغب قبل كل شيء فى توفير المياه فى بلاده عامة وبصورة خاصة بالاماكن المقدسة وفي الطرق التى يمر بها الحجاج.
وفى ٣ مارس سنة ١٩٣١ م تلقيت برقية من المستر كرائن يسألني هل أستطيع ان أتوجه إلى جدة فى اقرب فرصة للقيام بالابحاث الفنية للكشف عن موارد المياه وطرق توفيرها فى الاراضي المقدسة ؟
وقد تلقيت هذه البرقية وانا منهمك في انجاز قاعدة الجسر الحديدى فوق وادى (لاعة) باليمن . فما وسعنى الا ان عهدت بعملي الى مساعدى وتوجهت من اليمن يوم (١٣) إبريل ووصلت الى جدة يوم (١٥) منه وبعد الاطلاع على برنامج المهمة ومشروع
الكشف والتنقيب عن الماء في بلدان الحجاز، بدأت فى الرحلة وفي فحص الاراضى واختبارها فى مسافة طولها ( ١٥٠٠) ميل وبرغم ما بذله المرافقون من التسهيلات والمساعدات عانينا مشقة كبيرة فى قطع الاراضى الجبلية والصحراوية واكثر هذه المتاعب جاءتنا من جراء السيارات ذوات المحركات الضعيفة والاطارات الدقيقة . . ومما يؤسف له اننى لم اجد فى كل هذه الرحلات والاراضى شيئا من الظواهر الجيولوجية التى تشجع على تنفيذ مشروع توفير المياه بحفر آبار ارتوازية.
وأخيرا لم اجد بدا من ان ارفع الى وزير المالية تقريرا تشاؤميا عن حالة المياه مع ذكر كل الامكانيات التى تعين على تنظيم المياه ولو بكميات محدودة ولكن معظم الاقتراحات جاءها ما عاقها عن التنفيذ ، وكنت قد ادمجت مع التقرير بحثا موجزا عن المعادن وأوضحت فيه كل ما يمكن عمله فى الاراضى التى يوجد بها رشح زيتي كالاراضى التى بالقرب من المويلح والوجه والمناجم القديمة التى توجد فى أم القريات بالقرب من الوجه .
وقد تلقي وزير المالية الشيخ عبد الله بن سليمان تقري الفاتر عن حالة الماء في الحجاز بنوع من الاكتئاب ومع ذلك درس التقرير باعتناء واهتمام زائدين واثنى على مجهوداتى طويلا ثم اخبرني معاليه ان الحكومة السعودية تدرك جيدا ان الدخل الثابت لها فى الوقت الحاضر هو الدخل الذي يأتي عن طريق الحجاج وهو على كل حال معرض للزيادة والنقصان، وكان معاليه اراد ان يستشيرني في ايجاد موارد جديدة ثابتة للدولة فعرضت على معاليه استعدادي لتقديم اقتراحات للحكومة لتنمية موارد البلاد الاقتصادية والزراعية على اوسع نطاقها والبحث عن المعادن اذ كنت متأكدا -على ضوء تجاربي- من ان البلاد السعودية لا تخلو من ثروة معدنية كبيرة .
وقد وقعت ملاحظاتي هذه موقع الرضى والاستحسان من لدن الشيخ عبد الله بن سليمان وطلب منى المزيد منها عن هذه الفكرة فقلت ان المزيد من المعلومات يحتاج إلى بحث وتنقيب واسعين والى جمع نماذج من كل نوع وتحليلها مع تقدير المال اللازم .. وانتهى هذا الحديث مع وزير المالية بالوعد منه على انه سيعرض الفكرة على جلالة الملك . هذا هو الشرح للفكرة النبيلة الانسانية التى قال المؤلف عنها وبدأ هذا الفصل بها.
ان الحكومة استقدمت المؤلف، لاستنباط الماء في الاراضى المقدسة ولما لم ينجح المشروع هداها التفكير الى البحث عن مورد جديد لاستخراج المعادن والزيت. .
وكان الاتفاق قد تم على ان يتشرف المؤلف بمقابلة جلالة الملك يوم ٢٥ مايو سنة ١٩٣١م في الشميسى، وقد حصل هذا الاجتماع واشترك فيه المستر كرائن. وتكلم
جلالة الملك مع المستر كرائن بشأن الاعمال التى قمت بها وأبدى أسفه للنتيجة التى أوضحتها فى تقاريرى عن عدم صلاحية ارض الحجاز للآبار الارتوازية .. اما عن موضوع البحث عن المعادن الذى رفعه اليه وزير ماليته فقال جلالته انه سيفكر فيه وانفض الاجتماع وعند الانصراف امر لى ولفريقى بكسوة عربية فاخرة .
ثم عدت ثانية إلى اليمن وبعد ان انتهيت من تركيب الجسر قفلت الى جدة فى طريقي الى امريكا .. وفى اثناء مرورى بجدة حدث ان شخصا عثر على قطعتين من ذهب بالقرب من الطائف وقد ابدى لى جلالة الملك رغبته فى الوصول الى هذا المكان مع فحص القطعتين فقمت بتنفيذ رغبة جلالته من فحص القطعتين ووجدتهما من الذهب الاصلى، اما المكان الذي وجدت فيه القطعتان فالنظرة الجيولوجية والطبوغرافية اليه لم تكن تدل على وجود كميات كبيرة من الذهب التى تشجع على فتح عمل فنى كبير .
وفى (٢٠) يوليو قدمت الى وزير المالية تقريرا عن هذا البحث مشفوعا باقتراح لطلب خبراء من المهندسين الجيولوجيين للقيام بتجارب عملية للكشف عن المعادن وبذل المجهود لتنظيم العمل الفني لتكون النتيجة حسنة ولا تذهب المجهودات سدى.. وقد وافق معاليه على الاقتراح وأمر فى الحال بـ(٧٠٠) جنيه استعدا للقيام بالمهمة .
عدت الى امريكا واجتمعت بالمستر كرائن واخبرته بكل ما تم عليه الاتفاق ثم انهيت ما تحتاج اليه مهمتي من اعمال بسرعة وعدت الى جدة فى اكتوبر ١٩٣١ م ترافقني زوجى ومعاوني المستر موزلى. وحالما وصلنا بدأنا فى العمل ناحية الطائف وجعلت الإشراف عليه منوطا بمساعدى (الموزلى) وكان يرافقه العربى البارع احمد فخرى الذي احضر معه نفرا كبيرا من العمال وثلة من الجنود؛ ومكثوا ستة اشهر يبذلون اقصى مجهوداتهم فى الحفر والتنقيب الا ان النتيجة كانت على وجه التقريب غير مشجعة للاستمرار فى العمل، وقد وقفت على هذا العمل فى اوله ثم عدت الى جدة لإصلاح عين الوزيرية وتوفير مياهها على قدر الأمكان، وبمعاونة مهندس بريطاني وآخر سعودي ركبنا على منبع العين مضخة لرفع الماء تدار بمروحة هوائية امريكية نصف قطرها (١٦) قدما وكان متوسط تفريغ هذه المضخة فى الدقيقة الواحدة (٤٠) جالون؛ وكان هذا العمل وسيلة من وسائل توفير المياه بجدة .
وفي شهر ديسمبر ١٩٣١ م اجتمع معالي الوزير بجلالة الملك وعرض عليه فكرة قيامي برحلة فى البلاد السعودية للبحث عن معادنها والزيت في منطقة الأحساء فوافق جلالته
ورحب بالفكرة. وكانت الحفريات شرق جدة جارية بحثا عن الماء فعهدت بالإشراف عليها الى زوجي وبدأت في رحلتى الى الأحساء عن طريق مهد الذهب وطريق حفريات الطائف الى نجد حيث تشرفت بمقابلة جلالة الملك المعظم فى مخيمه بالمعيقيلة على مسافة (٥٠) ميلا شمال الرياض؛ وفى اثناء المحادثة اشار على جلالته بزيارة البحرين وانه سيأمر لى بخطابات التوصية الى اميرها والى بعض رجاله هناك. ثم توجهت من المخيم الى الهفوف عن طريق العقير فى يناير ١٩٣٢ م وكان جلالته وصل اليها فى ١٢ منه وعندما حظيت بالسلام عليه سألني جلالته عن نتيجة البحث عن الزيت والماء فقلت لجلالته اننا ننتظر نتيجة البئر الأولى التى فتحت في البحرين؛ ولا نريد ان نقوم بعمل ما قبل ظهور نتيجتها، لان البحث عن الزيت يحتاج الى اموال عظيمة والشبه بين البحرين والأحساء من حيث الوضع الجيولوجى جد متقارب فاذا قدر لبئر البحرين النجاح فمن المؤكد وجود زيت فى الأحساء بكميات وافرة لأن مساحة ارض الأحساء اوسع من ارض البحرين. واذا قدر ان نتيجة بئر البحرين كانت غير موفقة فمن أبعد الاحتمالات ان يوجد فى ارض الأحساء زيت بكميات تجارية كبيرة . . ومن السهل جدا اذا كانت النتيجة جيدة - الحصول على اموال امريكية للبذل بسخاء فى البحث عن الزيت وتنظيم استخراجه على شروط تضمن مصلحة البلاد، وبعد ترو كبير وتفكير عميق وافق جلالته على هذه النظرية اى نظرية التروى ريثما تظهر نتيجة بئر البحرين .
ولما كانت مدني في الاحساء قصيرة لا تسمح بإطالة المكث طلب منى وزير المالية الاسراع الى جدة لانجاز اعمال التنقيب فى بعض مناجم قديمة تاريخية، وفى ١٧يناير ١٩٣٢م ودعت جلالة الملك ورجعت الى جدة ، وفي ٨ فبراير اخذت أهبتي ورفاقى وهم ثلاثون رجلا للكشف على المناجم التاريخية وقد قيل لى ان الرحلة ستستغرق ثلاثة أيام وبدأنا الرحلة فى سيارتين صغيرتين وسيارتين كبيرتين نحو الشمال مارين ببطون اودية وتلال وحرات وحرجات السلم وسهول . استغرق السير فيها ثمانية ايام بدلا من ثلاثة أيام وبعد ان قطعنا (٢٤٦) ميلا وصلنا المنجم القديم وهو ) مهد الذهب ( وقضينا ما يقرب من عشرين يوما فى التنقيب ومسح الارض واخذ صور لها وجمع نماذج مختلفة . وبعد أن انتهيت من اعمالى عدت الى جدة وبمجرد وصولى الى جدة ارسلت النماذج الى نيويورك ولندن لفحصها ودراستها . . وقد قطعت فى هذه الرحلة ) ١٠٢٢( ميلا واختبرت خمسة مناجم اخرى لم اجد فى احد منها ما يدعو للنشاط إلى فتح عمل جديد .
وفي (٦) مايو وصلت نتائج تحليل النماذج التى اخذت من مهد الذهب وكانت تدل على وجود كميات تجارية لا بأس بها من الذهب .
وفي يوم ) ٢٥ ( منه اجتمعت بمعالى وزير المالية ومعالى الشيخ يوسف يس ، وبحثت معهما بحثا طويلا استمر الى منتصف الليل اشرح لهما الامكانيات التى تساعد على تنمية صناعة التعدين وتنظيم استخراج الزيت واصلاح الطرق فى البلاد السعودية، وكانت نتيجة البحث اننى ادركت ان الحكومة السعودية لا تريد الاستمرار فى مثل هذه المشاريع فى ذلك الوقت لسببين :
١ - عدم نجاح مسألة الماء وتوفيره فى البلاد المقدسة ٢ - تتابع الازمات المالية على الحكومة .
ثم طلب منى ان ابحث عن شركة ذات رأس مال كبير تقوم بإنجاز مشروع توفير المياه فى بقية المملكة وتنظيم التعدين فيها، الأمر الذي بحثنا فيه من قبل وقد ابديت استعدادى لبذل الجهد فى هذا الطلب على شرطين :
١ - الاستشارة مع المستر كراين ومشاركته فى الموضوع . ٢- على ان يكون معى خطاب من جلالة الملك لاعتماد مشروع البحث عن رأس مال للقيام بهذه المشاريع. ولم يكن فى وسع احد الوزيرين الموافقة على هذين الشرطين بدون عرض الأمر على جلالة الملك واخذ موافقته عليه ولذلك وعدانى انهما سيرفعان الأمر الى جلالته وان الأمر اذا تم ووافق جلالته فالأوراق ترسل الى فى امريكا .
سافرت بعدها الى امريكا فى يوليو ١٩٣٢ م ووصلتني اوراق الاعتماد وانا فى نيويورك ولما عرضت الفكرة على المستر كراين رحب بها ووعد بالمساعدة التامة وتقديم جميع التسهيلات على حسابه بيد انه لم يقبل ان يتقدم بنفسه لعرض هذا الطلب على الشركات التى تحب ان تتقدم الى هذا المشروع، إذ هو لا يرغب فى ان يكتب عنه او يقال انه يهدف بحبه للعرب الى الاستغلال الاقتصادى فى بلادهم او انه يستخدم صداقتهم في الوصول الى اغراض تجارية استغلالية لديهم. وعندئذ قمت بنفسي بعرض هذا الطلب على معظم شركات التعدين والزيت ولكن الشركات التى كانت تحت ادارة المسترك كراين رفضت - شاكرة - المساهمة في هذا العرض .
بعد هذه المقدمة اورد المؤلف قصة (الزيت) ثم قصة (التعدين) وذلك ما سنقرأه ان شاء الله فى الأعداد القادمة .

