هذه المقدمة مستلة من الكتاب المخطوط المذكور عنوانه والذى ألفه صاحب هذه المجلة ورئيس تحريرها وقد نشرناها هنا تعريفا بالكتاب وتمهيدا لصدوره عما قريب ان شاء الله .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين (( محمد )) وعلى آله وصحبه اجمعين .
اما بعد : فهذا الكتاب يتحدث عن (( بنى سليم فى التاريخ )) مشتملا على استعراض اغلب ما يتعلق بهذه القبيلة منذ عهد الجاهلية ، ولا استطيع ان اقول انه حديث متسلسل كامل الحلقات . . بل انى لأشعر بوجود بعض ثغر وفجوات فيه . . ولكنه على كل حال شامل لتاريخهم العام دال على ملابسات حيواتهم . . وتصرفاتهم ، وتقلبات الدهر حيالهم ، من رفع وخفض وتقديم وتاخير وتمديد وتقليص ، وركود وحيوية ، ونشاط وفتور وجمود وانبعاث .
والكتاب من حيث شموله على ما يبدو لى يمكن أو يصح ان يتخذ مرجعا فى نواح عديدة من التاريخ العربى والاسلامى العام وخاصة في تاريخ هذه القبيلة التى أسهمت في الحوادث العربية والاسلامية أسهاما ملموسا واسعا منذ عهد الجاهلية غير البعيدة من الاسلام ، وعبر تاريخ الاسلام ، في مشرق ومغرب وفي جنوب وشمال . . ثم انطفأ وهجها بعد ذلك قرونا ثم بدأ في الانبعاث من هنا اخيرا .
وقد بحثت في المراجع التى لدى ، حين البدء في مشروع تأليف هذا الكتاب ، لعلى أجد كتابا - قديما ، أو حديثا - الف خاصة عن هذه القبيلة فما وجدت لذلك اثرا ولا خبرا ، وفوق كل ذى علم عليم .
وجدير بالذكر ان اقول : انى قد راجعت كثيرا من المصادر التاريخية والجغرافية والدينية والادبية والاجتماعية والسياسية .
في نسج خيوط هذا المؤلف . . مما هو موضح أغلبه في هوامش صفحات الكتاب . . بأرقام الصفحات والاجزاء وأسماء المطابع وأماكنها وتاريخ الطبع . . وقد أخذ هذا الصنيع ، من وقتى ومن جهدى الكثير ، ولكنى لم ارتض التخلى عنه حتى آخر فصول الكتاب .
يضاف الى ذلك انى لم اكتف بمجرد النقل عن المصادر ، فقد قمت بمناقشة ما تتراءى لى ضرورة مناقشته من الآراء والابحاث والاقوال ، مثبتا وجهة نظرى في هذه المناقشات العلمية المجردة الهادئة .
وممن عقدت بعض الفصول في مناقشة آرائه العلامة : ( عبد الرحمن بن خلدون ) الذى يبدو في تاريخه الكبير - العبر - وفي مقدمته العظيمة . . انه كانت في نفسه (( عقد )) عميقة الجذور حيال عرب (( بنى سليم )) وعرب (( بنى هلال )) الذين دخلوا شمال افريقية في القرن الهجرى الخامس وفق ترتيب سياسى خاص حبك نسجه خارجا عن نطاق مشورتهم ( الوزير اليازورى ) في مصر مع المستنصر العبيدى ، فآتى (( الترتيب السياسى المحبوك )) أكله يانعا من كل النواحى كما أراد ( اليازورى ) وكما قدر للحاكم العبيدى الذى فوض اليه نسج هذه المؤامرة ، على بنى سليم وبنى هلال وبربر المغرب على السواء . .
ومن ناقشتهم غير ابن خلدون كثيرون بوسع القارئ أن يطلع على ذلك اذا ما قرأ فصول الكتاب .
وقد راعيت الانسجام بين فصول الكتاب، فهى حلقات متسلسلة مترابطة برباط وثيق أشبه بالتيار الكهربائى يسرى في الاسلاك
فيبعث فيها الدفء والنور ، او بالخيط الدقيق يربط بين أجزاء النسيج .
والكتاب - على العموم - يعرض للقارئ في أشرطة متتابعة مراحل ((تاريخ بنى سليم)) سواء عندما كانوا في ديارهم الاصلية أم في غيرها خلال هجراتهم الجماعية الكبرى او الصغرى ، وهو يتبع حركاتهم وسكناتهم وهجراتهم واحوالهم السياسية والعلمية والأدبية والاجتماعية في الاقطار التى نزحوا اليها واستقروا فيها ، ونالوا فيها العز او نالتهم فيها المتاعب . .
ولقد سهم بنو سليم في فتوح الشام ومصر والمغرب والاندلس والعراق وما وراء النهر والسند والهند ، فعرضنا هذا الشريط المشرف من تحركاتهم الاسلامية .
وهاجروا أول ما هاجروا من ديارهم الاصلية الواقعة بين الحجاز ونجد في العقد الاول من القرن الثانى الهجرى الى مصر ، فأوردنا ما تمكنا من ايراده من تاريخ حياتهم بها في هذه الحقبة ، اعتمادا على المصادر التاريخية وغيرها .
ثم انساحوا مع القرامطة الى الشام ثم الى البحرين ، فتتبعنا خطوط تحركاتهم وآثارهم واعمالهم هناك وهنالك أيضا .
ثم استقرت بعض بطونهم بمصر ردحا من الزمن ، وكانوا فيها شبه محاصرين من قبل الحكام . . ثم اطلق لهم العنان من قبل حكام مصر دفعة واحدة ودفعوا الى شمال افريقية دفعا وأغروا اغراءا ، ماديا وسياسيا وأدبيا كبيرا من قبل السلطة الحاكمة في مصر اذ ذاك ( وهم العبيديون ) لينزحوا الى شمال افريقية زرافات ووحدانا ، وقيل لهم عندها : أن شمال أفريقية طعمة لكم ، وان لكم حق التصرف فيها ، كما يحلو لكم ، وكان في ذلك
شبكة محبوكة ، وضع فيها الحاكم العبيدى عامله بافريقية الشمالية الذى شق عصا طاعته بافريقية الشمالية و (( فخا )) محكما نصبه له الوزير ( اليازورى ) الفلسطينى الاصل وذلك لتقويض حكمه ، وقد اعطى هذا الترتيب المزدوج المحكم ثماره كاملة على ما يراد به ، كما أشرنا اليه آنفا . ولقد تتبعنا كل التحركات التى قام بها السلميون هنالك ايضا وسجلنا وقائعها بتجرد وامانة حسب ما ينطق به ما لدينا من مصادر .
و (( لبني سليم )) تاريخ حافل قديما فى ديارهم الاصلية بهذه البلاد ايضا ، وقد سجلت ما وسعنى تسجيله لهم وعنهم في هذا المضمار . ولئن انكمشوا منذ امد بعيد فلذلك عوامل داخلية وخارجية اثبتنا منها ما تسنى لنا اثباته .
ويحوى الكتاب كذلك ، استعراضا لأصول (( بني سليم )) الاولى ، وفروعهم المحدثين حتى العصر الحاضر . وفيه تاريخهم القديم في الجاهلية ، بقدر ما تجود به المراجع التى هى عندى ، وفيه تاريخهم بصدر الاسلام ، قبل فتح مكة وبعده .
وفيه تعريف بديارهم القديمة في داخل المملكة العربية السعودية ، وفي خارجها . . الى قصص طلية من ماضيهم الذهب ونبذ عن الآثار المنقورة على الصخور في ديارهم الاصلية بشبه جزيرة العرب .
كما يتضمن فصلا عن ملامحهم ونماذج لحياتهم الحاضرة المنطبقة على أوصاف العرب القديمة وتراجم الكثيرين من رجالاتهم المدونة تراجمهم في مختلف الكتب والمصادر القديمة والحديثة سواء أكانوا من الصحابة أم من التابعيين وسواء أكانوا أمراء أم ولاة أم حكاما أم قادة أم علماء أم قضاة أم سراة وتجارا وكتابا وندماء ، هذا الى تراجم الفضليات من نسائهم سواء أكن عالمات أم شاعرات . .
حتى الشعر العامى الحديث المعروف بالنبطى قد ادرجنا نماذج منه ، مع طائفة من أمثالهم العامية الدارجة الى اليوم وشرح أهدافها ومراميها ، كما ذكرنا جوانب من عاداتهم الحالية في بلادهم الاصلية .
وفي الكتاب صور عديدة ذات علاقة ببلاد بنى سليم ، منها ما هو أثرى وما هو طبعى . . ومنها ما هو غير ذلك .
وقد زيناه بخريطتين أحداهما عامة لمساكن قبائل العرب ومنهم بنو سليم وجيرانهم وهذه مأخوذة من كتاب ( تاريخ العرب السياسى ) للدكتور حسن ابراهيم حسن والثانية مختصة تقريبا بمساكن بنى سليم خاصة في حرارهم وجبالهم واوديتهم وقراهم ، وهي ماخوذة من المديرية العامة للثروة المعدنية بوزارة البترول والثروة المعدنية ، ولعلها أول خريطة تنشر فى كتاب حديث عن بنى سليم بهذه البلاد على ما نعلم ، وللمديرية العامة للثروة المعدنية في جدة الفضل في رسم هذه الخريطة . . وللدكتور فاضل قبانى وكيل وزارة البترول والثروة المعدنية بهذه المملكة شكر كبير في الافضال بها . .
هذا ومما يلاحظ الباحث المتقصى ان (( بني سليم )) من وجه عام ، كانوا (عاطفيين) سريعى الانفعال والتفاعل مع الحوادث القائمة ، وهذا - والحق يقال - مما جلب لهم كثيرا من المجد ، كما انه اثمر لهم كثيرا من المتاعب عبر القرون . .
والكتاب ذو صلة مباشرة بالرحلة السلمية القصيرة المدة والمدى التى كنت قمت بها الى ديار بنى سليم بشرق شمال جدة في أوائل عام ١٣٩٠ ه - ١٩٧٠ م . . والكتاب ذو علاقة منسجمة مع
البحوث والتحريات العلمية التاريخية التى كنت عنيت بالقيام بها ونشرها فيما مضى في فترات متباعدة بعض الشئ . . سواء فى ذلك ما نشرته فى كتيب (( تحقيق أمكنة مجهولة فى الحجاز وتهامة )) أم ما نشرته فيما بعد بمجلتى (( قافلة الزيت )) و (( المنهل )) وقلت انه ذو صلة مباشرة برحلة ىسليم ، فان هذه الرحلة مكنتنى من ان أشاهد عن كثب ديارهم فسجلت مبدئيا انطباعاتى في ذلك العدد من المنهل . . ثم توسعت في التسجيل فكان ((مولد)) هذا الكتاب . وقلت انه ذو صلة منسجمة مع ما نشرته قبلها من بحوث عن بنى سليم . لان تلك البحوث هى التى كانت المفتاح الاول لولوج هذا الموضوع التاريخى الهام . .
وجدير بالذكر ان انبعاث بنى سليم الحاضر وغيرهم من بادية المملكة العربية السعودية - هو من ثمار النهضة المباركة الشاملة التى تسير قدما في دروبها المتصاعدة هذه المملكة والتي يرعاها المليك الموفق والامام الراشد قائد النهضة العربية السعودية ورائد التضامن الاسلامي (( فيصل بن عبد العزيز )) ايده الله وابقاه ذخرا .
وانى لا ابرئ الكتاب من الغلط والوهم والخلل والزلل . . غير انى استطيع في الوقت ذاته ان اقول بتجرد : ان رائدى في تأليفه هو الاخلاص والرغبة في القاء بعض الاضواء على جانب من جوانب تاريخ هذه البلاد بقدر الامكان . وكل أعمال البشر - ما عدا الانبياء عليهم السلام- معرضة دائما أو غالبا ، للغلط والوهم والزلل والقصور . والله اسأل أن ينفع به ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، انه سميع قدير ، وبالاجابة جدير .
جدة
