مكانك

Share

تحمدي

في الفصل الاول تحدث المؤلف عن ( المرأة طبيعة ووظيفة ) وعرضنا عنه في الحلقة الاولى من هذا البحث ويقدم المؤلف في الفصل الثانى ( الاسرة طبيعة وشريعة ) وأحسن جدا في تحديد الادوار التى تمر بالاسرة قبل الزواج وبعده والانفاق ومستلزماته وتربية الاولاد وآداب الاسرة ثم عرض لمشاكل الاسرة وأوجز فيها جدا بحيث نقل فيها ما ورد في حقها من أحكام الشريعة الغراء وكان هذا العرض خاليا من التعليق الوافي والشرح المحدد لعلاج هذه المشاكل بحسب الواقع الذي تعيش فيه الاسر اليوم على ضوء ما جاءت به أحكام الشريعة الغراء لان في التعليق والشرح ما يعطى الحلول وما يسجل جهد المؤلف في هذا المضمار الذى يتصل بشؤون الاسر تجاه هذه المشاكل التى عددها في كتابه وهى : ( النشوز والشقاق ) ( الطلاق ) ( الارث والوصية ) وان كان ما أدلى به المؤلف عن الاحكام الشرعية يصلح مرجعا لمن أراد أن يقف على مدلول هذه الاحكام بالوجد الشرعى وحبذا لو عرض لاقوال الائمة الاربعة الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة ، ولكنه رغم ايجازه في

بحثه فقد أحسن في هذا المجال لان المطلع بحاجة الى أن يرجع الى هذه المدلولات وان كان بحاجة الى شرحها وتعليقها من مؤلف قادر على تحقيق هذا الجانب في كتابه بثقافته الدينية وأسلوبه الادبى الممتع وقد أحسست بالغبطة في تعليقه الذى جاء مقتضيا في أمر الطلاق حين قال : واذا لم يكن من الطلاق بد - وهو أبغض الحلال في نظر الاسلام - فالزوج المسلم - مأمور أن يكرم طليقته ، وأن يمنعها بهدية أو عطية تليق بمقدرته المالية ومقامه الاجتماعى ، وذلك لكى يستيقن الزوجان معا ، وبخاصة المرأة ، انهما وان انفصلا فلا عداوة بينهما ولا شحناء . بل يظلان صديقين على البعد . ) ولو اننى وقفت عند تفسير الصداقة على البعد وأردت تعريفا لها فلم أظفر به . الا كيف تكون الصداقة بعد الطلاق ؟

الطلاق القطاع علاقة بين طرفين لا قيام صداقة بين طرفين . ولو ان الصداقة قائمة بينهما لما وقع الطلاق حتى تكون قائمة بعد الطلاق . . وقد أشار الى قوله تعالى : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) أشار الى هذا في سياق كلامه عن صداقتهما على البعد وبالرجوع

عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس قال أقربهما للتقوى الذى يعفو وكذا روى عن الشعبى وغيره وقال وقال مجاهد والنخعى والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن انس والثورى : الفضل ههنا ان تعفو المرأة عن شطرها أو اتمام الرجل الصداق لها ولهذا قال عز وجل : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) أى الاحسان قاله سعيد وقال الضحاك وقتادة والسدى وأبو وائل المعروف يعنى لا تهملوه بل استعملوه بينكم وقد قال أبو بكر بن مردوية : حدثنا محمد بن أحمد بن ابراهيم حدثنا موسى بن اسحاق حدثنا عقبة ابن مكرم حدثنا يونس بن بكير حدثنا عبد الله بن الوليد الرصافي عن عبد الله بن عبيد عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

ليأتين على الناس زمان عضوض بعض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل وقد قال الله تعالى : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ( شرار       كل مضطر ) وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وعن

بيع الغرر فان كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا الى هلاكه فان المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه . وبهذا يكون تفسير الآية حيال تطليق النساء قبل أن نمسهن لا بعد معاشرتهن وانتهاء علاقتنا بهن وان لها مدلولا أخر هى عن العلاقة العامة بيننا وبين الناس ولم تشر الآية عن بقاء المطلقة صديقة على البعد مع مطلقها سواء جرى مسها في عشرتهما أو لم يتماسا والمدلول الآخر عن العلاقة العامة بيننا وبين الناس قال سفيان عن أبى هرون قال : رأيت عون ابن عبد الله في مجلس القرظى فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء ويقول : صحبت الاغنياء فكنت من أكثرهم هما حين رأيتهم أحسن ثيابا وأطيب ريحا وأحسن مركبا ، وجالست الفقراء فاسترحت بهم وقال : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) اذا أتاه السائل وليس عنده شئ فليدع له ، رواه ابن أبى حاتم ( إن الله بما تعلمون بصير ) أى لا يخفى عليه شىء من أموركم وأحوالكم وسيجزى كل عامل بعمله . ا ه

وقد رأيت بعض الناس حين يقال لهم : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) يردون على هذا بقولهم : وهل هو امرأة ؟ كأنهم يحددون تقرير الفضل بين الناس على علاقة ما بين الرجل وزوجه وهم يجهلون ان في هذا المعنى الشمول بالعلاقات العامة في معاملة بعضنا لبعض .

ونعود الى قول المؤلف وهو يضيف الى قوله : ( بل يظلان صديقين على البعد ) قوله : ( يذكر أحدهما رفيقه السابق بالخير ويشكره على الفضل ) ولكن هذا

الذكر وهذا الشكر لا يبلغان بهما حد الصديقين على البعد لان الصداقة ارتباط بين جانبين وقد أنهى الطلاق هذا الارتباط .

ومما أجاد فيه المؤلف وأوفاه حقه موضوع ( الارث والوصية ) وهاجم من يتهم الاسلام زورا لانه جعل الارث ( للذكر مثل حظ الانثيين ) وبين الحكمة في هذا التشريع الاسلامى وليته أفاض في هذا كثيرا لانه موضوع يتطلب تعليقا وافرا وشرحا مسهبا لان اقتضاب هذا الموضوع يدل على ان المؤلف أراد أن يؤدى بحثه في اقتضاب وايجاز بالغين في حين ان هذا الموضوع بالذات ينبغى أن يشبعه بحثا وتدليلا فقد اشتغل أعداء الاسلام به والله متم نوره ولو كره الكافرون .

واختتم المؤلف الفصل الثانى بعرض موفق بشأن ( الاسرة في الديانات الاخرى ) ولا بد انه أراد بهذا أن يبرز مركز المرأة في الاسلام لذلك هو يقول في هذا الموضوع : ( أى نظام للاسرة خير من نظام الاسلام ؟ وفي أى حضارة أو ديانة أو مدنية قديمة أو حديثة ظفرت المرأة بحقوقها الطبعية والشرعية وكرامتها الانسانية والاجتماعية كما ظفرت بها في ظل الاسلام ) ودل ببحثه في هذا الموضوع على غزارة علمه وسعة اطلاعه ودراسته لقضايا المرأة في القديم والحديث ، فأكرم به من باحث ولمؤلفه الذى هو جدير بالاقتناء بل وجدير بأن يحتل في المكتبة العربية مكانه اللائق به ، وفي الحلقة الثالثة في ختام هذا البحث .

جدة

اشترك في نشرتنا البريدية