ماضى العرب
كان العرب فى ماضيهم قبائل متفرقة فى جزيرتهم اشبه بذرات التبر في منجم الذهب ، فعلى الرغم من قيمة كل فرد منهم فى ذاته الا انهم كجماعة لم يكن لهم رباط يوحدهم ، ويشد أزرهم ويقيمهم كأمة قوية لها كيان يحسب حسابها فى المحيط الدولى ومن حولهم
وكان العالم من حول العرب يموج بالشر والبغى وتتقاتل دوله الكبرى فى عنف وشراسة فى سبيل الاستعلاء فى الارض وبسط السلطان يقودها أناس يجرون وراء أمجادزائفة لايهمهم فى قليل ولا كثير شقيت شعوبهم أم سعدت .
فلما أراد الله بالعالم خيرا هيأ أسباب اجتماع شمل هؤلاء العرب والف بين قلوبهم فاصبحوا بنعمة الله اخوانا حول رسول كريم من انفسهم ووراء قرآن مجيد بلغتهم
وكان اجتماعهم انبعاثا قويا . . . لفضائلهم وخصائصهم التى نقاها الدين من شوائب الباطل وعوامل الضعف كما ينقي التبر من الشوائب والأوضار فاذا هو الذهب الخالص الوهاج . .
ومن هنا طلعت شمس الخير على العالم ، فقد عز العرب بتوحدهم وتأخيهم عزة لم يسبق اليها امة من
أمم الأرض ، لانها عزة الحق الصريح والخير المحض لبني الانسان جميعا وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين . . وكان الرسول شهيدا على العرب ، وكان العرب شهداء على الناس . .
وخرج العرب من جزيرتهم الى شعوب العالم وهزموا جموع الممالك العتيدة من الفرس والروم وغيرهم . ولكنهم كانوا رحمة لشعوب هذه البلاد التى فتحها الله لهم ، وكان رفقهم بهم ورعايتهم لمصالحهم بصورة لم يسبق للناس ان رأوا مثلها فأشاعوا العدل بين الناس حتى قال بعض المؤرخين الغربين ان شعوب الارض لم تذق طعم العدل الا على أيدى العرب
كان العرب يملكون الدنيا من اقطارها وأتاهم الله الحكم والعلم . بفضل خلود كتابهم الذى جاء به رسولهم الكريم ، فكان شكر نعم الله على هذه النعم ، ان افاضوا على الناس مما انعم الله به عليهم ، فكانت العدالة الحقة والأخاء الحق والمساواة الفعلية
ميل الشمس للزوال
ولما أراد الله لهذه الشمس المشرقة بالزوال وكل شمس الى زوال شغل العرب بالملك والدنيا وغفلوا عن منبع القوة فيهم وأعجبتهم كثررتهم فلم تغن عنهم من الله شيئا . فكانت كثرة كغثاء السيل !
وهكذا فقد العرب مكان الصدارة من العالم وظلوا فى تأخرهم خطوة بعدخطوة تبعا لازديادغفلتهم وتهاونهم فى دينهم حتى صاروا فى المؤخرة ، وغابت شمس العرب وانتشر ظلام البغى والظلم من جديد يروع الشعوب وينكل بهم ، فتشتت العرب وتفرقوا وقطعت بلادهم والبلاد التى بسطوا نفوذهم عليها وأصاروها عربية لغة ودينا الى اوصال ممزقة لا حول لها من امرها ولا قوة .
بشائر الفجر في حاضر العرب
ومهما طال الليل واحلولك ظلامه فلا بد من الفجر ، واذا تفتت المعدن النفيس الى ذرات ضئيلة فما ايسر ان تجمع لتصير كتلة لها قيمتها التالدة الخالدة .
وكانت تباشير الفجر فى تلك الصيحة التى دوت في ارجاء الجزيرة ونادى بها المنادى حى على الفلاح حى على التوحيد ونبذ الشرك والخرافات والتخلص من عوامل الوهن والضعف والتفرق والاجتماع على دين الله الخالص من الشوائب والأوضار وهذا تكرار لما نادى به محمد الرسول الامين صلى الله عليه وسلم ، وكان الجواب من
العرب سريعا فى الحاضر كما كان فى الماضى فاذا الشمل يلتئم مرة أخرى والتوحد يتحقق فى جماعة واحدة واذا مملكة واحدة قد أرسي اساسها على دين الله الذى انزله الله على الرسول العربى لهداية العرب والناس اجمعين واذا نبض القلب بالحياة فى الجسد الهامد دب دبيب الحياة في سائر الاعضاء والاوصال وهذا هو عين ما حدث في
اجزاء العالم العربي الممزق ، فسرت مظاهر الحياة في اطرافه .
وهاهو العالم ينظر مرة اخرى فيرى العرب الذين ظن بهم الموت والفناء ينتفضون انتفاضة الحياة فى حيوية وقوة باهرة ، لافى موطن العرب الاول وجزيرتهم فحسب ، بل فى مصر ، وسوريا ، والاردن ، والعراق ، ولبنان ولبيبيا وتونس والجزائر ومراكش
لقد استيقظ العرب في كافة انحاء العالم العربي يقظة يبتغون بها استعادة مكانهم من العالم وهو مكان الصدارة والقيادة والتوجيه .
أسطورة اسرائيل
وقبل ان يستكمل العرب يقظتهم فوجئوا باسطورة اسرائيل فى فلسطين فاذا عرب فلسطين وأهلها قد شردوا وطردوا من ديارهم ، واذا بشراذم من يهود العالم يحتلون هذه الديار . . بدعوى انها ارض المعاد .
لقد مكنت الدول الغربية لهؤلاء المساكين تحقيق هذا الحلم ظنا منها انها تقيم المعاقل وتصنع آخر العراقيل فى سبيل نهوض العرب ووثثبتهم لاسترداد مكانهم بين العالم . . الا شدما وهموا وتخيلوا . .
انني أرى مسألة اسرائيل اسطورة لانها قامت على غير أساس . فاسرائيل هو اسم نبي الله يعقوب حفيد ابراهيم ابي الانبياء الذي قال الله له " اني جاعلك للناس اماما ، قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدى الظالمين
فابراهيم وولده اسرائيل ابرياء من هؤلاء الظالمين الذين ينتحلون هذا الاسم زورا وبهتانا .
هذا بالنسبة للاسطورة من ناحية الشكل ، اما من ناحية الموضوع فان اعمال هؤلاء الفاسقين وتصرفاتهم ، وانحلالهم الشنيع وبعدهم كل البعد عن أى معنى من معاني الخير والفضيلة كل هذا يشهد انهم لا ينتمون بصلة الى اسرائيل النبى الكريم ، وانهم لن ينالوا عهد الله لانهم من الظالمين الذين قضى الله الحكيم العادل بحرمانهم من عهده حتى على فرض أنهم من ذرية ابراهيم عليه السلام !
وأحس العرب بوجود هؤلاء الظلمة فى فلسطين كالغصة فى حلوقهم وحق لهم ان يغصوا بهم لان اليهود انما يطمعون فى بسط نفوذهم على العالم العربى اجمع بمعونة حكومات العالم فيحلمون بسيناء ويجعلونها فى خريطة بلادهم وبمصر ، بل ان احلامهم لتتجاوز ذلك
ورب ضارة نافعة فان وجود هؤلاء الظلمة البغاة في هذه المنطقة الحساسة بالنسبة للعالم العربى فهى أولى القبلتين ومحل الاسراء واحدى البلاد الثلاثة التى أقسم الله بها فى سورة التين ، كان هذا من الحوافز القوية للعرب على استعجال اسباب اليقظة والتجمع والتكتل لدفع الظلم والظفر بالحق المهضوم .
وعندما تتم يقظة العالم العربى تماما سيرى العالم أجمع ان العرب قد ازالوا في سهولة ويسر ، كافة العوائق والعقبات التى وضعها اعداؤهم في
سبيل نهضتهم واهون هذه العوائق اسرائيل . .
ان الشراذم التى تحتشد الآن فى ارض فلسطين لمامة من دول العالم كانوا يعيشون بين شعوب هذه الدول كما تعيش الميكروبات فى الاجسام وليس من الممكن علميا ان تعيش الميكروبات مستقلة بذاتها ، وان ابادة الميكروبات مجتمعة مستقلة فى قارورة أيسر الف مرة من تعقبها فى اجساد الناس !
ولهذا ينبغي ان يثق العرب من أن الله سبحانه قد اراد بهم خيرا ، اذ أتى لهم بعدوهم هذا الضئيل . . معتديا مسلحا على شكل دولة قائمة فى فلسطين ، فما هو الا ان يميلوا عليهم ميلة واحدة ، حتى تتبخر تلك الاسطورة واذا الستار يسدل على تلك التمثيلية التافهة الغثة التى الفها بعض ساسة الغرب من تلاميذه اليهود . . ومثلوها على مسرح فلسطين ! وعندئذ يفرح المؤمنين بنصر الله . .
مستقبل العرب
أما المستقبل فانه بيد الله ما فى ذلك شك ، ولكن القاعدة المقررة أن كل من سار على الدرب وصل ، ونحن لا نعني الا درب العرب الذي سار فيه اباؤهم من قبل حيث كان شعارهم التواصى بالحق والتواصى بالصبر
لقد كانت القوى المادية من عتاد وأسلحة واموال ورجال ومصانع وعلوم فى ايدى امم الأرض من فرس وروم
وغيرهم وكانت لديهم الجيوش المنظمة المدربة القوية ، ولم يكن في أيدى العرب من كل هذا قليل او كثير . . ولكن القوة التى غلب بها العرب العالم وظهروا عليه بها ، كانت فى قلوبهم ايمانا بخالقهم الواحد القادر الذى من عليهم بالتأخى فى سبيله والتضامن على هذا المنهاج الواضح والسير على هدى نبيهم محمد العربى الامى والاخذ بما جاءهم به القرآن الكريم .
فكانت النتيجة ان انتزع العرب بهذا السلاح الفعال جميع الوسائل والقوى المادية من ايدى الامم الأخرى التى كانت تعبد آلهة اخرى غير الله .
واذا كانت تلك الامم الماضية قد عبدت الشمس والقمر والنار والعجل فان أمم العالم الحاضر تعبد آلهة أخرى هى المال والمرأة وشهوات التسلط والبغى وبسط السلطان والاستعلاء فى الارض بغير الحق
وأذن ينبغي ان يؤمن العرب بان يقظتهم ونهضتهم وتحررهم لن يتم الا اذا نهجوا نهج اسلافهم تماما فعبدوا جميعا الله وحده ولم يشركوا به شيئا وابتغوا وجهه فيما يؤتيهم من نصر وخير .
فاذا مكن الله للعرب في العالم . . واستعادوا مكانتهم اللائقة بهم وعي مكانة الائمة الهداة ، فانهم سيملكون بالتالي كافة القوى المادية التى يملكها العالم الآن ، وسيضيفون اليها قوى أخرى قد تبلغ اضعاف اضعافها . . ولكنهم لن يستخدموا هذه القوى . . قوى العلم والصناعة فى التهديد والأذى كما تفعل دول العالم الآن . بل انهم ، بوحي من دينهم المتين . وخلقهم القويم ، سيسخرون هذه القوى لخير الناس جميعا فى مشارق الارض ومغاربها كما فعل اجدادهم من قبل ان شاء الله

