(( عبد الحميد الحقيل )) يعد في طليعة الشباب المثقف لا لأنه يحمل مؤهلا عاليا في الشريعة ، ولا لأنه من بيت علم وأدب ، ولكن لأنه في الوعي وحب القراءة والتضلع في الأدب والتاريخ بلغ مرتبة استحق بها أن يكون من طلائع شبابنا . . كان يكتب في الصحافة ، ويذيع في الاذاعة ، ويتحدث على شاشة التليفزيون ، فنرى في شخصه الرجل الذى يسعى الى الاصلاح ويحب التوعية ويؤمن بتوعية الآخرين ، ولهذا فلا غرابة أن يجمع شيئا من كلماته المتناثرة لتكون كتابا للجيب قيما يضم بين دفتيه أكثر من أربعين كلمة بليغة في أكثر من مائة وسبعين صفحة حوت ما لذ وطاب من بديع القول وعذب الكلام ورقيق المعانى فى الأدب والاجتماع والتاريخ والرحلات والتوجيه والارشاد والنصح .
والكتاب هو كما قالت عنه مؤسسة المعارف (( نفحات طيبة في الأدب والتربية والاخلاق والرحلات صاغها بأسلوب شائق ( شيق ) متين . . فيه عمق وفيه اداء مهذب - (( عبدالله الحمد الحقيل )) من أدباء المملكة العربية السعودية )) انتهى .
اما موضوعات الكتاب فقد بلغت من الدسامة والفائدة درجة صارت بها من لوازم الشاب والشيخ والمدرس والمربي . . ومن يقرأ فيها حديثه عن اللغة الفصحى ، وعن طرفة بن العبد الشاعر الجاهلى ، وعن العقاد ، وعن الأديب ، والحوار الأدبى ، والجائزة الأدبية، وفعاليتها ، وتأثير البيان - يدرك أي أستاذ في الأدب يغار عليه ويدعو الى بنائه وتشييده ودراسته . .
ومن يقرأ كلماته في احياء التراث الاسلامى ، والاسلام قول وعمل ، وغيرهما يدرك غيرته على الاسلام ، ودعوته اليه وغوصه في أعماقه .
ومن يقرأ كلماته (( من أهداف رسالة
المعلم ، والمدرسة ، والمنزل ، ورسالتهما التربوية ، وأثر التدريب التربوي ، والعلم مثابرة ، وتعليم الفتاة ، وحسن الخلق ، والوفاء بالوعد ، ورعاية الوالدين ، والأفكار البناءة ، وأهمية المحافظة على الوقت - يدرك أي مصلح هو ومدرس ومرب جدير بأن يكون لكلماته الهادفة وقعها في النفس والقلب من أبناء الجيل )) .
ومن يقرأ كلمته (( هواية غير مفيدة )) - يدرك أي شاب يستفيد من الوقت ، وما هجومه على أولئك اللاصقين بالارض كما يقول الاستاذ عبدالله بن ادريس وكما وصمهم - يعرف أهمية هذا الشاب المهذب،في عقله وسلوكه وعلمه ، ويعرف قيمة دعوته لنبذ الملهيات والمسليات التافهة ، للاتجاه الى ما يفيد ويبني العقل والبلد . . كالقراءة الحرة في أوقات الفراغ .
أما من يقرأ رحلته للأندلس ورحلته الى جبل طارق اللتين استغرقتا خمسين صفحة واللتين تجول على ضوئهما في فردوسنا المفقود الزاهى الذى لم يبق الا رسومه ، ولم يبق الا البكاء عليه اذ لم يبق الا تاريخه في بطون الكتب - ان من يقرأ هذه الخمسين صفحة يكبر قدر الرجل ويذرف دمعا سخينا على تلك الجنة التى ضاعت ، وما ضياعها الا بسبب اضاعة الدين والاتجاه الى التناحر والتباغض والتحاسد وحلول النعرات الطائفية والخلافات العنصرية محل الشريعة الغراء التى بها ملكنا الاندلس وتربعنا على أكثر بلاد العالم .
نعود الى الكتاب أو الكتيب فنجده غذاء لكل شاب يحب العلم والمعرفة ويهفو لتهذيب فكره وتصحيح مفاهيمه ، في زمن اختلت فيه الأخلاق وتغيرت فيه المفاهيم الصحيحة . .
فمزيدا - أي عبد الله الحمد الحقيل !- من
هذه الكلمات التى لم تتناثر ولم تضع،لأنها درر وجواهر وغرر .
- ٣٥٦ - ما رأيك أيها القارئ في هذه المعلومات المذهلة ؟
أيها القارئ العزيز : تدبر هذا جيدا . . يقول الدكتور حسين فهمى ، من مقالة نقلتها البلاغ اللبنانية ما يلى :
* ينبغى ان نجرى وراء الكاتب الفرنسى روبير شارو في رحلته الطويلة جدا وراء الذين نزلوا من كواكب أخرى الى الارض ، وتركوا آثارا ورسائل سرية على الحجر وفي الكهوف وفي المعادن ، وتركوا وجوها وعلامات وعبارات .
* ان هذه الرحلة عمرها عشرات الالوف من السنين ، وقد استغرقت من الكاتب الفرنسى عشرين عاما قطعها - أو قطعته - في المتاحف والمعامل والمكتبات والمراصد والكهوف الساخنة والكهوف الباردة .
* واستمع الى العلماء والى الدراويش في أوروبا وأميركا وآسية وافريقية . . واذا كنا نحن نحاول الآن ان (( نصعد )) الى الكواكب الاخرى ومحاولاتنا هذه مؤكدة فان كاننات أعقل وأحكم (( هبطت )) من الكواكب الاخرى الى الارض وكانت هذه الكائنات غريبة الشكل والحجم . وقد احتفظت لنا الأحجار بكثير من صفاتها الجسمية والعقلية أيضا .
* ومن المؤكد - علميا - ان الانسان قد عرف منذ أكثر من عشرين ألف سنة ، القنبلة الذرية . . وعرف الكهرباء ، بل عرف أشعة الموت أيضا وعرف تحويل المعادن الى ذهب ، وعرف كيف يعجن ..
* ونحن لا نعرف الآن بالضبط لماذا كانت هناك - دائما - جمعيات سرية تحذر بنى الانسان من الحديد
ومن النار ، فلا حضارة بلا حديد ونار ، ولا دمار بلا حديد ونار أيضا .
وهناك عبارات غريبة في بيرو ، وفي مدن فرنسا ، وفي ضواحى فيينا تحذر الانسان : احترس عن الحديد . . احترس من النار ، هذه العبارات عمرها ثلاثون ألف عام .
* ومنذ ألوف السنين قال الفيلسوف الاغريقى أرسطو : الدهشة بداية العلم . . وفي الكون أشياء وأحداث كثيرة مدهشة .. أحداث وقعت من ألوف السنين ، وأحداث وقعت من ألوف الايام ، وليس علينا الا أن نندهش ، وأن نفتح عقولنا أوسع من عيوننا ، وأن نتساءل : ما معنى ذلك ؟ ولماذا ؟ وهل سيحدث ما حدث ؟
ثم يستمر الدكتور في حديثه الجميل وأفكاره العجيبة فينتقل من التفكير والآراء والتخمين الى الدخول في صلب الموضوع فيقول :
* ندخل في الموضوع بسرعة . . فندخل في مرحلة الدهشة . . وننظر رأى العلماء هذا العام أو هذا القرن . . فمن المعروف أن العالم الامريكي بنيامين فرانكلين هو الذى اخترع (( مانعة الصواعق )) وهى عصا معدنية توضع في أعالى العمارات والطائرات لتمتص الصواعق الكهربائية ، وبذلك تنجو العمارات والطائرات من الاحتراق .
* هذه حقيقة علمية ، ولكن ماذا نقول في كتب التاريخ التى سجلت لنا ان عددا من البيوت في مدينة القدس القديمة على أيام الملك سليمان كانت تضع هذه الأعواد الحديدية في أعلاها ؟
وكان المؤرخون يظنون ان هذه الأعواد تجتذب الطيور فقط ، وبذلك لا تتعرض البيوت لفضلات العصافير والغربان .
* ولكن كتب التاريخ عادت وروت لنا مدهشات بعض الحكماء الذين كانوا يضعون هذه الأعواد الطويلة جدا في أيام الرعد والبرق وكانت هذه الاعواد تمتص
الشحنات الكهربية فلا يحدث حريق .
مانعات الصواعق
* من أين جاءت اليهم (( مانعات الصواعق )) ؟ لا يمكن أن تكون من اختراعهم ، وانما هم قد ورثوها وهناك كتب قديمة تضع مواصفات لمانعات الصواعق، وتحكم على رجال الدين فقط بأن يستخدموها وبأن يضعوها في مكانها من أى بيت . وكان ممنوعا على غير رجال الدين وضع هذه المانعات في أى مكان . وكان رجال الدين يحذرون الناس من استخدامها ويقولون : ان الكتب القديمة هى التى وضعت هذه الأعواد وهى التى حمت وضعها على المعابد والبيوت المقدسة فقط .
أعجب اكتشاف
* وفي آب سنة ١٩٣٧ عثروا على قطعة من الحجر في أحد كهوف مدينة فيينا . لم يكن شكل الحجر واضحا في الظلام ، فنقلوا الحجر الى النور ، ووضعوه تحت العدسات وتحت الأضواء الباهرة .
وجدوا أعجب اكتشافات القرن العشرين الأثرية . وجدوا على الحجر أناسا يرتدون الجاكتة والبنطلون والقبعة وفي أقدامهم أحذية وجوارب وعلى وجوههم رسوم حقيقية تدل على أنهم كانوا يصنعون نظارات طبية .
* عمر هذا الحجر حوالى ١٥ ألف سنة . ويعنى ذلك انه في ذلك الوقت كان الانسان متحضرا مثلنا أو كان على صلة بكائنات متحضرة مثلنا أو أكثر منا حضارة . ولا بد أن هؤلاء الناس كانت لهم مدن وبيوت وشوارع وسيارات وطيارات وسفن فضاء . . ولا بد أن بينهم مهندسين وأطباء وحلاقين .
ويختم الدكتور حديثه بهذه العبارات فيقول :
ومعنى ذلك ان الماضى ليس من الضرورى ان يكون ساذجا عبيطا وان يكون الناس عراة حفاة ، ان الماضى
قد تكرر في حاضرنا . او ان حاضرنا هو صورة أخرى من ماض قديم .
ولعل في أحاديثه القليلة ما يدهش ويعجب . والمهم في حديثه وأفكاره هو أن عنوان حديثه يدل على الاندهاش من هذه الافكار وهذه الآراء وهذه الاستنتاجات . . . . ولعل لعنوانه : (( الدنيا منذ مئة ألف سنة )) ما يوحى بالخيال . . فما رأي الحقيقة في هذا الخيال ؟
- ٣٥٧ - الى غير رجعة
أنقل هذه الطرفة التى نشرتها احدى الصحف :
* وقف الزوج البريطانى مستر هكسل آدامز أمام القاضى يقول :
- ان زوجتى امراة غير محتملة . . اننى أصر على طلب الطلاق . انها تحرص دائما على أن تعقد مقارنة أمام كل ضيف يدخل منزلنا بين فضائل الرجال والكلاب .
وفي كل مرة يفوز كلبها بثلاثة نقط ضد لا شئ . لقد قتلت هذه التصرفات حبى ، وحطمت قلبى .
وحكم القاضى للزوج بالطلاق ، وقال : انه لا يجوز أن تقارن الزوجة رجلها بأى حيوان آخر حتى ولو كان أليفا . انتهى .
وما من شك في ان اعطاء المرأة الحرية الضارة التى لا حدود لها ستجعل من زوجها ألعوبة تعبث بها عبث الصبيان بالاكر . . ان المرأة لها مملكة ولهذه المملكة حدود . . فاذا لم يفهم الرجل كيف يعطيها هذه المملكة بحدودها واذا لم تفهم المرأة هذه المملكة فان الخسارة والهزيمة ستحل بهما معا وسيمنى الزوجان بكارثة ويكونان ضحية لهذه الكارثة معا .
- ٣٥٨ - بئس الأبناء
عندما يترك الأب مالا لابنائه فهذا المال قد يكفيهم وقت الحاجة ويدفع العوز عنهم . . ولكن الثروة الحقيقية تتمثل في تربيتهم وتدريبهم على الحياة ليستفيدوا من المال ان كان هناك مال . . اما ان يكون الوالد ذا مال وأولاد . . ويهتم بماله وينميه في الوقت الذى يهمل بنيه ، فهذا اخفاق وهزيمة ، وأترك هذا وذاك لاقص عليك ايها القارئ هذه الطرفة التى تتمثل في هذه المناقشة بين أبناء ثلاثة وأبوهم يعاني سكرات الموت وسواء أكان هذا الموت مصطعنا أم موتا حقيقيا واليك القصة الطريفة :
* اشتدت وطأة المرض على أحدهم وكان غنيا كبيرا ، واخذ به النزاع الاخير فاجتمع أولاده الثلاثة حوله وهم يرقبون له الراحة الابدية .
وكانت فترة أغمض فيها المحتضر عينيه ووقفت حركة أنفاسه فظن الاولاد ان الوالد أسلم الروح ، فأخذوا يتحدثون فيما بينهم عن الجنازة :
قال الاكبر : يجب أن تكون جنازة والدنا من الدرجة الاولى لانه يستحق هذا الاكرام بعد الثروة الكبيرة التى تركها لنا .
فأجاب الثانى : لا ، ان والدنا كان مقتصدا فلا بأس من أن نجعل الجنازة من الدرجة الثانية .
فرد عليهما الثالث ، لماذا هذا التبذير يكفيه جنازة من الدرجة الثالثة .
واتفق ان الوالد لم يكن حتى ذلك الحين قد لفظ نفسه الاخير ولم يكن فاقدا وعيه فاستمع الى الحديث بكامله حتى اذا انهى الابن الثالث كلامه رفع الوالد رأسه وقال لهم بصوت متقطع : (( لا تتخاصموا يا أولادى فانا ذاهب ماشيا الى القبر )) . انتهى .
انى لا اشك في أن هذا الاب يعانى موتين : الاول : ان ابناءه لا يفكرون الا كيف يوفرون المال . والموت الثانى : فراقه الحياة - وهو من الالم والحسرة على ما جمع من المال بحيث انتهى الى هؤلاء الابناء الماديين الذين غاب عن بالهم ، بر الاب واحترامه وتقديره والترحم عليه . . ألا ما اتعس الابناء الذين هذا تفكيرهم . . وما اشقى الآباء الذين لا يغرسون الفضيلة والادب والدين في قلوب ابنائهم .
- ٣٥٩ - هذا ما يقوله العدو فانتبه أيها المسلم !
تقول احدى صحفنا ما يلى : -
* يرى اندرسون : ان السبب في عودة المسلمين الى القدس وانتصارهم على الصليبيين - هو عدم احتلال الاخيرين لدمشق . لان احتلال دمشق كان مفتاح مشكلتهم وضمان بقائهم !
* ثم يقول بصراحة : ( مرة أخرى ما لم تتحرك اسرائيل في الاندفاع نحو دمشق، فستبقى تلك الحرية الخطرة للعرب في نقل قواهم حول جهات ثلاث من اسرائيل ، وفي ذلك ما فيه ! )
* ويرى اندرسون : ان الاتجاهات السياسية السورية الحالية قد تساعد على تسويغ ذلك . . وان مثل هذه النزهة الحربية . . ستنطوى على فائدة دائمة لاسرائيل أعظم من أية فائدة تجنيها من التغلغل فى صحراء سيناء . انتهى .
أقوال ثلاثة ، لعدو متربص لا أعلق عليها بأكثر من أن المسلمين والعرب اذا لم ينتبهوا لما يعمله الاعداء ويسعون له في تقويض الاسلام وهدم مثله العليا فان
الكارثة ساحقة والهزيمة ماحقة . . . والمسلم والعربى اذا لم يتحدا على ضوء الاسلام وأساس الدين فان العدو سيصل الى غرضه . . . فهل من واع ومتدبر ؟؟..
- ٣٦٠ - عندنا ما ليس عندهم
( أهدي هذه الكلمة الى رياض حنين ) قال رياض حنين الكاتب المعروف في لبنان ما يلى :
( طه حسن لبنان )
كم من مبصر اعمى . وكم من أعمى مبصر ! . .
ونديم طانيوس سرجان ( ٣٠ سنة ) ذاك الاعمى المبصر الذى نال هذه السنة من يد رئيس الجامعة الامريكية صموئيل كير كوود ، شهادة الماجستير فى التاريخ المعاصر .
توصل إلى هذه الشهادة أمس ، وربما الى غيرها غدا ، بارادة حطم بها اليأس ، وتعالى فيها على العاهة. مصمما بتفاؤل على ان يكون ما هو عليه اليوم، أى رجل مثقف . يعيش حياته بلذة المعرفة . ويشارك في المجتمع كعضو فاعل ، لا أن يقبع منزويا . يندب حظه العاثر .
لقد فقد نديم سرحال نظره وهو في الثانية عشرة ، والتحق بمدرسة المكفوفين ، وتعلم بوساطة أسلوب (( برايل )) اللغة الانكليزية ، وحصل على شهادة الـ (( جى . سى . أى )) بالمراسلة بموادها الست : ثلاث منها حضرها بنفسه وهى اللغة العربية والفلسفة الدينية والاقتصاد ، والثلاث الاخرى وهى الادب الانكليزى واللغة الانكليزية والتاريخ أعدها فى المدرسة الوطنية للبنات . وبعدها دخل الجامعة الامريكية . فنال البكالوريوس في الآداب والتاريخ والتربية ، ودبلوما في التعليم ، ثم الماجستير في التاريخ المعاصر .
وكان ( يطالع ) دروسه بالاستماع الى الاشرطة والاسطوانات ، وباللمس في الكتب الموضوعة على طريقة (( برايل )) ، وبمساعدة اصدقائه الذين كانوا يقرأون أو يسجلون له ، ولا سيما زوجته الانكليزية التى التقى بها في مدرسة المكفوفين ، حيث كان هو يتعلم وهى تعلم ، فتحابا ، وتزوجا ، وأنجبا .
بين نديم سرحال اللبنانى وطه حسين المصرى ، وجه شبه : في انطفاء العينين ، وفي الدراسة الجامعية، وفي الزواج من أجنبية.
ونطمح لنديم سرحال ان يشبه كذلك الدكتور طه حسين بشهرته الواسعة والعالمية التى حققها بمجموعة مؤلفاته - المرجع التى تعتبر ثوة ضخمة في الخزانة العربية ، مما استحق عليها لقب عميد الادب العربى .
وليس من شئ يقف حائلا امام الانسان الموهوب والذكى والراغب، في أن يسير نحو النجاح العجب . لا شئ أبدا حتى العمى على فظاعته .
هوميروس أكبر شعراء اليونان الأقدمين . اعطى بعماه (( الالياذة )) و (( الاوديسة )) .
وجون ميلتون أحد مشاهير شعراء الانكليز ، أملى بعماه على زوجه وابنتيه ملحمته الرائعة (( الفردوس الغابر )) .
وبشار بن برد وأبو العلاء المعرى الاعميان ، نظما أشعارا ودواوين هى في صلب البرامج التعليمية فى البلدان العربية .
وهيلين كيلر الامريكية عملت بعماها ما تعجز عنه ألف عين مفتحة .
نديم سرحال أعادنى الى هؤلاء النابغين العظام. لان بينه وبينهم صلة وصل ، في البصيرة التى احتلت مكان البصر لديهم .
وانا بدورى اعيد كل طالب مبصر ، الى نديم سرحال الاعمى ، ليتمثل بنجاحه .
ولا أزيد على ما قال رياض في حديثه العذب واستشهاداته الواضحة ، ولكنى
اضيف ان لبنان فيه مكفوف واحد كانت له هذه الميزة وهذا الجهاد الذى كون منه شخصية علمية تعلم على حساب اسرته مع ان في لبنان آلاف المكفوفين لن يصلوا الى شئ مما وصل اليه - نديم طانيوس - بل ربما لم يتعلموا مطلقا وبذلك أصبحوا عالة على ذويهم لا على دولتهم . أما بلادنا : المملكة العربية السعودية ففيها العدد الوفير من المكفوفين أو المبصرين كما نسميهم شقوا طريقا واضحا ونالوا علما جما وسدوا فراغا هائلا في مرافق العلم والعمل ذلك أن دولتنا ايان نهضتها بل في أول شوط من وثبتنا العلمية : كان الملك الراحل عبد العزيز قد وجه سماحة المفتى الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ رحمه الله الى العناية الخاصة بالمكفوفين فانخرطوا في معهد أعد لهم سمى القسم الخاص في المعهد العلمى . . وقسما خاصا في كليتى الشريعة واللغة وما مرت فترة حتى برز منهم اعداد هائلة . . واننى أذكر انه في سنة واحدة تخرج من كليتى اللغة والشريعة اكثر من ثلاثين مكفوفا . .
وما يزال في كل عام يتخرج من القسم الخاص العشرات ، ثم ألغت الدولة هذا القسم وكونت بدلا منه التعليم الخاص الذى يرأسه شخصية من خيرة شخصياتنا العلمية وهو ممن تخرج من القسم الخاص ونلمس لديه طموحا ونفسا عالية فكون هذا القسم بجهوده الشخصية الى ان اصبح شيئا مذكورا فتبنته الدولة ووسعته ثم رقته الى مدير عام له فانتشرت أقسامه في عدة مناطق وأدخلت عليه أنواعا من التعليم المهنى والاشغال اليدوية ، كما اوجدت فيه قسما للصم والبكم وغيرهما ، وبدأ الآن يتخرج منه افواج . . كما بدأ ينتج انتاجا طيبا فى الاشغال اليدوية فهى تباع الآن بعشرات
الآلاف من الريالات على المدارس وسواها وتنتج فرشا قوية وكراسى متينة ..
والشاب المدير العام هو الشيخ عبد الله الغانم ، خريج كلية الشريعة الذى يتقن القراءة والكتابة على طريقة (( برايل )) ويتقن اللغة الانكليزية ، وهو أول من أدخلها في هذه المدارس .. وعندنا من المكفوفين بارزون بروزا داخليا وخارجيا ، وأنا أعرف مجموعة من المكفوفين نالوا الماجيستير منهم : محمد ابن أحمد بن صالح وعبد الله العلى الركبان أخذاها من الازهر في الشريعة ومنهم محمد ابن فدا نال الماجستير من الازهر من كلية اللغة وكذلك الشيخ صالح الناصر العلى والشيخ صالح العبد الرحمن الاطرم نالا الماجستير من كلية الشريعة . . أما من تولى
القضاء ورأس محاكم لا يزال على رأسها منهم كثيرون : الشيخ محمد ابن الامير والشيخ صالح بن غصون الذى يرأس محاكم الاحساء ، ومنهم الشيخ عبدالرحمن بن فارس والشيخ عبد الرحمن بن هويمل والشيخ سليمان الربيش والشيخ محمد العبد الكريم السليمان والشيخ محمد السبيعى والشيخ على بن رومى رئيس محكمة مدينة المجمعة والشيخ عبد العزيز بن عثمان بن أحمد والشيخ عبد العزيز ابن يحيى والشيخ أحمد الاحيدب وغيرهم كثير لا تحضرنى اسماؤهم . أما المدرسون فهم عشرات لا أحصيها ولا يمكن أن أذكر أسماءهم فان هذا الحيز من هذه ((الملاحظات غير العابرة )) يضيق عن تعدادهم .

