منهل القصص، نُبْلٌ

Share

الفصل الاول

كان جمال جالسا في مكتبه يطالع جرائد الصباح ، إذ دق جرس التليفون ، فتقدم جمال نحوه بخطوات سريعة ، متسائلا : من يكون يا تري ، هذا الذي كدر صفاءه باكر ؟ ألم يكف العمل الشاق الذي يقوم به يوميا من الساعة الثالثة الى آخر النهار ؟ ! وأخذ السماعه سائلا :

- هالو . هالو من وأجابه من طرف السلك صوت موسيقى ضعيف مرتجف ، يلوح انه صوت امرأه :

اه ! عفوا يا سيدي لعلي أقلقتكم

نعم أقلقتنى ! من أنت ؟

اه ! . ثم لم يسمع شيئا سوى سقوط السماعة من يد مخاطبه على الارض وصياح فى المحل الذي به التليفون طبعا:-

أدركوني : وامصيبتاه ! ثم لاشيء ...

طار عقل جمال لهذا الحادث العجيب الغريب ، ثم جمع قواه وشرع يفكر فى الطريق الذي يسلكه لحل هذه المعضلة الغامضة ، واخيرا قفز من مقعده ، مسرورًا كأنه اهتدى للثقب الذي سيطل منه على هذا العالم المفعم بالاسرار ، واندفع الى التليفون مرة ثانية ليسأل مأمور التليفون عن الشخص الذي كان يتكلم معه قبل لحظة ، ولكنه حاول عبثا حيث لم يجبه احد ، والقى نظرة من النافذه التى بجواره ، واذا باسلاك التليفون مقطوعة ملقاة على الارض .

جلس جمال على مقعده مذهولا متعجبا ، ثم دق الجرس الذي كان بجانبه ؛ فظهر الخادم على الباب ؛ فتلقاه سيده قائلا :

- صلاح ائتني بمعطفى أسرع. وغاب هذا لحظة وعاد حاملا المعطف فتناوله جمال ، وبعدما ارتداه اندفع الى الخارج ، يجوب شوارع المدينة قاصدا ادارة التليفون ، ليبحث عن عنوان محل هذه الاسرار الغامضة التى احاطت به منذ دقائق ، وما هى إلا برهة حتى وجد نفسه امام السنترال وطفق يفكر ويتعجب لماذا هو متحمس هذا الحماس كله ؟ . أما يذهب لحال سبيله ، ويطرح عنه هذه الافكار السخيفة ؟ وما يدريه لعله شرك منصوب لاقتناصه وسلب أمواله؟!  ولكنه أحس بشعور باطني غريب يدفعه لتتبع هذه القضية وانقاذ هذا الذى استغاث به ، مهما كلفه الامر من مشاق ؛ ولا زال رنين ذلك الصوت الموسيقي العذب الذي سمعه من طرف التليفون ( وهو يطلب نجدته ) فى أذنه ، وتخيل صاحبة ذلك الصوت فتاة ذات جمال فتان ، وعين ساحرتين ، تخيلها وهي ملقاة على الارض ، تستغيث من رجل وحشي المنظر ، كانه شيطان رجيم ، واقفا امامها قابضا بيده اليمنى مسدسا ، وباليسري خنجرا ، يهددها تارة بالأولى وأخرى بالثانى وثارت في فؤاد جمال عاطفة غريبة نحو هذه الفتاة المجهولة ، فاندفع الى داخل السنترال ، كالريح ولم يشعر الا وهو يسال المأمور عنوان الذى تكلم معه في صبيحة هذا اليوم ؟ !

- ما هى نمرتكم يا سيدى ؟ . قال له المأمور ذلك بلطف وأدب ، لان المأمور لا يجهل جمال افندي الشاب الثرى المشهور ، صاحب المعامل الميكانيكية العظيمة واجابه هذا بصوت مرتبك ، ترك المأمور يتعجب من اضطرابه : -

نمرتي! .. ثلاثة ثلاثمائة وخمس وسبعون!..

- حسن ، ! الذي تكلم معكم يا سيدي في الساعة الثانية صباحا هو صاحب منرة عشرة آلاف وستة وتسعين!. ثم القي المأمور نظرة على لوح كبير بجانبه

( وقال ) . أما عنوانه فهو خمس وثمانون شارع النصر؛! وبمجرد ما سمع جمال هذه الجملة هرول إلى الشارع، وأوقف أول سيارة للايجار مرت به ، وصاح للسائق:

شارع النصر ؛ خمسة وثمانون أسرع! واخذت السيارة تذرع شوارع العاصمة ثم وقفت فجأة امام بناية ضخمة يعلوها لوح كبير مكتوب عليه هذه الجملة :

الفصل الثاني

نزل جمال من السيارة وبعدما أمر السائق ان ينتظره تقدم نحو الباب ، ودفعه فانفتح أمامه ودخل جمال المنزل بخطوات بطيئة ، حيث كان منتظرا أن يقابله احد من سكان البيت ، أو على الاقل الخادم ، ولكن عظم اندهاشه حين وجد المنزل خاليا ، لا يقطنه أحد البتة ، وتقدم الزائر من محل الى محل ، حتى عثر على غرفة فسيحة مؤثثة برياش بسيط ، اذ لم تحتو إلا على منضدة بسيطة فوقها آلة تليفون وعدة كراسى مبعثرة ، وبعدما ألقى نظره عامة على هذه الغرفة تيقن انها غرفة الحادثة ، واخذ يجوبها بنظره الحاد ، فلفتت نظره ورقة صغيرة ملفوفة بعضها ببعض فالتفت يمينا وشمالا ، كانه يخشى مراقبة احد ثم انحنى على تلك الورقة وأخذها وبعد ما فتحتها وجد مكتوبا عليها هذه الجملة المختصرة : أخي فؤاد الحقنا إلى الغابة تجدنا فى البرج الخالي . الرئيس".

فكر جمال برهة ثم أخذ يردد هذه الجملة . " البرج الخالي! . الغابة آه ! ! الآن الآن اهتديت اليكم أيها الاوغاد ! سوف ترون فؤادا!. وتيقن جمال أن البرج الخالي الذي يوجد فى طرف الغابة هو المحل الذي اختفي فيه هؤلاء

اللصوص بفريستهم ، وتركوا هذه الورقة لاحد زملائهم ؛ ولكن ما شأن علي فؤاد الرسام بهؤلاء الانذال ؛ . طرح جمال هذا السؤال على نفسه ، وبرح المنزل مفكرا فى الجواب ، اذ لاقاه عند الباب رجل أشيب ، يدب متكئا على عصاه فسأله جمال افندي بصوت لطيف ! محاولا اخفاء ما فى نفسه من اضطراب ؛ لشدة رغبته فى الوقوف على هذه الحادثة السرية :

- من فضلكم با سيدي ! اهنا محل على فؤاد افندي الرسام ؟ . ( وأشار بإصبعه الى المنزل الضخم).

- نعم ولكنه غائب ، حيث سافر منذ أسبوع ، والمحل الآن خال للإيجار : .. فشكر جمال السيد ، وأسرع وهو يصيح للسائق:  - الغابة! أسرع ولك مكافأة . وانطلقت السيارة كالبرق ، وفي هذا الحين خطر ببال جمال أن يخبر الشرطة ، ولكن سرعان ما عدل عن هذه الفكرة مستحسنا ايجاز هذه المعاملة بنفسه .

الفصل الثالث

.... أتظن انه يأتى يا حسن ؟ . - سأل الرجل الضخم زميله بلهجة مضطربة وهم الآخر أن يجيبه، فقاطعته امرأة كانت جالسة بقرب منهما .

أما انا فإني واثقة بأنه يأتي، لاني اعرف الرجل يجب المغامرات ! وأعرفه معجبا جدا بنفسه .

وقال الآخر :

هل ترى يجد الورقة التى كتبتها باسم فؤاد الزميل الموهوم ؟ ام لا ؟

- أما إذا لم يجدها فقد ذهب عملنا ادراج الرياح!. ومن أين نقضي حينئذ الديون كلها مع هذه الازمة العامة ؟ !

وهكذا كان هؤلاء الثلاثة جالسين في غرفة من غرف هذا القصر الأثري العظيم ، الذي خرب اكثر من نصفه رغم ضخامة بنائه ، وصلابة أحجاره

وكانوا ينتظرون قنيصهم بقلب ملهوف ، لان هذه المعاملة كلفتهم ما يزيد عن جنيهين ، فيما بين ايجار محل التليفون وغيره من المصاريف التى اقتضتها هذه العملية ، وهذه النقود تداينوها من العم ابراهيم بزيادة ؛ وضم على ذلك الديون الكثيرة التى تداينوها طول السنة لمعيشتهم ، وأزمة العمال عامة واذا لم يسعفهم جمال افندي بمحفظته فاين يذهبون فى هذا الشتاء القارس؟!

وبينما هم كذلك اذ سمعوا حس سيارة من بعيد ، فاهتزوا فرحا ؛ وصاح رئيسهم

ها هو قد أتى! .. استعدوا حالا! .. هلم يا حسن بالحبل لنقيد فريدة ونختفى نحن في الغرفة الأخرى ، وهو سيدخل طبعا من هذا الباب ؛ وعلى كل حال سيشتغل باطلاق الفتاة من أغلالها ، وحينئذ نثب عليه ونكبله!.

وقال الآخر بصوت مرتجف:

- تنشط يارشاد!. لان الرجل قوي واني أخشى أن يقضي علينا فصاح الذي يدعونه رشادا فى وجهه :

أما أنت فما يقتلك الا الجبن ! بل تلطف معه لانا نريد أمواله لا اضراره!!

الفصل الرابع

وقفت السيارة ونزل جمال ؛ وبعد ما امر السائق ان ينتظره بعيدا ، قصد القصر بخطوات سريعة ، وأخذ يجوب غرفه ، فمن غرفة الى غرفة ، الى أن دخل غرفة فسيحة ومن اول وهلة وقع نظره على فتاة مغلولة اليدين والرجلين ، فاسرع لحل عقالها ولم يشعر الا وشخان فوقه يحاولان ايقاعه على الارض .. ولكن جمال افندى الرياضى العظيم ، لا يعطله الشخص والشخصان ، ولذلك التفت نحوهما ، وبكل سهولة القاهما على الارض وقيدهما بنفس الحبل الذى كانا يحاولان أن يغلاه به ، وكم عظم اندهاشه حيما رأى الفتاة التى افتكها من حبالها تلقى بنفسها على اللصين الذين كان جمال يظن انه انقذها منهما ، وهي باكية العين ، وتتوسل اليه بان لا يسلمهما للشرطة وهنا لم يطق جمال صبرا فشهر مسدسه وصاح

- الآن اريد ان أفهم هذه المهزلة كلها أيها الأوغاد والا أرسلتكم حالا حالا الى العالم الآخر ، .

فأخذوا يرتجفون خوفا ، ونطق كبيرهم :

- لا ! لا ! يا افندي ! من فضلك !!! الان تعلم كل شيء .. واخذ يقص عليه القصة من أولها الى آخرها ، وكيف ضاق بهم العيش ، هو ؛ وزوجه وأخوه ولم يجدوا اى عمل كان ، وارتكبتهم ديون طائلة ؛ فدبروا هذه الحيلة لجلبه الى هذا المكان المتطرف ، لأخذ نقوده لا غير ، وأقسم له بانهم لا يريدون أذاه ، ثم قال له والآن يا افندي! ها نحن بين يديك ، افعل بنا ما تشاء .

أخذ جمالا العجب من هذه القصة الغريبة التى تحير أرباب الخيال ؛ ورق قلبه لهؤلاء البؤساء الأشقياء ، الذين حملهم الفقر والاحتياج على هذه المخاطرة التى ربما تكون سببا فى القضاء عليهم ولكن ماذا يهمهم وهم يموتون جوعا ؟ فالسجن أرحب ، والقبر أستر لهم من هذه الحياة!!

وأراد جمال أن ينقذهم ، لا من الأزمة الاقتصادية فحسب! بل حتى من ارتكاب الرذائل والجرائم ، فتقدم نحوهم ، وبعدما أطلق قيود الاثنين ، قال لهم جميعا بصوت كله رأفة وحنان .

- خذوا الآن هذه النقود ، وسدوا بها ديونكم!.. (وناولهم جملة أوراق ماليه) وغدا تعاليا انتما الي! ( وأشار اللرجلين ) لعلى أجد لكما عندي عملا .. وقبل أن يحاولوا تقديم الشكر له خرج وتركهم يبكون كلهم سرورا وتعجبا من هذه الشهامة ، وهذا الحلم ، وهذا النبل!!

اشترك في نشرتنا البريدية