- ١ -
(( انا لااشك فى أن رأيى ( * ) اليوم فى مصير الادب يعد شاذا فى نظر الكثير من الادباء والمتأدبين ، ولكن ماذا فعل بهذه الحقيقة المرة التى أراها تسير الى الوقوع بخطى واسعة ؟ ? ! . واذا تحققت هذه الفكرة فان الادب نفسه يصير يومئذ فكرة شاذة )) احمد رضا حوحو
- ابراهيم ! ! . . ابراهيم ! ! . . أين ابراهيم ؟ . . ( صاح الاستاذ فى تلاميذه بصوته الرخيم ؛ وأخذ يجوب القاعة بعينية الحادثتين ؛ مفتشا عن الذى يسميه ابراهيم ) .
- رأيته في المكتبة . . . يا استاذ ! . لحظة . . ( أجاب أحد الطلاب ) . - أدعه يارشاد ! . ( امر الاستاذ ) وخرج رشاد يعدو طالبا زميله ، وبعد لأى انى به مذهولا مضطربا . فانه لم ينتبه المسكين للجرس حينما دق . - أين كنت يا ابراهيم ؟ . . ( سأله الاستاذ ) ، حك ابراهيم قذاله باطراف أصابعه ، وطاطأ رأسه خجلا ثم أجاب :
- فى المكتبة يا أستاذ ! . . . - وفى القسم الادبى طبعا ! ! . . . ما بين الاغانى والشوقيات ، والعقد الفريد ، واليتيمة ، والمتنبى ، وغير ذلك من تلك الاسفار البالية ، التى لو لم يرزقها الله بك لما وجدت من ينفض غبارها ! ! . .( قال الاستاذ هذا بحماس) ثم تبسم ، وقال له بكل هدؤ :
- كن مطمئن البال الآن ! ! . . فقد أراحك الله وأنعم عليك باغلاق (( كلية الا داب )) التى ترغب في اللحاق بها ! . . . وما كاد الفتى يسمع هذه الجملة حتى صاح من غير شعور :
- كلية الآداب ؟ ! . . أغلقت ؟ ! . . - اجل ! أغلقت كلية الا داب ! . . وستلغى قريبا جميع الدروس الادبية من المدارس! وها أسمع ! . . .( وأخرج الاستاذ جريدة من جيبه وأخذ يتلو على التلاميذ ) :
(( بناء على انصراف الطلاب ، الكي عن فن الأدب الذى أصبحت فائدته ضئيلة فى الظروف الحاضرة ، وبناء على انه لم يلتحق بهذه الكلية فى هذه السنة إلا أربعة طلاب ، رأت وزارة المعارف أنه أصبح من غير المفيد بقاء هذه الكلية ، فمن الضرورى إذن إلغاؤها والاكتفاء بالدروس الادبية التى تلقى فى المدارس . ولهذا ستغلق الكلية أبوابها فى أول الشهر الداخل صفر ١٤٩٥ ))
أسقط في يد ابراهيم لما سمع هذا الخبر المشؤم ، خبر إلغاء كلية الآداب , وأخذ برج آماله يتهدم أمامه ، وتتساقط حجارته الضخمة ! . . وأخذت أعاصير شديدة تدور فى بستان أحلامه وتقلع جميع أشجاره وأزهاره ، وما تركته إلا وهو قاع صفصف ! . . . ستموت إذن هذه الامانى المبذورة فى قلبه ! ! ولا
يمكنه أن يكون كاتبا كالرافغىى ، او شاعرا كشوقى ، ليعيد الادب من جديد ويحييه بعد هذه الموتة كما كان يأمل ؟ ! ! . . عظم المصاب على ابراهيم وتضاعفت آلامه ، فاخرج منديله ، وأخذ يمسح دموعه الحارة التى اخذت تتناثر أمامه على كراسه . . . ولحظ الاستاذ كل ذلك ، فعلم أنها دمعة آماله المحطمة ، فتغافل عنه راجيا عودته بعدها الى رشده ، واقلاعه عن تلك الافكار الشاذة ، والآراء المتطرفة ، أحلام الادب التى طالما بين له الاستاذ عدم نفعها وان الادب أصبح فنا ميتا لا يقرأ الا على سبيل التفكه ، فلا يمكن للانسان أن يتخصص فيه حتى قال له ذات يوم :
- لو فرضنا انك تخصصت واصبحت الزهاوى وزكى مبارك معا ! . . فاي شئ تريد أن يفعل الناس بك ؟ ! . فان قصائدك لا تطير طائرة فى الهواء وكتابك لا تسير سيارة فى البر ، ولا غواصة فى الماء ! ! . . أتريد أن تضيع حياتك كلها لتكون كاتبا بسيطا فى أحد المتاجر ؟ ! !
ولم تجد هذه النصائح نفعا يومئذ ، بل لم تزد ابراهيم الا اقبالا على الادب ، وانكبابا على كتبه ، لأنه يريد اعادته واحياءه ، فكيف يتخلى عنه فى هذه الحالة العصيبة ؟ ! وكيف العمل وقد اغلقت جميع الابواب فى وجهه ، وقطعت جميع الحبال التى كان متمسكا بها ، فهذه كلية الآداب اغلقت أبوابها ! . . وهذه الدروس البسيطة التى يتلقاها فى كل اخبوعين مرة ستلغي قريبا ! ولكن الادب إذا أدرك شخصا لا يدعه يفلت من يده بسهولة ، بل ينشب فيه مخالبه الحادة ولا يتركه حتى يقضى عليه . . .
ولهذا نجد الاديب شديد الايمان بآرائه ، شديد التمسك بمبدئه ، شديد التضحية من أجلهما وكيف يريدون اذن من ابراهيم أن يحيد عن طريقه ! . . كلا لن يحيد ابراهيم عن طريقه ! ! ولن يتخلى عن مبدئه ، بل سيظل متمسكا به ،
متعصبا له ، وسيطلب الادب وحده غير مبال بالعوائق ، وسيتحصل عليه ، وسيدعو اليه الى آخر انفاسه . ومن يدري فلعله يعيد كلية الآداب من جديد ويصير عميدها ! . .
ارتاح الشاب لهذه الفكرة ، وعزم على أن لا يلتحق باى كلية اذا ما حاز شهادة ( البكالوريا ) بل يعتكف فى بيته على دراسة الادب وتحصيله ، ولا يطلع أحدا على ذلك حتى يبغت الناس ، بدرر المنثور والمنظوم ، . . . ومداخله المادية كفيلة له بان لا يعمل خمسة عشر عاما ، وفى هذه المدة يعيد الادب الى مركزه بجهوده الجبارة ، ويستطيع حينئذ أن يعيش فى ظل اجتهاده منعما مرفها . . .
انها لقصيدة بديعة ذات معان خلابة ومناظر شائقة ، وهى تصف هذه الطبيعة الجميلة أدق وصف ، وتصورها اصدق صورة ؛ . . ولا شك فى انها ستفتن هذه القلوب الميتة التي طغت عليها المادة وحرمتها من التمتع بهذا الجمال الرائع وسنرى بعد نشرها جميع الناس تلقي بآلاتها المادية الجافة ، وتسرع الى هذه الارياف تشاهد مناظرها اللطيفة الجذابة ويحاول وصفها نظما ونثرا ، واتى لهم ذلك وقد هجروا الادب من زمن مديد ؟ فسيقتحمون اذن كلية الآداب ويكسرون ابوابها حتى اذا ما امتلاأ غرفها جاءت وزارة المعارف اليه واخذته فى موكب رهيب ليتولى رئاسة حركة الادب وزعامته . . . .
هكذا كان الشاب الاديب ابراهيم ؛ يناجي نفسه وهو مستغرق فى بحور الاحلام المعسولة ، احلام النجاح الكاذبة ؛ وهذه قصيدته التى أعدها للنشر أمامه ، هذه القصيدة الساحرة التى يعتقد ابراهيم انها ستثير ثائرة الادب وتنفخ فيه الروح من جديد . . . .
- الى أى صحيفة يقدمها ياترى ؟ ! . طرح ابراهيم هذا السؤل على نفسه وطفق يفكر فى الجواب ، واخذت اسماء الصحف تمر بين عينيه كانها على ( فلم )
سينمائى . . ! ! النهضة العلمية ! ! خوارق العصر ! ! . ! الصناعة الشرقية ! ! الشرق السياسى الاختراع ! ! الكشافة الاسلامية ! ! . . ولم يجد بين هذه العناوين كلها صحيفة تمت الى موضوعه ولو بصلة بعيدة ، يستطيع لاجلها أن يقدم لها قصيدته للنشر واخيرا وقع اختياره على مجلة (( خوارق العصر )) ليست قصيدته هذه من خوارق هذا العصر ؟ ! . واخذ قصيدته ونهض قاصدا ادارة هذه المجلة . .
- هذه مقطوعة شعرية يا سيدى أريد نشرها فى مجلتكم للغراء ، وآمل أن تكون صحيفتكم فاتحة عهد جديد لهذا الفن الذى يلفظ آخر انفاسه ! . . . ( قال هذا ابراهيم لمحرر الصحيفة بكل لطف وأدب ) . وأخذ المحرر القصيدة ، ومر عليها ثم عد أسطرها وقال : -
- جنيهان يا أفندي ثمن اعلانكم للمرة الواحدة ! ! . . . - جنيهان ؟ ! وأى اعلان يا سيدي تعنون ! . . . - اليس ان لكم مطعما أو فندقا فى هذا الريف ، تريدون الاعلان عنه ؟
واصرح لكم بانى لا استطيع نشره بهذه الصورة الرجعية ، بل لابد من تعديله ! . . . بهت الاديب ، ولم يستطع ان يتفوه بكلمة واحدة . ما هذا ؟ ! الا تصلح هذه القصيدة التى سهر الليالى فى نظمها واستلهام دقائقها ، فى نظر هؤلاء الاقوام : الا ان تكون اعلانا عن فندق أو مطعم ريفى ! ! . . الله اكبر ! . . ما اجفا هؤلاء الا ناسى ؟ ما كادت تمر عشر سنوات على الغاء الادب حتى اصبح نسيا منسيا ! ! .
خرج ابراهيم يجوب شوارع المدينة داخلا ادارة ؛ وخارجا من أخرى , عارضا قصيدته للنشر وكلما دخل ادارة خرج منها بعد هنيهة ؛ والخيبات تلوح على وجهه وكان جواب المحررين واحدا :
- آسف يا سيدى ! صحيفتنا لا تشتغل بهذا الفن ! . . . ولما أعياه السعي ازمع ان يعود الى الصحفى الاول ؛ وينشر القصيدة عنده بالثمن الذى يريد ؛
ولينتظر النتيجة ؛ فان هذا الصحفى نفسه سيطرق يوما ما بابه صاغرا ؛ راجيا منه أن يتفضل عليه ببحث فى الادب وينتقم يومئذ منه ومن زملائه للادب اى انتقام سلم القصيدة وسلم النقود و بقى ينتظر صدور العدد الذى فيه قصيدته . وصدرت المجلة بعد يومين ؛ وعلى آخر صفحة من غلافها نشرت الابيات الاولى من القصيدة واستغنى عن الباقى بهذه الجملة :
(( زوروا فندق ابراهيم أفندى الريفي ؛ تحظوا بهذه المناظر الجميلة )) طار عقل الاديب حينما طالع قصيدته مشوهة ؛ محذوفا أكثرها ؛ منشورة على غلاف المجلة . رضي بتسليم جنيهين ثمن نشرها ، ورضى بان تنشر فى محل متواضع من المجلة ؛ كاعلان ؛ ولكن لم يرضه نشرها على الغلاف ؛ وعلى هذه الصور المشوهة ، الملطخة ! ! .
وبرغم ذلك كله لم ييأس ابراهيم من النجاح ، بل استمرت ادبياته تترى مناشير في الصحف ومحاضرات فى الاندية ، ومحادثات فى الجماعات ، واستطاع بكل الحاح أن يلزم الصحيفة التى عقد معها المقارنة على نشر قصيدته أن تنشر مقالاته محترمة بدون حذف ولا تشويه .
ولكن هل أثرت مقالاته وقصائده ومحضراته وخطبه فى هذا المجتمع الذي طغى عليه سيل المادة الجارف ؟ ؟ ! . . فانه لم يعثر فى كل الصحف التى كان يطالعها يوميا على أي صدي لنداءاته العديدة ، ولم توجه نظره اية اشارة الى دعوته الملحة فالعالم لا يزال في شغل شاغل عنه وعن ادبه ، وها هو اليوم نضبت امواله ، وأصبح فقيرا لا يملك الا بضعة قروش ، وهذا صاحب المسكن الذي يقطنه يهدده كل يوم بالطرد من الممكن اذا لم يسرع بدفع ايجار غرفته ، وهذا فصل الشتاء قادم بصره وقره ، وأمطاره وثلوجه ، فهل تقيه هذه الاهدام البالية والاثواب المرقعة التى تمثل كل ملابسه اليوم من عذاب الشتاء المؤلم ؟ ! فكر الشاب طويلا فى حالته البائسة ، واستعرض حياته من اولها إلى آخرها استعراضا عاما ، مرحلة مرحلة ،
واستولى عليه اليأس الفتاك ، فانتثرت من عينيه عبرة الاخفاق المشؤم ، عبرة حارة كأنها الجمر . وهو كذلك فى حالة مضطربة إذ سمع صوتا يصيح من أعماق عقله الباطن بكل قواه :
- العمل ! ! . . العمل ! ! . . هذا صوت الامل الذي لا يموت الا بموت الانسان ، صوت الامل الذي يدفن فى القبر مع صاحبه ، يقدم له يد المساعدة فى مثل هذه الساعة الشديدة . وصاح الشاب :
- أجل ! ! أجل! ! يجب أن أعمل ! ! يجب أن أنجح ! ! . وما شعر إلا واليأس كاشر أنيابه كأنه حيوان مفترس ، ويصيح فى وجهه :
- مسكين أنت يا ابراهيم ! . . أين أنت من النجاح ? ؟ ! . فانه عنك بمراحل ! ! فان صعودك إلى المريخ أسهل لك بكثير من ايجاد مائه شخص يسمعون دعوتك الجوفاء ، فانت لم تشم راتحة النجاح يوم كنت مثريا مستريحا من تكاليف الحياة ! وتريد أن تنجح اليوم وأنت حامل أعباء الحياة الثقيلة ؟ ! والله أنك لمسكين ! ! لطفك اللهم بهذا المسكين الضعيف فانه أصبح فريدا فى هذا العالم ؛ شاذا عن هذا المجتمع ، وليس له فى هذه الحياة سواك !
وأخذ ابراهيم قلمه وشرع يسجل فى مفكرته هذه الخواطر المظلمة والافكار التعيسة التى أحاطت به فى هذه الساعة ، و وجد فيها مادة جديدة خصية لانشاء قصيدة طريقة عنوانها : ( بين اليأس والأمل ) . ( المدينة المنورة )

