منهل القصص, من القصص الواقعى الطريف, صورة من حياة الصيف، فى المدينة المنورة

Share

كانت الشمس قد آذنت بالغروب وقد ركب اربعتنا عيرا كريناها الى البستان الذي تقدمنا اليه أصدقاؤنا الثلاثة قبيل الظهر لينظموا أمورهم ريثما يتمم كل منا أعماله الرسمية ويلقي عن عاتقه عبء المسؤوليات والأعمال ويمر من شوارع المدينة وهو في لباسه الكامل يكلل جبينه الوقار المتكلف بعيدا وتأبط كل منهم جبته ونادى على المكارى يستعجله الحمير لانها المركب الوحيد الذى يعفى الراكب من وخز المسامير واهتزاز الجسم بما فيه من امعاء وبرغم ذلك يراه بعض المتعصبين لنوع العربات الموجودة بالحجاز مركبا شائنا لا يليق بالاساتذة والموظفين ولكن المغرب كان ستارا كثيفا بيننا وبين هؤلاء المتزمتين ..

أجل !! ركب اربعتنا ولكننا لم نحسن التوزيع إذ كان اقصر الجماعة على أطول الحمير بينما كان أطولنا يلف ساقيه الطويلتين على حمار قميء، وكان من نصيب جسمى الضخم حمار هزيل لا يتقدم الا بعرض حال - كما يقولون - فكان دائما فى مؤخر الركب أو خلف الركب بعشرين خطوة وذلك بالرغم مما كنت أفهمه ان . تأخره عن جماعة الحمير لا يجوز فى علم الاجتماع كما ان ليس له وجه فى علم النفس لان

ذلك يخالف نظرية انقياد الفرد مع الجماعة وقصصت عليه مناظرة الاستاذين شحاته وعريف قبل مدة ولكنه - مع الاسف- أظهر بطلان تلك النظرية عمليا وتقدمنا وكان كلامنا صياحا وتبسمنا ضحكا عاليا وكنا أبعد ما نكون من حديث الأعمال واقرب ما نكون الى حديث يجلب المرح والحبور، وكان الظلام قد بسط جناحيه الكثيفين على البساتين والحرار السوداء والطريق ومررنا بين مضيق لا يكاد يتسع لراكب واحد فتبع كل منا الآخر ومشينا في سلسلة منظمة وفجأة أحسست برفيقي الذي كان الثالث على رقبة حماري الهزيل فناء المسكين تحت الضغط فتدحرج زميلي على الطريق ، ولكن حماري لحسن حظى أو حظه وقف فى اللحظة الاخيرة وأنا لم افهم من هذه العمليات شيئا الا حينما رأيت حمار رفيقي المطروح يخب في مؤخرة الركب وكأن لم يحدث شيء ، وكان الجاني في ذلك رفيقى لانه اختار ذلك الحمار القميء بينما هو عملاق واخال ان رفيقي الطويل اختاره عمدا لقلة خبرته بهذا النوع من الركوب فهو قد حسب انه أمن السقوط مادام أعلا من حماره ولكنه بسط قدميه فى هذا المضيق فاستقرتا على الحرتين المتجاورتين ونفذ الحمار من بين فخذيه وفي أثره تقدم حماري فوقع ما قصصته سابقا ...

ودخلنا البستان قبل العشاء بقليل فلم نتمتع بمناظره بشيء ورأينا سراجا وهاجا يضيء بقعة لا تضم سوى الحوض المملوء بالماء الجميل وما وضعه أصحابنا المتقدمون من أسباب الراحة حول ذلك الحوض وكنت افهم ان زملائي سوف يواصلون الليل بالنهار وعند ما ينبثق النور يضعون رؤوسهم الناعسة وينامون ملء جفونهم، ولكنني لم أرد أن أضيع على نفسي متعة التمشى فى الصباح المبكر بين المروج الخضراء وأشجار الفواكه اليانعة وامتلاء صدري من النسيم العليل البارد والنظر الى مطلع الشمس حينما تنكسر اشعتها الذهبية على قطرات الندى فوق الشجيرات الخضراء وعلى سطح الماء الهادئ فغافلت اصحابي وأسلمت نفسي للنوم بعد الساعة الرابعة من الليل وبالرغم من عبقرية اصحابي وتفننهم في ايذائى وصدي

عن النوم فقد نمت رغما عنهم وتحملت كل ما استطاعوا من ايذاء ... وكان الصباح جميلا حقا فقد جلست على حافة الحوض مستقبلا البستان ومطلع الشمس والاطيار تشدو من حولى وما اكثر حنيني الى الفاختة ونغمها الرنيم وتصويتها المنظم والى هذه العصافير الصغار التى لا تكاد تستقر على فتن تزقزق معلنة قدوم النهار وما اكثر شوقي الى شم الازهار العبقة وها أنا ممسك باحدي يدي غصنا من شجرة الفل والنسيم يحمل عبيره الزكي الى انفى ثم يمر هذا النسيم بين شعري مداعبا اياه برفق وبقدمي العاريتين ألاعب الحشائش الخضراء فاحس بها كانها تشاركني في هذه الملاعبة اللطيفة ، والشفق علته حمرة كانه يريد ان يشارك ثمرة هذه النخلة "الحلوة" لونا كلون زهر القرنفل والجلنار ... ما أسعدني بين هذه المناظر وجمالها وكأنها لا تضن على بحسنها ودلها وكأنها مستسلمة لى كل الاستسلام اتمتع بها ملء عيني واقتطف منها ما أشاء من ذكريات وعهود وذاهب السعادة.

واستسلمت لنوع من التفكير أضناني والهاني عن الاستزادة من التمتع بالمناظر الخلابة لأنني حسدتها وشعرت كأن لا حق لي في مشاركتها السعادة فالكل حولى سعيد وهذا النخيل المبعثر هنا وهنالك وهذه البقول الغضة التي تتموج مع النسيم يمنة ويسرة وهذه الزهور التى تكلل هامات اشجارها بانواع من ألوان زاهية وعبير يعبق به الجو وهذه الاطيار التى تنشد اغنية الصباح والشباب تعلن للناس جميعهم سعادتها وغبطتها فلماذا سرى الى تيار السعادة الاني واحد من الوجود الذي خلقه الرب - وكما يقول تاغور - ان الجزء يشعر بسعادة الكل وبشقائه أيضا او بتعبير النفسانيين السعادة ان يكون حول نفسك جو زاهر بالسعادة ، أم سحر فى جمال هذه الأشياء بما فيها من قوة الشباب المتفجرة وقربها للمثل العالي الذي ترنو اليه النفس . قد يكون سبب سعادتي أحد هذه الأشياء أو جميعها مجتمعة ولكنني اشعر انني سعيد ومغتبط . هذه صورة من حياة الصيف فى المدنية تتكرر كثيرا ويجلب الوانا من المتع الفكرية

المدينة المنورة

اشترك في نشرتنا البريدية