من أغرب ما مر علي

Share

ياله من موضوع خطير دقيق شط على مواطني وصديقى الانصاري اذ خصني به فجشمنى وعرا واركبني خطرا وماذا عساني ان استعرض في هذه العجالة بعض ما مر على والظرف وضيق الوقت في جملة عوائق عن توفية هذا الموضوع حقه ، ولقد دار نقاش يبني وبين الاستاذ حاولت معه اعفائى مقابل صفحى عنه فيما شط به علي فاخفقت او توفق فى إقناعى جريا على مبدأ " مالا يدرك كله لا يترك كله " فسمعك الي :

١ - من غرائب ذكريات حياتي الجامعية تلميذ وصل معه فقر الدم العميق وسوء القنية الى أحط دركات الضعف العام والى حالات تشنجية تعترضه نوباتها

في أروع حالاتها العصبية ، واتفق ان كنا صبيحة يوم ، نزولا من غرف المنام فسقط صاحبنا في السلالم في أشد نوباته العنيفة وكان الاستاذ المناوب يومذاك أستاذ علم النفس ومن أشهر علماء الغريزة أيضا فأمر بنقل التلميذ في الحال الى غرفة المشاهدة بالمستشفى وصادف ذلك اليوم يوم تلقي عادة فيه أثر انتهاء الدورة الدراسية ، محاضرات تكون مواضيعها الظروف فى أكثر الاحيان ، فبدهي أن يكون حدث الصبح لباب محاضرة ذلك اليوم ، فجئ بصاحبنا الى غرفة المحاضرة مزملا بغطاء أبيض رهيف ، وشرع الاستاذ النفسي في محاضرته وموضوعها - العادة السرية - حتى إذا ماجاء على فواصل الشحنة والمقاومة والانتقال بعد قتل دقائق هذا الموضوع بحثا إلى حد الترهيب من سلطة الغريزة واستفحال العادة السرية وهيمنتها على المشاعر على وضع تتلاشى معه الواعية في اوضع مثلها - قال : وهذا هو اقصى ما تنتهي اليه العادة السرية ، فكشف الغطاء وإذا بيد المصاب تعمل في غير هوادة فى فرجه وتراجيع النفس وضربات النبض ينذران بنهاية الاجل ، وكذلك انتهى أجل هذا البائس في تلك الحزة الرهيبة التى انتهت معها المحاضرة .

٢ - ومن غرائب بعض ذكريات سياحتي الغربية حدث تتجسم فيه عظمة الامة فى التمثيل التشريعي الصحيح جماعة وقوة ارادة الامة التنفيذية فرادى فى سن النظام والتمسك بالنظام إن تشريعا وإن تطبيقا وتنفيذا ، اتفق اننى نزلت ضيفا عزيزا على صديق سويسرى عزيز كريم فى مسقط في رأسه وعترته " لوغانو " من أعمال سويسرا الجنوبية فى منزل له بالجنائن من مزارع له تبعد من الحاضرة بمسافة ساعة ونصف وهي على نصف ساعة من حدود مقاطعة لو مبارديا الايطالية ، وصادف انني نهضت كعادتى مبكرا في اليوم التالي فخرجت أتجول خلال حوش قريب منا ابتغي صيدا ، وولعي قديم بالصيد ومعى بندقية وما إن فتح الله على باقتناص ثلاثة طيور هي أقرب ما تشبه السمان عندنا لولا انها أكبر حجما ومعظم لحمها أكثر بياضا منها بقليل فقفلت راجعا واذا بصاحبي ينتظرني على باب المزرعة وما ان لمحته حتى قلت فرحا : انني

معجب بصيد بلادكم واسترسلت احاضره وما إن توسط بنا السير الى مدخل الدار حتى قال : الفطور حاضر ، وهل لا تشتهي أن تضع الى جانبه شيئا من هذا ؟ قلت حسنا ما تفعل ، فأخذ منى الصيد وغاب وبقيت أنا فى انتظاره وما هى إلا هنيهة حتى عاد الي ، ولم الاحظ في سرائر وجهه وافعاله سوى البشر والغبطة ، فصعد وصعدت معه الى غرفة الطعام حيث عقيلته وكريمته وما نليو ابنه الوحيد فبعد أن تناولنا نصيبنا وأشرفنا على القيام من السفرة دفع الي قسيمتين وما إن امعنت فيهما حتى علمت أن ذهابه انما كان لاخبار القسم : ( مخفر البوليس ) بارتكاب مخالفة صيد لما يرخص به وقدر الغرامة عشرة فرنكات كما علمت ذلك من القسيمة الاولى وفريضة رخصة الصيد خمسة فرنكات كما علمت ذلك من القسيمة الثانية ، فكم تكون دهشتك وكم يكون اعظامك معي هذا الخلق النبيل ، واعجابك معي بمستوى أمة مصدر تشريعها ومرجع تنفيذها يتجليان في تمثيل قومى صحيح مصدره روح واحد ومرجع تنفيذه جسم واحد تسهر عضويته وهي تفخر بعز وطنيتها على تأدية رسالتها لصيانة المجموع وسلامته جماعات وفرادى .

٣ - ومن غرائب ذكريات هذه السياحة :

حدث جنائي يمثل الجشع النفسي والفهم البهمى فى امرأة تحمل بين جنباتها غريزة وحش كاسر جبار . .

هبطت فرانسة واستقر بي المقام ليلة فى دار صديق لي بشارع الامراء بمرسيليا وتناول حديث السمر افجع حدث جنائى وقع فى الأحياء الجنوبية بباريس القديمة بدار بارونية ، يعبر عنها بالشاتو ، انقلبت اخيرا فندقا زاد في شهرته وقوع هذا الحادث الجنائي في احدى غرفه المنامية وشيوع اختلاف شبح الجانية اليها فى ساعة معلومة بعد نصف الليل وتطوافها حول السرير الذي اغتالت قتيلها فيه . ولقد وطدت العزم حينما تطأ قدماي باريس أن أقصد هذا الفندق وان اطلب المنام في هذه الغرفة منه وكذلك فعلت واليك ملخص ما عقدت النية عليه وما شاهدته عيانا فما إن وصل القطار باريس حتى انتقلت الى سيارة وأعلنت سائقها برغبتي بالمقام في الاحياء الجنوبية

( باريس القديمة ) فباغتني بقوله : او لك اهل هناك ؟ قلت : لا قال افتريد ان تنزل بفندق المجموعة ؟ قلت ولم ذلك ؟ قال . يؤم معظم السواح هذا الفندق لا لغرض سوى التعرض الى شبح المدام توربيه Tuerie فاستغربت مرة اخرى من هذه الشهرة وقلت له هو ذاك قصدى فالى الفندق ! وما ان استقبلنى صاحب الفندق شأن استقباله زبائنه حتى عين لى غرفة لائقة فى الطابق العلوي من الفندق ، فقلت ارغب أن أقضى ليلتى هذه والتى بعدها فى الغرفة رقم ( ١٣ ) وهذا الرقم الذى بتشاءم منه الغربيون على وجه العموم قد وضعته إدارة الفندق على هذه الغرفة التى تبتعد الأدارة عن اجابة طلب النزول فيها الا باصرار . فقال اتفقه ما تطلب وما يترتب عليه ؟ قلت واعطى التعهد اللازم ! فقال هلم بنا الى مطلبك وقرأ الاعلان أولا ، فاوقفني على باب الغرفة وإذا باعلان واضح الخط ملصق في محل بارز من شقة باب الغرفة وهذا نصه : " منذ ان فعلت مدام توربيه فعلتها الشنيعة وقبل ان تتحول هذه المؤسسة البارونية الى فندق اخذ شبحها يظهر في هذه الغرفة في الساعة الواحدة والنصف من بعد نصف كل ليل ، ومن هذا المدخل مهما كان محكما غلقه يدخل الشبح وبعد أن يطوف حول السرير اشواطا عدة يتلاشى الشبخ فى طريق أبوابه الى باب فيغلق الباب كالمعتاد ) ا ه .

ولعل المدير شاهد على وجهي علامات اصفرار ودهشة فردد على قوله هل لا تكتفى بهذا فيستريح جسمك وضميرك فابتسمت محاولا كظم مايساورني من اضطراب نفسي وقلت له : إن ما شاهده على من تغير ليس هو نتيجة جبن أوخور وانما هو غريزة حزن وسخط ولو لم استوعب تفاصيل الجناية . فقال أعدك بتفاصيلها صبيحة اليوم الثاني إذا اعتزمت المبيت في هذه الليلة ، وكذلك وطنت النفس على المبيت على السرير الذي يعزي اليه تطواف المدام رغم أن للغرفة سريرين غيره ولقد استوي بى المضجع في الثانية عشرة بعد أن أحكمت إغلاق الباب بالمفتاح والترباس وجعلت اغط في نومة عميقة يتخللها اضطرابات نفسية ومراء مريعه مخيفة انقذني منها فتح الباب عنوة فاستيقظت ارمق جهته فى سكون مطبق ورباطة جأش وضبط نفس شديدين وإذا بامرأة في الخامسة والأربعين من عمرها شاحبة اللون مدورة الأحداق في حركة زيبقية

مرجافة الاوداج مبعثرة الشعر يعلو اسرة وجهها كآبة ووجل في ذعر واضطراب خطرت تبدو مخيفة المظر مضطربة المشي تحيل النظر تلو النظر في اتجاه معين من الغرفة هو موضع السرير الذي انا فية . هاهي ذى توربيه أقبلت متعثرة الخطا تكاد تطبق على السرير ومن جميع أطرافه ولكنها اثرت ان تطوف حوله الشوط يتلو الشوط ، ترسل على المضجع نظرات عذابها المريبة المحرقة فى كل شوط من اشواطها وهكذا دواليك حتى منتصف الساعة الرابعة من نصف الليل ومن ثمة اتجه الشبح نحو الباب يتخبط فى فستانه الأسود هاهوذا فى طريق أوبته بحوال الباب مسرعا حيث أغلق الباب خلفه غلقة يد صنيعة

نهضت واقفا أتلمس الوضع وما مر على العين أخيال هوام حقيقة ؟ أحلم هو أم يقظة ؟ وكذلك أصبحت وأنا في ديجور من متناقضات إذا استعرضت حد طرفها بالاثبات عارضه الطرف الثاني بالنفى والعكس بالعكس حتى إذا ما فاجأني المدير مبكرا بزيارته الرقيقة وقص على القصص برا بوعده أنقذني من ورطة ورطتها فاصغيت اليه وكلي اذن ارتسم فى ذا كرتي ما يقول بالحرف الواحد

قال محدثي : إن المرأة التي رأيت هي زوجة البارون دوبوا عقد عليها أثر زوجة له سابقة ماتت عن بنت واحدة عني بتربيتها وتعليمها ولا يتجاوز سنها الخمس عشرة فباغتة سفرة مفاجئة نحو الشرق وامن هذه الزوجة الجديدة ابنته الوحيدة وسلمها زمام عمله مدة غيابه ، وعقب سفره تلقت برقية من سكرتيره ينعي اليها وفاة زوجها ويعلنها ارسال الوصية فى البريد فكتمت المرأة هذا الخبر وأول خطة ارتسمتها هي النخلص من الأنسة ابنة زوجها حتى يصفو لها الجو وحدها ولحبيب لها هو اخو زوجها الذي كانت تعشقه فى حياة زوجها ولكنها كانت تكتم حبها له ، وكانت هذه الغرفة غرفة منام الآنسة البائسة من عدة غرف جميلة يضمها هذا البناء الضخم ( شاتو ) . ملك البارون المتوفى من قبل ان يتحول إلى فندق وفي الساعه الحادية والنصف وبعد تحقق نوم الأنسة فى سريرها وبعد اغلاق الغرفة والباب واغلاقها اغلاقا محكما سلطت المرأة على الغرفة غاز التنوبر ( واسطة الانارة ) فى ذلك الحين

وكذلك اغتيلت الشابة تسما بغاز حمض الكربون وكذلك فازت المرأة بتحقيق امانيها " وبعد أن تمت مراسيم دفن البنت أعلنت حدادها عليها فى حملة اعلان وفاة أبيها وحدادها عليه ثم عرضت نفسها على حبيبها الذي اصبح هو الوارث الوحيد معها فقبل نكاحها ولم يمض يسير مدة على زواجها حتى عملت العدالة الالهية يدها فى فضيحة المرأة إذ كانت المرأة تحضن ذات ليلة زوجها الجديد فاخذتها حالة عصبية غطت بعدها في سكرة نوم خطيرة تردد خلالها اسم البنت المتوفاة وتطلب الغفران مما لفت نظر زوجها إلى السر فسلط عليها فى استجواب ما نيائيزمي استطاع أن يقف معه على حقيقة الامر حيث اباحت له وهي لا تشعر بجميع ما جرى ، وفي صبيحة اليوم الثاني خرج والحزن محقق به والانتقام لاخيه وابنة اخيه مستول على مشاعره فسلمها للعدالة وانتهى التحقيق والمحاكمة بالحكم اعداما على المرأة وارسلت الى المقصلة ثم انه من بعد تنفيذ الحكم بليلة شوهد زيارة هذا الشبح للغرفة كما رأيت وبالوضع الذي شاهدت وكان أول مشاهد له هو زوجها الثاني او بعبارة اصح حبيبها الاول وعدوها الاخير المنتقم لاخيه وابنة اخيه منها .

فما ذا عسى أن يكون اغرب مما رأيت ! او ماذا عسى أن يكون أغرب مما سمعت ولات حين غرابة على ابن آدم وقد خلق بروحه في احسن تقويم ، ورد ببهيمية إلى أسفل سافلين ، فهو بإنسانيته ملك كريم ، وببهيميته شيطان رجيم

هذا ما انتظمته فى منهاج أغرب ذكرياتي وما مر على فأرجو ان اكون عند ظنك يا استاذ في اتحاف قراء المنهل بما طلبت الى الأدلاء به من غرائب مما يشجعهم على الأدلاء بما مر عليهم من غرائب عند ما توجه اليهم مثل هذه الدعوة التى سرت ورغبتك في الاجابة عليها من غير طوع لى او اختيار .

اشترك في نشرتنا البريدية