من اخلاق العلماء

Share

نشرت مجلة الازهر فى عددها العاشر من المجلد الثالث والعشرين (ان الخديو عباس الثاني اراد ان يستبدل ارضا تقع فى الجيزة تابعة للاوقاف بمزرعة له، على ان تزيده الاوقاف ثلاثين الف جنيه، وقد عرض ذلك على مجلس الاوقاف الذى كان الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية عضوا فيه، فعارض المفتي المشروع ما لم تعين لجنة من اهل الخبرة لتقوم بتقدير ثمن ارض الوقف وثمن المزرعة معا، ليعرف بحق ما اذا كان الاستبدال فى مصلحة الوقف؟! وقد قررت اللجنة افضلية ارض الوقف على المزرعة بعشرين الف جنيه .. فلم يحصل للخديو مقصده بل نالته خسارة باهظة من جراء هذا القرار الذى كان اساسه معارضة المفتى خدمة للحق وصيانة للعدل)

هذا ملخص ما نشرته المجلة المذكورة ضمن مقال بعنوان (علم الملوك) بقلم العلامة الاستاذ الشيخ عبد القادر المغربي، وقد ذكرني هذا الحديث الشائق عن اخلاق العلماء المثلى ، بقصة مماثلة طريفة حدثني بها سمى كاتب المقال صديقنا الشيخ عبد القادر التلمسانى المتوفى بمصر سنة ١٣٣١ هـ . وقد كان رحمه الله احد تجار جدة واحد اعيانها ومن علمائها النابهين الأماثل

وكانت القصة قد حدثت له مع الامام الشيخ محمد عبده نفسه .. قال لى الشيخ التلمساني :

(كنت صديقا حميما لمفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده رحمه الله ، وقد حدث لى معه مثل ما حدث للخديوى معه تماما. فقد كان بين الاراضي الزراعية التي أمتلكها فى "نوى قليوبية" بالقطر المصري، قطعتا ارض وقف، وكنت احببت ان استبدلهما حتى تتصل الاراضي الزراعية التي امتلكها ببعض فلا يفصل بينها فاصل اجنبي،  وقد اطمعتني المحكمة الشرعية فى مصر فى امكان الاستبدال وسهولته ويسره؛ ولذلك قمت بشراء ارض مملوكة للغير لاستبدال القطعتين التي تتوسطان املاكي بهما، ولأضم القطعتين الى ما بيدى اذ ذاك، وتقدمت الى المحكمة بالطلب مفعم القلب بالأمل الوطيد وصدر الحكم بما اريد واخذ الحكم طريقه المعتاد الى المفتي الصديق للتصديق عليه ، ولاقترانه بالتنفيذ وذهبت الى دار الشيخ الصديق، مملوء الجوانح بالأمل المعسول، حيال موافقته على رغبة صديقه الاثير، فما كان منه الا ان طلب الكشف على الأرض وما حولها، فرأيت ان ادعوه لتناول طعام الغداء عندى يومها، وأعددت طعاما فاخرا يكفى لعدة ضيوف ممن سيرافقون فضيلته عند قدومه، كما انى دعوت بعض أصدقاء الجانبين لهذه الوليمة الفاخرة، وقد حضر المفتي الى المنزل، فى الوقت المحدد، ولكنه حضر ومعه طعام غدائه الخاص وما يلزمه من شاي وقهوة . . فلما مدت السفرة ووضع الطعام عليها ودعوت الضيوف لتناوله وفى طليعتهم الشيخ محمد عبده فاجأني بأن مد سفرته فى جانب من المكان ووضع عليها طعامه الخاص ثم بدأ يتناوله بمفرده، وبعد صلاة العصر توجه معنا الى المكان وكشف بنفسه على قطعتي الارض، وغب التأمل والدراسة شافهني قائلا: (لا يصح لك استبدال هذا الوقف مطلقا) وابى ان يصدق الحكم بالاستبدال برغم ما بيننا من وشيج الصداقة والوداد المتين، وهكذا بقيت قطعتا الارض وقفا كما كانتا، وقد تجشمت النفقة الباهظة بدون فائدة من جراء هذا الصنيع، اذ إنى قد كنت قمت بشراء ارض بلا لزوم؛ ولم يتأثر الشيخ بصداقتنا، وحمله عدله العميق على وضع هذه الصداقة على الرف، ونظر نظرة مجردة خالصة الى واجب الامانة والدين، بصرف النظر عن كل شيء الا قول الحق وتدعيم العدل المنشود)

قلت للشيخ عبدالقادر التلمسانى عندها: فهل تائرت انت بهذا الصنيع من صديقك الأثير؟! ...

قال: أجل! وأى تأثر؟! ... لقد بقيت غضبان حاقدا عليه أمدا مديدا من الزمن وان كنت أعلم أنه ماقام الا بما يمليه عليه الحق والعدل. وذلك لأن النفس كما تعلم أمارة بالسوء، لا ترضى بالحق الا اذا كان فى صفها، ولمصلحتها الخاصة ...

وهكذا برهن العالمان الجليلان معا على تمسكهما بواجبهما، ثم على مدى اخلاصهما للدين والعدل والحق .. "المفتى" بعدم إيثاره مرضاة صديقه على مرضاة الله جل وعلا .. و"التلمسابى" بعدم اعتراضه وتقديمه الاستئنافات الباطلة وباعترافه بالحق برغم ما كبده اياه صديقه من خسارة فادحة، وبرغم ما طوح له من آمال معسولة ومصلحة منظورة ...

فرحمهما الله رحمة واسعة، وجعل منهما خير قدوة وأجمل أسوة لعلمائنا ولأرباب المصالح منا .

جدة

اشترك في نشرتنا البريدية