تركتني أيها العزيز - بعد كتابتى الفصل الاول من رسالتى التى بين يديك - فى جهاد عظيم - اناضل وادفع حتى وفقت وكانت الغلبة لى فاخذت استجمع شتات قواى المفقودة لا مرح فى هذه الفرصة التى اتاحها لى القدر .
تطلعت الى الافق واشرابيت بعنقي نحوكم ولبثت افحص وامعن فتراى لى مجلسك بين خلابك واحبابك تحذفهم بالنكتة اللطيفة والفكاهة العذبة ، وتجلو لهم الافق بتصريحاتك وتقدم لهم النصح بارشاداتك ، تداعب هذا ، وتعبس - ولكن فى صرح - فى وجه ذك ، تقول فتدمدم وتضحك ، يحلو لك السمر فتستمر فيه فيطيب ، ويزعجك العدو فتنجلي له فيخيب ويشيب
رأيتك تمشى الهوينا مع صحبك الابرار وقد فاتكم خط البلدة فأثرتم السير على الركوب وبقيتم تستحثون الخطى متطلعين الى بريد الاسبوع تستجلون أخباره وتستطلعون أسراره .
رأيتكم ورأيت نفس قابعا على سريري وفي غرفتى الحفيدة مع رفيقين لى - احدهما عدني ورئيس بعثه والاخر عراقي ومراقب فصل - نتجاذب الاحاديث وهي لدينا من غير حد ولا قيد ، نجد فنسلم تكاليف الجد ومن ثم يشتم بعضنا البعض وبالشتم نهزل . إذ انه لدينا كالمعركة الفاصلة يعلن فيها النصر او الخذلان
وينجلي الموقف بان يوافينا وقت النوم وهو علينا محدود فاتحامل من فراشي وأقوم سائرا الى ردهة الدار حيث زر الجرس فاضربه ايذانا بالنوم واطلق بعد ذلك هنيهة من وقت وليست بقصيره ، اطفئ ضوء هذه الغرفة . وارجو من سكان
الغرفة الأخرى أن يلزموا الصمت والهدوء ، اروح واغدو متلصصا متجسسا أرجو من هذا واتلطف مع ذاك الى ان يهدا الجميع فاصعد الى حيث غرفتى وحيث الجدل العنيف فاتكلف العبوس وامشى - فى خطا يتم عليها الالم . إلى موضع الزر فاطفئ به الضوء تاركا حولى ضجة الاخوين تملأ الغرفة ملؤها التذمر والاستياء من عملي هذا لأنني حرمتهم لذة الضوء وهم معتمدون القراءة عليه .
وهنا بعد أن يسود الظلام ويخيم وبعد ان يتأكد القوم أن لا مناص لهم من هذا النظام القاسى ، يبدأ النقاش فيحمل كل حملته على مشبعة بروح الانتقام وتنشب بيننا حرب ضروس اخوض غمارها كما عرفتني ، واجوب ساحات الوغى كما عهدتني ارد الحجة فى وجه الاول واصمد بالدليل فى وجه الثاني واستمر في طريقي الى الغلبة والنصر مصطحبا تهكمى اللاذع حتى المس فيهم النصب فاعلن لهم السكوت وأنام فينامون .
صفحة رائعة من حياتى فى بغداد تتلذذ بها ولو اذكر لك جزءا من نكد العيش لأزعجك هذا النوع من الحديث ولذا آثرت الجميل منه فحدثتك ؛ وكرهت القبيح فطوحت به ، ولا تعجب ان جعلت حديثي مقتصرا على رائع الحوادث وبديعها اسجلهما فى هاته الرسالة الاخويه ، فانه ليسوءنى جدا أن اثقل ضميرك بما يؤلمني ويحز فى قلبي حزا - فظيعا له اثره العميق فى نفسيتى البسيطه ، ولكنى حيال تسائلك الغريب والعميق فى الغرابة لابد لى من ذكر مقتضب لما يعتورني فانك تجدني تجاه أفكار متضاربة تتقاذفني فيها امواج مصطخبة من المؤثرات النفسية والامتعاضات القلبية .
ويؤلمني ايضا ان اذكر مأساة القلب في شئ من البساطة كتعبيري هذا فانى اتخيل هذه الماساة جرما من المضض وغص الحياة لا اقدر على حمل اعبائهما إذ انى اتقلص عند التفكير فيهما او التحدث عنهما وفى شئ من القلق عظيم استطيع ان انوه عما بهم بي من تعاسة الحال ولذلك كانت رسائلي فى هذا الباب جد قليله وعند ما يبلغ بي الالم مبلغا ارغي فيه وازبد .
هأنذا فى ساحة الالم وبين براثنه الحادة تتقاذفني خواطر الفكر العتى وتتجاذبنى نجوات القلب الحزين وتترامانى - كالكرة فى ميدان اللانهايه مجاهل المستقبل الغامض تحمل كل وعيد وتهديد نافخة فى وجهى لهيب غاياتها المحرقة تنذرني بشرر مستطير ان انا اقدمت أو احجمت.
وحينئذاك اقف وعلى مفترق الطرق - افكر واقدر احدث النفس الحديثة بقلب ملؤها الحسرة والأسى وبفكر تعتوره وساوس من الشك فى هذا العالم المائج بالمصائب والاحزان .
قول وفي صوت اجش - . اتري هل قدر لى الخير فى هذا الطريق ؟ أو الخير كل الخير فى ذاك الطريق ؟ اتراجع قليلا فاقدم مرة واحجم اخري
واحدث النفس بالشجاعة والطموح فتذكرني بالثروى والعقل احدث القلب بالأقدام ورباط الجأش فيذكرني بالتؤدة والآتزان انظر للمستقبل يكتنفه الغموض فأحجم وارى الحياة تتطلب الجهاد فأقدم .
هذا انا وهذه رسالتى بين يدى اختتمها الان وسوف احرص على تقديم مثلها اليك والى اللقاء القريب ان شاء الله
