الكبرياء داء أصيل فى النفوس . . ولست من علماء النفس فاستطيع ان اعبر عن حقيقة هذا الداء تعبيرا مستفيضا كما يجب . . ولكننى مع هذا لا اجد ما يمنعني من الاشارة هنا الى مادلتني عليه التجارب
يزعم كثير من الناس ان الكبرياء وليد الثروة والجاه . . فكلما طغت الثروة على أحد أخذته العزة ، وأصيب بمرض التعاظم وقد يمت هذا الزعم الى الحقيقة بصلة . . ولكننا كثيرا ما نجد أناسا آخرين ليسوا من اصحاب الثروة والجاه مصابين بهذا الداء ايضا . . وكثيرا ما يكون ذلك وراثيا في النفوس . .يرثه الأبناء من الآباء والأجداد . . أو من احد افراد الأسرة من قريب أو بعيد . . وفي هذا ما يتعارض وزعم الزاعمين أن هذا هو وليد الثروة والجاه .
إذا فالكبرياء داء كمين في خلايا النفوس على العموم . . ولا يشترط في ذلك
الثروة والجاه ، أو الفقر والاعدام .
ولما كانت النفوس تتفاوت من حيث الضعف والقوة - فانه لا يلبث ان يجد فى النفوس الضعيفة مرتعا خصبا يساعده على النمو والظهور بسرعة مدهشة لاسيما إذا توفرت لها الثروة والجاه والنفوذ . فسرعان ما يتضخم فيها الداء تضخما مقيتا . ويجرها الغرور الى الاعتزاز بكبريائها والتمادى فى خيلائها . . وعندئذ تصبح عظيمة فى ذاتها . . منبوذة عند الناس . . دون ان تحس او تشعر بهذا المقت . . فالثروة والجاه إذا هما عاملان قويان لنمو وظهور هذا الداء وليس الداء وليدهما .
أما النفوس القوية الرصينة ، فانها تشعر بهذا الداء فى قرارتها ، فتستأصله وتعمل على مكافحته فيبقى محصورا فى مكانه ، لان استئصاله من النفس ضرب من ضروب المستحيلات غير أن المقاومة لا تفسح له المجال للنمو والظهور ، فيظل محصورا فى مكانه ويبقى مكبوتا فى مكمنه . . وتظل تلك النفوس متواضعة مهما توفرت لها الثروة والجاه . . بل أننا نراها تزداد تواضعا كلما زادت ثروتها واتسع لها طريق الجاه والنفوذ .

