من شؤون الحياة تنازع البقاء وبقاء الاصلح ، هذا التنازع هو الذى باعد بين مراتب الامم وغاير فى مقدرات الشعوب فحكم على بعضها بالسقوط والانحطاط ، ولبعضها بالمجد والحياة .
والمجد هذا ، او المجد والحياة غاية طالما تطاحنت الامم والتحمت المعارك العظيمة وأهريقت الدماء البريئة للوصول إليها ولكل أمة مجد تفخر به ، ود كريات بيضاء تخلدها ، وترفع رأسها عالية باسمها ، حتى اصبح التفاخر بالماضى والمباهاة بمجد الاولين طامة الامم جمعاء .
والقارئ لا يستطيع ان يميز امة على اخرى بحسب مفاخرها الماضيه فقط ، لا بل لابد ان يقرن فخر الماضى بالحاضر ، فاذا كان للعرب ان يفخروا مثلا بعدل الفاروق وحضارة الرشيد ، وتقدم العلوم فى عصر المأمون ، وغير ذلك ، فالاحباش يفخرون بعظمة امبراطورية منليك الثانى وغيره من ملوكهم القدماء ، والتشيك يباهون بمجد بوهيميا قبل الف سنة والفرس والرومان باسلافهم ، وغير هذه الامم كثير يكونون مثلها فى التفاخر بالماضين
واذن فاين هى الأمة الفاضلة فى عصرها الحاضر ؟ واين هو المجد ؟ ! كل أمة فى العالم تدعى انها افضل من سواها . والعلة فى الموضوع ان المفاخر
حين يستذكر ينظر بعين واحدة الى ماضيه ومجد اجداده ، مهملا كل مجد وحضارة يفخر بها غيره من سكان الارض فهو يرفع رأسه ويفاخر مرسلا نظرته خاصة فردية الى كل ما يختص به حيث لا يترك في مخليلته مجالا للمقارنة والتفاضل والتمييز العادل بين ابجاد المخلوقات وحضارات العالم .
اما العرض والاستذكار اذا كان لمجرد الفخر والزهو فهو ما أصبح مأخذا من المآخذ التى جرت على الانسانية صنوفا من الويل والعذاب .
واما إذا كان للعبرة والاتعاظ فهو ما يجب ان يكون . ونحن لا نمانع فى الذكرى ، فان الذكرى تنفع المؤمنين ، ثم من العبث ان تدعى امة فى الحياة مجدا ؛ وليس لها مجد حاضر ، وحرام ان تكذب على نفسها وتغالط ضميرها بادعائها ما ليس لها . واذا كان هناك مجد مخلد على صفحات الدهر فهو مجد الذين بنوه بابديهم .
ان الله حين خلق العالم الانسانى جعل اصله واحدا ، فلماذا يشعر هذا بانه أفضل من ذاك ، ويشعر هذا بالعكس ، وكلاهما من طينة واحدة وفصيلة واحدة .
ان الشعور بالاعتزاز فى مخيلة الأمم هو الطامة الكبرى في توليد المشاكل وأراقة الدماء ؛ وهو العامل الذى طالما اهوي بالعقلية العامة في الأمم الى مكان سحيق يجب ان لا يتمشى الانسان مع الخيال فيندفع مغامرا بنفسه ، مفتخرا بمجهود غيره ، ويجب ان يعرف من هو فما هو غير جزء من عالم بسيط من هذه العوالم التى خلقها الله لتعمل وتكون لنفسها امجادا متباينة .
لنعرف قيمة انفسنا فلا نتغال في تقديرها ، ولا نشرف فى فرض اعتباراتها ففوق كل ذى علم عليم ، وفرق كل عظيم عظيم . مكة

