عين من عيون المدينة وفارس من فرسان العلم والادب المجلين فيها . نشا في بيت كريم تنضح المجادة من اعراقه وتتقاطر اخلاقها فى اخلاقه وفتح عينيه عندما اشتد ساعده على سمات شيخه . خاله العالم الحنفي الاثيل الشيخ مامون برى رحمه الله فصحبه صحبة القريب الحبيب وجالسه فجانسه فى وقت كان فيه الشيخ مامون علما من اعلام المدينة ودعامة من الدعائم المرموقة فيها ، وامتزجت نضرة الشباب الدافق في حسه بوقار الشيخوخة وسمت العلماء في خاله ليتكون منه نسيج محكم عبقرى يرشحه للمجد العلمي في حياة خاله وبعد وفاته وشهد معه معارك كانت تخاض فى المدينة . من أجل الرئاسة والافتاء والمبعوثية الى الاستانة ليشرق كل ذلك في نفسه اشراقة المجد المتالق وتم له ما اراد من ولاية القضاء والافتاء والبروز العلمي في مختلف ميادينه
ولقد حدثني شقيقه خالي الشيخ عبد الحفيظ الكردى انه كان عظيم الاتصال بالكثير من العلماء الذين كانت تغص بهم المدينة وتعمر بهم حلقات الدروس في مسجدها النبوى العظيم - فيعل من علهم وينهل من نهلهم وانه اخذ على العلامة السيد حسين أحمد الفيض ابادي والشيخ الفا هاشم : ولقد كان القضاء ، في العهد الهاشمي
سجالا بينه وبين العالم الحنفي التقي الشيخ أحمد كماخي ترتفع اسهم الشيخ عمر الكردى بوثاقة صلته وشرف انتسابه الخاص للملك حسين رحمه الله كما يقوى مركز الشيخ الكماخي بنسبته الخاصة لامير المدينة الشريف على بن حسين وانه لخيط رقيق دقيق ناعم يزحم الموقف بينهما وبين من والاهما زحما عجيبا وانها لمنافسة شريفة لطيفة على هذا المركز بين الشيخين يعزل هذا ويولى ذاك في لمح البصر وناهيك بما يوجده هذا الصراع من عنعنات وعصبيات بين مؤيدين وناقمين لا يعدو تنافس العلماء بلا خصومة ولا اذى .
ولقد روى لى والدى رحمه الله مشهدا من مشاهد ذلك العراك قويت فيه شوكة الشيخ الكماخي - بالشريف على - حين عزل الشيخ عمر كردى من قضاء المدينة وولى الشيخ الكماخى وفي نفس الوقت عزل شقيقه الشيخ عبد الحفيظ كردي من قضاء المستعجلة وولى مكانه الشيخ محمود عبد الجواد كما عزل الشيخ صالح الكردى - الشقيق الاصغر له من رئاسة ديوان الامارة حيث وضع معاونه الشيخ اسماعيل حفظي رحمه الله موضعه وان كنت لا اذكر الامر بالضبط في هذا الاخير .
ثلاثة أوامر عزل فى يوم واحد عن ثلاثة مراكز رفيعة لا شقاء ثلاثة بفرح فيها وبها
الظهر الاحمر ولكنها طوالع الملوك كما يقولون : ثم ماذا : انه الانقاذ يأتي من صولجان الشعر ومجد الادب الذي انفرد به الشيخ عمر عن منافسه الشيخ الكماخى فالكردى فقية شاعر والكماخي - فقيه عالم - نعم يأتي من هنا الانقاذ فيطلب الملك الحصيف الشيخ عمر إلى الطائف - ويتأهب الشيخ عمر للغزو وقنص الفرصة فيعد قصيدة من ذلك النوع الذى يستهوى ذوق الملك ويداعب خياله العريض فى الخلافة الاسلامية ويلامس اوتار قلبه فيطلع اليه ويخرج عليه بتلك القصيدة التى يقول فى مطلعها :
هى الدنيا ، قد اتسعت ولكن
لشأوك لم تسع ازدها اتساعا
فتلعب النشوة برأس الملك ، نشوة الملك والسلطان ويغيب الملك ثم يحضر وبيده " درج " من " الانقوي " الممتاز ويقول للشيخ عمر : هيا يا مولانا " سوى " جبة أو بنشا لا ادرى ويلقبه بقاضى المدينة بكل بساطة وسهولة ثم يقول له : " هيا وكل من تشاء حتى تصل " وهنا يشحذ الشيخ سنانه ويرجو توكيل اخيه الشيخ عبد الحفيظ فى تسلم المحكمة من الشيخ الكماخي كما يرجو تبديل رئيس الكتاب محمد رشيدى . لانه كان من غير انصاره - ورئيس الكتاب فى ذلك الحين صاحب شأن - اى شأن - وينتحل لتنحيته مبررا هو المرض المعدى ويرشح السيد محمود احمد رئيسا للكتاب وكانت القفزة الاولى له التى تدرج بعدها عن جدارة واستحقاق ، لكل ما انتهى اليه هذا هو الشيخ عمر كردى من اولى زواياه وسأستطرد تباعا لكل ما اجد متسعا لبحثه وابدأ بصورته الناطقة بجمال الطالع والطلعة
وزحمه المعانى والامال الكبيره فى نفسه المجهدة الطموح ، اعجبني فيها الزى المدنى الحر القح ، الجبة الفضفاضة والعمامة المهندمة فيها سمة العلماء ووقار الفضلاء الكبراء ، يتكلثم فيها وجه صبيح تطل من خلاله عينان ينفذ سحرهما والقهما الى القلوب نفذا ومن تحت الصورة بيتاه المعبران تعبير عينيه :
رحلت بجسمى لا بروحى فهاكمو
عن الجسم رسما تكلؤون به الروحا
به قمصوها تشهدوا الناس آية
تجلى بها صدق الوفاء صريحا
انهما بيتان ، بل قصران سكنت فيهما هواتف نفسه ونوازع قلبه ومسابح فنه وسبحات فكره وعقلة ينطلق بها نازح عن وطنه ومراتع لهوه ومدارج صباه ومحط امله ورجاه دانيا منه او قاصيا عنه ، انه يحتال على هوى نفسه اجمل احتيال فلا يريد ان يكون بعيدا لا بروحه ولا بجسمه لان الروح عند وطنه والرسم اطار الجسم فلا يعد اذن لا بالروح ولا بالجسم ، فقد فرض روحه على رسمه يتقمصها ويملؤها بخياله المنسرح وقلبه المنجرح
وكانت صورة وكانت شهادة تجلى فيها كما قال عن نفسه ولاؤه وحسن وفائه لولاته الهاشميين ، فقد نزح حيث نزحوا وفارق الوطن لا كرها فى الولاة القادمين ولكنه التشبت بعاطفة الود للسالفين وتلك هي الخلال التى يكبرها الملك الراحل عبد العزيز رحمه الله فى الاوفياء فيحرص عليهم . لان من حرص على صديقه ووليه فهو حرى بان يحرص على تاليه وما كان يأمن من خان سلفه وتملقه على اشلاء الغدر والنكران وتلك سجية الكبراء وعقيدة العظماء ومبدأ الشرفاء ويزيد الشيخ عمر في الافصاح عن هذا
المبدأ العريق في نفسه ودمه في بيتين آخرين يقول فيهما :
أراني اسوس الخل لا عن مؤمل
ولكنني احمى حماه عن الاذى
فان شاع عنه الغدر اصبح كسبه
واصبح كسبي في البرية ) حبذا (
انه لا يرى معاقبة الغادر على غدره بمثل غدره ، لانه لو فعل لانحدر بخلقه الى الخلق الذي يمج ويكره فهو يعامل الناس باخلاقه لا باخلاقهم وحسب الغادر نقيضه وعقابا غدره وحسبه السيئة ذاتها والنقيضة نفسها فلا يضيف إلى عقابها عقابا ولا إلى وخزها وخزا جديدا - سموا وشفقة وتلطفا - وانه ليخيل الى . ان الشيخ عمر لم يكن القضاء عنده صناعة ولا فنا ولا هواية ولكن زينة وحلية من حلى المجد وركائز الولاية ، أما الميول الصحيحة له فميول الادب والشعر والسياسة وهي التى طغت عليه لتبرز اصالتها في نفسه قبل اصالة الفقه والقضاء . فجولاته الكثيرة في الشعر المكيفة بذلك الجو في عهد الهاشميين من مديح واسهام في قضاياهم وحوادثهم واحداثهم اخذ من وقته وتفكيره كل مأخذ وحتى حين نزح الى العراق واستوطنه ما بدت عليه هناك غير تلك الدلائل فجال مع شعراء العراق الذين ادركهم وعاصرهم كالرصافى والزهاوى والشبيبي والزعماء الذين جمع بينه وبينهم البلاط احسن الجولات . والذي يؤسف له ان ذلك الشعر لم يجمع الجمع الذي يهيئه للصدور فى ديوان حافل وعسى ان يوفق اكبر اولاده الاخ الفاضل الشيخ محمد كردى الذي القي عصاه فى وطنه وبلده المدينة المنورة ليجمع ما فرقت الايام والسنون والحوادث .
وبعد فانه يطيب لي ان اعود الي اثر الصورة الجميلة فى نفسى وما زحفت به على من ذكريات المعرفة الاولى يوم كان يحوطنا برعاية ولطف نحن الصغار في بيته الكبير بيت كل اسرة من اسره وأهلية وذويه . . فيداعب كلا منا مداعبة خاصة يسر بها نفوسنا ويوزع علينا من قروشه القطع كما كانت تسمى فى ذلك الوقت والعهد ، توزيعا عادلا لا يفرق فيه بين اولاده واولاد اخوانه واخواته - وانه يضحك معنا ويمرح كاحدنا - فى بساطة حلوة تخالط بشاشة القلوب وتعطفها اليه عطفا - وكلنا نحس بأبوته من كثرة ما يتفقد ويرعى ويكرم ، انه لعميد فى المدينة ببيته المفتوح دائما لضيوفه ورواده وولائمه التى لا تنقطع ، وانه لعميد فى أسرته بحق يكلؤهم كلاءة عجيبة ، وحتى الكبار من اخوته كانوا في منزلة البنوة من نفسه فلا راعي غيره ولا مسؤول سواه بكرم نادر وسماحة فائقة ولو كلفه ذلك ما كلفه لانها اخلاق المجد في بيوت المجد ، وضريبة المقام والسن والرئاسة وما أكثر ما ترهق هذه الاخلاق وما اكثر ما تتعب ، كان يعيش بصمت العلماء وروح الشعراء اذكر انه ومن في مقامه وسنه من علية المدينة لا يفوتهم في ) قيلاتهم ( وفسحهم ان يتركوا للمرح وقتا خاصا فيشمرون عن سواعدهم ويخلعون الطيلسانات ) والجبب والعمائم ( ليروحوا عن النفوس بمختلف اللعب البريئة الجميلة الشائقة فى زمنهم والتى يلعبها ويمارسهم عامتهم وصغارهم . وفي ذلك فك للنفوس من اسارها واثقالها حتى لا تغيم النفس ولا تذوب في دوامة المشاغل والمشاكل التى لا يخلو منها وقت ولا زمن لا سيما كبار النفوس وكبار الآمال
واذا كانت النفوس كبارا
تعبت فى مرادها
هذا هو الشيخ عمر كما لمحته في غضون الصبا وكما وصفه لى شقيقه وابي الذي نزل عندهم منزلة الشقيق . رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ، وحفظ الله الشيخ عمر في ابنه الأكبر الشيخ محمد كردى ورد غربة أولاده سامي وثريا وطليعة ، وجدد الله مجد الخال فى حفيده عمر الذى يدرس الآن الحقوق فى جامعة القاهرة وهو شاب طلعة ذكى له نفحات من جده فى الشعر والأدب ارجو ان تسفر عن عبقرية متفتحة ومستقبل باسم قريب ان شاء الله
ومما يخصنى فى مجالى الطفولة الرائعة فى حياته وبين ظلاله
- قصه محاكمة دار حوارها بيني وبين ابنته الصغرى طليعة وكان رحمه الله قاضيها وحاكمها ولقد اتى الزمن والقدر وطول ايام الفراق على تلك القصة ولكنها بقيت مسجلة فى روايتى التى أسميتها " بدور ، وهى ضمن اثارى التى لم يكتب لها ان ترى النور والى اللقاء فى حلقة قادمة مع خالى الشيخ عبد الحفيظ الكردى رحمه الله وبارك فى وحيده ووريث اسمه ومجده الشيخ عبد المحسن

