"عبقرية الفكر الإسلامى، ومفخرة الشرق السائرة، وحديث الإنسانية الأول ، وأول طيار ركب متن الهواء".
١ - يؤمن كثير من الناس بأن الشرق موطن الخيال ، ووادى الأحلام والسحر ، وأن الفكر الاسلامى من نبعة الفكر السامى ، فيه اضطراب الفكرة والعجز عن إدراك الحقيقة فى جوهرها ، والقنوع بالبحث فى حواشيها ومظاهرها ويقولون إن الحضارة الإسلامية حضارة عقيمة ، لم تسد للانسانية يدا . ولم ينؤ يحمل منها جيد. فالجمل هو الجمل ، مركب البداوة . ومطية الحضارة الاسلامية ، والمصباح هو المصباح ، زيت وفتيل ، استضاء به المسلمون فى ازهى عصورهم ، كما استعمله الانسان منذ فجر عصور التاريخ . والماء هو الماء . تجرى به الأنهار ، وتغص به الأودية، ويحمله المسلمون على ظهورهم وفوق متون رواحلهم كما كان يصنع القدماء . والفن هو الفن ، لم تنبغ فيه فى الاسلام يد صناع، ولا روح ملهم، ولا عبقرية خالدة . وأين لنا فى الفن الإسلامي ما نفاخر به معابد أثينا ، وصروح روما ، وفن الا كاسرة ، وأهرام الفراعين ؟ والعلم هو العلم ، كما خلفته مدارس الإغريق ، ومعاهد الرومان وجامعات الاسكندرية وجنديسابور وحران ونصيبين .
ونقول لهؤلاء الشاكين : رويدكم ، رويدكم ! لقد عافت الحضارة الاسلامية ركوب الجمل، فحاولت نذليل الهواء ، وانفت من هذا النبراس الضئيل : فتخذت الثريمات المشرقة فى القصور والمساجد وعلى حفا فى الشوارع والميادين وأبت أن تعيش فى نصب البداوة . فادخلت الماء العذب فى انايب الرصاص الى القصور والحمامات والرياض. وفجرته من ثغور التماثيل الفنية الرائعة
المصنوعة من "الذهب الأبريز والفضة الخالصة ، والنحاس المموه" وأجرته الى البحيرات الهائلة . والبرك البديعة ، والصهاريج الجميلة ، فى أحواض الرخام المرمرية المنقوشة العجيبة". والفن الاسلامى أمامكم فانظروه فى اثار بغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق وسواها، وفى قصور الزهراء والحمراء ، ومساجد الشرق العظيمة الشامخة التى تسخر بالزمن وتبسم فى وجوه الأيام ، وإذا لم يسعدكم الوقت والحظ بالاطلاع على التراث العلمى المجيد الذى خلفه رجال الفكر الاسلامى ، فاقرؤوا ما يكتبه عنه المنصفون من الشرقيين والغربين والنهضة الاسلامية فى الاقتصاد والزراعة والصناعة والتجارة، وفى الإدارة والسياسة، والطب والعلاج؛ وفى جميع ميادين النشاط الانسانى، لا تتعجلوا بالحكم عليها قبل أن تتعرفوا مدى ما وصلت اليه من عبقرية وقوة ومدنية .
فلينئد هؤلاء فى الحكم على حضارة أظلت العالم أحقابا طوالا، ونقلت جميع الحضارات القديمة - بعد أن هضمتها وهذبتها ووجهتها توجيها جديدا - الى العالم فى أول عصر النهضة الحديثه ، وكانت السبب المباشر فى قيام الحضارة الأوربية التى يضيء نورها الدنيا الآن.
هذه نظرات عابرة أكتبها تمهيدا لبحثي عن أبى القاسم "عباس بن فرناس" مفخرة الشرق ، والمفكر العظيم الذى رددت ذكره الأجيال .
٢- نشأ "عباس" فى بلاد الاندلس فى أوائل القرن الثالث الهجرى ، والدولة للأموين أحفاد الداخل البطل الأموى الكبير .
وكان لابد له - ككل شاب طامح - أن يرد مناهل العلم ، ويغذى فكره وعقله بالثقافة الإسلامية فى مساجد قرطبة ودور العلم فيها . فتتلمذ على رجال العلم ثم أعلام الفلسفة الذين كانوا يفكرون ويبحثون ويستنبطون فى خفية بعيدا عن عيون الناس والجمهور ممن لا يستسيغون التفكير الحر ولا يشجعون عليه .
ثم خرج " عباس " الى الحياة العامة ، شابا ثائر الفكر . متأجج العزيمة ، مشتعل الذكاء ، لا ريد أن يفكر كما يفكر الناس . ولا أن يعيش كما يعيشون ، ولا أن يعنى بما يعنون به . بل أراد أن يفكر كما يجب أن يفكر ، وان يستنبط ويخترع ويجدد كما شاء له عقله وقواه الفكرية الكامنة فيه ولم تكن آمال " ابن فرناس" وأفكاره من خيلات الشباب وأ كاذيب النفس ، بل كانت مظهرا لعقلية مبدعة ، وتفكير سليم .
٣ - وبعد قليل تمكن هذا الذهن الحاد القوى من استنباط طريقة لصنع الزجاج من الحجارة. فكان أول مبتكر لهذه الطريقة الجديدة، التى نسير على أثرها فى شئ من التجديد والدقة والسرعة.
ثم أخذت نفسه تحدثه: كيف نعيش دون التفكير فى اختراع شئ جديد يعرف به حساب الدقائق والساعات والأيام ؟ إن اخترع الشرق الساعات المائية، فليخترع هو ما تفخر به الأندلس والأندلسيون: وفعلا تم له ما أراد ، فاخترع آلته البديعة "المنقالة" التى صنعها على غير مثال لمعرفة الأوقات
٤ - وحول "ابن فرناس" فكره من جديد إلى مملكة النسور ايظل هذا الأفق الفسيح، والجو الرحب ، ميدانا للطيور ترفرف بأجنحتها فيه، ناعمة بجماله ؟ ولم لا يشاركها فيه الأنسان ؟
هذه الطيور ، أليست تطير بجناحين ، يساعدهما ريش كثيف ، فلم لا يكون لابن فرناس جناحان ممدودان وريش منتشر على جسده ليطير كما تطير النسور فى الهواء ؟ وأخذ يكسو نفسه بالريش ويمدله جناحين، ثم كان يوم المحاولة الخطيرة الفريدة، التى هى أول محاولة بشرية للطيران، فاجتمع الناس من كل حدب، ليروا هذا الرجل كيف يفتح هذه الآفاق الجديدة أمام الإنسان.
وحرك عباس جناحية، ونشر ريشه، وأخذ يداعب الهواء، فارتفع فى الجو، وطار مسافة بعيدة ، والناس فى أماكنهم ينظرون ويعجبون ويسخرون ثم كان لابد لهذا الطائر أن يهبط الى الأرض . فهبط رويدا رويدا حتى قرب منها ، فلم يستطع حفظ توازنه ، فسقط مصابا برضوض فى جسده
لقد نظر "ابن فرناس" الى جناحى الطائر وريشه فأمن أنهما وسيلته فى الطيران، ولم ينظر الى ذيله ليعرف مدى مساعدته له فى طيرانه وحفظ توازنه وحين هبوطه الى الأرض ؛ فلم يصنع له ريشا وجناحين . فاصيبت التجربة بإخفاق ما كان أجدر "ابن فرناس" أن يتلافى سببه
عجب الناس ، وسخروا من "عباس" ، وهزنوا به ونظم الشعراء الشعر فى السخرية والتندر عليه وهكذا شأن العبقريين فى كل جيل . يسبقون زمنهم فلا يفهمهم الناس ولا يفهمونهم ، بل ويعادونهم عداء شديدا .
قد يكون نقد الناس وسخرتهم سببا لإحجامه عن إعادة التجربة من جديد ، وقد يكون الباعث على ذلك جهله بسبب إخفاقه فى محاولته الأولى وخوفه على نفسه أن تلاقى صدمات جديدة . وقد يكون الصارف له ما أصيب به من جروح دامية أثرت فى صحته .
وعلى أى فرض . فما كان أقرب "ابن فرناس" إلى الظفر بامنيته، والى غزو هذا الأفق الجديد وتسخيره للناس، ولو فعل ذلك لانقلبت الحياة وتغير مجرى الحضارة ، ولسجلت الحياة لعباس بن فرناس هذا النصر الذى سجلته بعد أكثر من عشرة قرون ، للأخوين رايت".
٥ - لم يسكن هذا الفكر الثائر، والعقل الجبار، بل أخذ يعمل ويبتكر ، حتى تمكن من وضع صورة فى بيته ؛ تمثل هيئة السماء ، يخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والرعود والبروق ، فعجب منه بعض الناس ، وسخر به الآخرون ويقول فيه مؤمن بن سعيد الشاعر الأندلس :
سماء عباس الأديب أبى الـ قاسم ناهيك حسن رائقها
وهكذا قضى "ابن فرناس" حياته فى تجديد وابتكار، فى سبيل خدمة الحضارة ، والرقى بالحياة الإسلامية فى عصره .
٦ - وكان مع هذا موسيقيا بارعا، يعد أول من فك كتاب بطليموس فى الموسيقى والألحان وأول من فك من الأندلسيين كتاب العروض للخليل ابن أحمد .
٧ - وهو مع هذا النبوغ شاعر أديب ، اتصل بالأمير الأموى حاكم الأندلس محمد بن عبد الرحمن . الذي اعتلى عرش البلاد من ٢٣٨ ه الى ٢٧٣ ه . فكان له عنده مقام نبيل ، ومدحه بقصائد أدبية كثيرة : أنشد الأمير محمدا من أبيات :
رأيت أمير المؤمنين محمدا وفى وجهه بذر امحبة يثمر
فنقده مؤمن بن سعيد ، وعابه ان جعل وجه الامير ارضا تغرس فيها البذور وخرج اهل طليطلة حوالى عام ٢٤٠ هي على الامير محمد واستعانوا بالافرنج فخرج إليهم بحيوشه وهزمهم وهدم قنطرة مدينتهم وفى ذلك يقول ابن فرناس :
اصحت طليطلة معطلة من هنها فى قبضة الصفر
تركت بلا أهل تؤهلها مهجورة الا كناف كالقبر
ما كان يبقى الله قطرة نصبت لحمل كتائب الكفر
وغنى ابن زرياب بعض الرؤساء، وعباس بن فرناس حاضر معه، هذين البيتين :
ولو لم يشقني الظاعنون لشاقنى حمام تداعت فى الديار وقوع
تداعين فاستبكين من كان ذاهوى نوائح ما تجرى لهن دموع
فذيلهما "عباس" بمدح هذا الرئيس وكان اسمه محمودا :
شددت بمحمود يدى حين خلنها زمان لأسباب الرجاء قطوع
بني لمساعى الجود والمجد قبلة إليها جميع الأحودين ركوع
فأجزل له العطاء "وأسنى له المكافأة"
ويعد ابن فراس من أوائل من اخترعوا فن الموشحات، وله القليل منها مما بقى من أدبه محفوظا فى كتب الأدب الأندلسي ومصادره .
٨ - وبعد فهذه صورة مصغرة لهذا الرجل الذي لقب بحق "حكيم الأندلس" والذى شغل الفكر الأندلسي حيا وميتا ، وكان أول من فكر فى الطيران، والذى مضى على وفاته أحد عشر قرنا من الزمان أو يزيد وكم أود أن أعاود الكتابة عنه مرة أخرى .
(مجلة الازهر)

