من ذكريات الأمس

Share

نقلت اى قرائنا المقال  عز تاريخ ما اعمله تاريخ بلادنا دجنة براعة حضرة صاحب المعالي الشيخ محمد سرور  الصبان وزير المالية والاقتصاد الوطني وزعيم حركه الادب الحديثة فى بلادنا . مدافع . بصفه  خاصة لهذا العدد الممتاز الخاص من مجلة المنهل

تحية للمنهل وقد قضى عشرين عاما في خدمة الثقافة والادب يجاهد بالقلم الحر ، والفكر النير ، والاسلوب الحكيم لكى يسهم فى بناء صرح نهضتنا الادبية ، وكي يضيف اليها لبنات قوية تدعم من مركزها بين اداب البلاد الأخرى .

وصاحب المنهل الاستاذ عبد القدوس الانصاري يريدني ان اتحدث عن ذكرياتي الماضية . . والذكريات كثيرة ولكن ما يرسب منها فى اعماق الذهن ضئيل ومن هذا النزر الضئيل اقدم لقراء المنهل حادثتين وقعتا لي في غضون العهد الماضى لعل اولاهما اطرف مامر بي ، ولعل الاخرى اصعب موقف اجتزته فى حياتى . .

١ - الملك الشاعر . .

قدم المرحوم الملك حسين من عمان فى السنة التى بايعه فيها اهلها بالخلافة . . جاء وهو في قمة نشوته فخورا بما احرز من انتصار ادبي وما

تحقق له - فى اعتقاده - من آمال عراض ، واهداف كبار

وكان لابد للشعر ان يحييه ، وان يخلد له هذه الذكرى . . وقد نظمت لجلالته تحية شعرية تهنئة بقدومه ، تمثيلا للمعاني التى جاشت بها النفوس انذاك . . وكانت القصيدة عبارة عن تسجيل للنهضة في خطواتها من ابتدائها حتى مراحلها الاخيرة . . وتضمنت ذكر ما كان من الحلفاء فى اعقاب الحرب العالمية الاولى من نكث بالوعد ، وخلف للعهد ، وعدم تنفيذ ما تعاقدوا عليه ، كما اشتملت في نهايتها على تقدير ما قام به الملك لخدمة العرب .

وعندما نشرت القصيدة في جريدة ( القبلة ) رحت اتلوها مسرورا وشد ما كانت دهشتي ومفاجاتى عظيمة اذ رابعها تزيد ابياتا ثلاثة عن الاصل .

من اين جاءت هذه الابيات وانا لم أنقلها ولم تتضمنها قصيدتى ، وأتى الجواب ان ( سيدنا ) قد شرف القصيده باعجابه وطرب لها كثيرا وان أقوى دليل على هذا التقدير والانجاب و فإنه زاد عليها الثلاثة الابيات واضافها اليها . .

وليس هنا مجال نشر القصيدة اما الابيات التى زيدت من نظمه فهى : فهو ، الممثل آيات الثبات لمن

لم يثبتوا ومشوا بالوهن والنصب ومظهر الخلق العالي بهمته

ان اظهروا خلفا اعدى من الجرب فالصبر شيمته فى كل حادثه

وفي الثبات بلوغ القصد والأرب

٢ - الإمير على ، مكان الملك حسين

كانت الحالة السياسية قد تفاقمت اخطارها ، والوضع منذرا باراقة الدماء ان يتداركه لطف الله وتتداخل الحكمة والكياسة وينتشر العقل على العاطفة . .

ولمعالجة تطور الحالة تألف فى جدة ( الحزب الوطني ) كي ينظر فى الامر وفى وضع ملك لم يعد يملك زمام الموقف كما ان بقاء السلطة فى يده مما يهدد امن الناس فى البلد المقدس الحرام ، واسندت رئاسة الحزب إلى الشيخ ( محمد الطويل ) (ناظر عموم الرسوم حينئذ ) وسكرتاريته ، تلميذ محمد طاهر الدباغ ( مدير مالية جدة ) انذاك ، اما اخضاؤه فكانوا نخبة من وجهاء البلاد ونضلائها وذوى الرأى والعزيمة فيها . .

وقد قرر الحزب بعد جدال بالغ

مستمر ان يقنع الملك بقبول مبدأ التنازل عن العرش

ولن انسى ما حييت ذالك الموقف الذي وقفته يوما ، والسن حديثة والشباب فرار ، لقد كنت فى السادسة والعشرين من عمرى وكنت يومها وكيلا لرئيس بلدية مكة ، ودق جرس التليفون في مأذنى دقا  متواصلا ثم تناهى الى سمعى صوت لست ادرى هل هو صوت السيد طاهر الدباغ سكرتير الحزب أم صوت الشيخ عبد الحي قزاز وقد كان رئيسا للبلدية فى مكة ومن الذين رحلوا الى جدة فى ذلك العهد ؟ وكان المتحدث ينبئني ان الحزب الذي شكل واجتمع للنظر فى الحالة الحرجة قد قرر فى المؤتمر الذي

عقد من اعضانه ( بناء على تنازل حسين عن العرش - تنصيب ابنه الامير على مكانه ومبايعته ملكا دستوريا للبلاد وان الحزب قد اوكل الى - وهذا اصعب ما فى الامر - مهمتين هما ابلاغ الملك حسين تفاصيل هذا النبأ والايعاز الى القيادة العسكرية فى مكة باطلاق احدى وعشرين طلقة من قلعة اجياد ايذانا باللحظة الفاصلة بين عهدين ، مع اعلان النبأ بوساطة المنادى فى كافة انحاء البلاد وكانت تلك هى الطريقة الوحيدة السريعة للاعلان والنشر . )

شعرت بهول العبء ، وانزعجت لهذا التكليف القاسي الذي يحملنى شططا وساورتني الهموم والافكار الممضة اذ كيف يمكنني ابلاغ نبأ كهذا لرجل كان يتلعتم امامه فصحاء رجالنا

وتخرس فى مجلسه السنتهم الطليقة ولا يملكون معه الحديث البسيط والكلمة الهامسة ، فما للحزب الوطني يختارني لاشق مهمة واقسى امتحان يمنى بهما انسان ؟ وبينما انا فى خضم هذه الافكار وفي غمار تلك الهواجس اذا بجرس التليفون يصلصل مرة اخرى واذا بالمتكلم يتساءل فى حزم عما إذا كنت قد نفذت الامر ام لا ؟ فالمسألة لا تحتمل الارجاء . .

وقضت هذه المحادثة على كل تردد يكمن في نفسي ، انه الواجب يدعوني فلا مناص من تلبية دعائه ، وقررت معتمدا على الله ان اقوم باداء ما اوكل الى اداؤه ، ولكنني ارتايت تخفيفا لما قد يحدث من نقاش وما قد ينتج من اخذ ورد ان اكتب التبليغ بصورة واضحة فى ورقة صغيرة احتفظ بها حتى اذا فاجأني الملك اثناء ابلاغه بما لم اتمكن معه من اكمال الحديث وتسلسله قدمت اليه الرسالة المكتوبة تجلو ما يغمض عليه وتبين ما قد يستبهم

كانت الساعة اذ ذاك حوالى الثامنة وصعدت متثاقلا درج القصر - قصر الغزة - ثم استأذنت في الدخول فأذن لي فدخلت ، واذا بي ابصر الرجل وهو فى مجلسه الكبير الذي اعتاد منه ان يدبر شؤون ملكه ، وقد سربلته الهيبة وجلله الوقار ، فتسرب الى قلبي الوجيب وداخلتني الخشية

ولكن لم يكن من الاقدام بد . . وان يكن اثر في نفسي مظهر الرجل فقد كان هادىء النفس غير مبلبل الخاطر ولا موزع الحواس مما دلني على انه ملم بالتيارات التى حوله وعلى علم سابق بها ، فدنوت منه وابلغته النبا في شجاعة غير منتظرة من مثلي في ذلك الموقف فلم ينزعج بل تلقي النبأ بنفس متصبرة وجأش رابط وقال بالحرف الواحد : ( حتى الاشراف معهم من الذي اخبرك ) قلت له : لم اتبين صوت من ابلغنى النبا اهو السيد

طاهر أم عبد الحي . . قال ) لا بأس نفذ ما ابلغت به . . نفذه ودعني اسمع صوت المنادى من مكاني هذا ، وابلغ القلعة كي تطلق الاحدى والعشرين طلقة . . ولكن تعرف . . انا وعلى شئ واحد . . ايش انا وايش على ؟ . . ان ابن سعود سيدخل مكة على كل حال والتغيير لا يحل المشكلة

وصمت الملك وانتهى ذلك الموقف العاصف ومر موكب الزمن مفسحا الطريق للقافلة ان تسيير . .

تلكم حادثتان من اغوار ذكرياتي البعيدة سردتها للقراء ، وللمنهل بعد تهنئتى بهذه المناسبة السعيدة . . . مناسبة مرور عشرين عاما على حياته المديدة . . واملى ان يستمر مشعلا مضيئا من مشاعل النهضة القوية . .

اشترك في نشرتنا البريدية