و عليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
وبعد فقد تلوت بامعان وشكر كبير رسالتك القيمة التى تنافح بها مشكورا مقدرا عن ام اللغات فى صحة صيغها وتقويم اودها والمحافظة على قوامها القويم العظيم ، وكانت رسالتك الى ، فيما كنت كتبته بجريدة البلاد عن " مشروعات بلدية جده " رسالة اديب متمكن في درسه متمكن فى نفسه ، وما كان لي من دأبي ان ارد على من ينقدون ما اقول اذا رأيت انهم الى الهوى يميلون . كنت اصمت واقول فى نفسي : ان خاصة القراء سيعرفون الغث من السمين اما العامة فلا يفرقون بين الجمل والناقة فى هذا المجال . . وان بالغت في تقديم الحجج واظهار الحق وابطال الزيف . . وقديما قال الشاعر :
لقد اسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادى
اما كلمتك هذه فاني مع الشكر الجم والتقدير الحتم اوسع لها من صدر " المنهل واحتفى بها واقدرها واقدر كاتبها واقدر السبب الفكرى الوجيه الذي جعله يبعث بها الى تقديرا عميقا سامقا
ولقد احسنت فيما عرضته كله عن ثبات ان ) كلا وكلتا ( ان ما تضافان نثرا الى معرف مثنى حقيقي أو تضطى . . وذلك على
ما قرره ائمة النحو من قديم . . تباعا . وعلى ما حققوه تحقيقا واضحا لا لبس فيه ولا امت وانا مؤيد لكل ما جاء فى رسالتك تأييدا صادقا عميقا واشكره لك شكرا صادقا عميقا ، وارجو ان يشكره لك معي القراء وان يتبينوا منه مكانتك العلمية واللغوية الراجحة وان يقدروا تحقيقاتك النحوية التى ترسل منها كثيرا فى واد فيمر بها الكثيرون مر الكرام ولا يقدرون ذلك العلم والجهد والعرق والتأمل وكل ما يقوم به باحث طلعة مثلك في هذا الميدان الذي قل قاصدوه وكثر جاحدوه
ولكنى ارجو ان استميحك عفوا . . وان استجلب منك فكرا ، وان اوجه لك نظرا الى ان ما كتبته انا ونقدته مشكورا انت وهو قولى وكلا الاداء والتكليف ( كتبته وانا على علم وذكر لما قاله النحاة فى وجوب اضافة كلمتى كلمتى ) كلا وكلتا ( الى المثنى المثنى المعرف حقيقة او مجازا ، وقد كتبت هذه الصيغة وانا لست فيها منكرا لما حققه العلماء ولا مبتدعا فانت تذكر ما كنت قلته لك فى امسية من امسيات جلوسنا فى حديقة منزلنا ذات ليلة بجدة ونحن نقابل حزازات ) الكتاب الفضى للمنهل ( سنة ١٣٨١ ه : ان الرجل المتضلع فى النحو ليس من اليسير ان يخطئ . . وهذه القاعدة قررها العلماء الاثبات قديما . فاننا إذا عرفنا كما كنت قلت لك : ان العرب نصبوا الفاعل ورفعوا المفعول فى كلامهم وقد اثبت ذلك علماء النحو واقروه وادعوه . عندها نعرف ان نسبة الخطأ الى من له المام كاف بالنحو ينبغي ان يسار اليها بعد كثير من عناء البحث وتقليب وجوه النظر بما يعى ولا يعنى . . وانا شاكر لك التخريج الذي خرجته للصيغة المذكورة ومقدر له كل التقدير . . ولكنى ما قصدت هذا
التخريج . . انى اعلم ان ابن هشام فى مغنى اللبيب ) فقد قواعد عشرة وعقد لها الباب الثامن من الكتاب . . وافادنا بان هذا الباب الثامن هو ) فى ذكر امور كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية وهى احدى عشرة قاعدة ( . . وانت إذا تتبعت هذا الباب فستجد فيه القاعدة السابعة ) ١ ( . وفيها يقول المغني ما نصه : ) القاعدة السابعة ان اللفظ قد يكون على تقدير وذلك المقدر على تقدير اخر نجد قوله تعالى : ) وما كان هذا القرآن ان يفترى من دون الله ( فان يفترى " مؤول بالافتراء ، والافتراء موؤل بمفترى وقال :
لعمرك ما الفتيان ان تنبت اللحى
ولكنما الفتيان كل فتى ندى
وقالوا : عسى زيدان ان يقوم ، فقيل هو على ذلك ، وقيل على حدف مضاف اى عسى او يزيد او عسى نريد صاحب القيام ، وقيل ان زائدة ، ويرده عدم صلاحيتها للسقوط فى الأكثر وانها قد عملت والزائد لا يعمل (
وعلى الشاهد يا صديقى هنا فى قول الغني مؤولا قولهم : ) عسى زيدان يقوم ( . وقيل على حذف مضاف . . اى عسى او زيد القيام . . انني آخذ بزمام هذه القاعدة الكلية المقررة من امام التحيز فى صحة الصيغة التى اتيت بها في مقالى : مشروعات جدة فى الميزان " . . فان هناك مضافا اليه محذوفا مقدرا . ويقول ابن مالك في الفيته :
وحذف ما يعلم جائز كما
تقول : زيد : بعد : من عند كما ؟
وتقدير المضاف اليه المحذوف هو ) وكلا هذين : التكليف والاداء ( . . وبهدا نكون قد وسعنا مداركنا اللغوية وسايرنا ما قرره كبار النحاة من ضرورة اضافة ) كلا وكلتا ( الى مثنى حقيقى او معنوى ومستندنا فى هذا
الصنيع يتمثل فى " قاعدة عامة " قعدها امام النحاة الذى بلور النحو ووصل به الى ذروة العلوم المقررة السامية فقيل عنه بحق ) سيبويه زمانه ( بل انى اراه يرجح سيبويه فى امور اهمها فلسفة النحو وتعقيده ووضعه فى اطار قوانين عقلية متكاملة . . ألا وهو " ابن هشام الانصارى " صاحب كتاب ) مغني اللبيب عن كتب الاعاريب ( اسمي كتاب نحوى فى التحقيق والشمول والتركيز والعمق والسموق .
وعلى القاعدة المذكورة يمكنني ان افسر قول الشاعرين : ) كلا اخي وخليلي ( . و ) كلا السيف والساق ( بأنهما يقصدان : " كلا هذين : اخي وخليلي و ) كلا هذين : السيف والساق ( . وعندها يكون الشاعران لم يخلا بالبيان العربى ، ولم يخلا بقاعدة اضافة اللفظين الى مثنى حقيقي او معنوى . وهذا رأى رأيته ولم ينتبه له علماء النحو الاوائل وكم ترك الاول للآخر ، حتى ابن هشام نفسه لم يتنبه له . . فانه رسم خطوط القاعدة العامة التى تخرج الشاعرين من هذه الورطة ولكنه نسيها حينما حلل بينهما او بعضهما فى بحث ) كلا وكلتا ( وليس هذا بالامر المستغرب على مقررى القواعد العامة وواضعيها من العلماء فان ابن خلدون وضع لتاريخه ) مقدمة ( صاغ فيها قواعد الاجتماع التاريخية العامة الخالدة ولكنه لم يطبقها فى تاريخه الكبير
وعلى سبيل الاستئناس والاستشهاد نذكر بيتا لابن الوردى اضاف فيه ) كلا ( إلى اسم الاشارة المثنى حيث قال :
بين اسراف وبخل سطة
وكلا هذين ان زاد قتل
وختاما اكرر لك يا اخي الاديب الاريب شكرى على رسالتك . ومنشأ تكرار هذا
الشكر اهتمامك الخفي بالمحافظة على صحة ام اللغات وادبك الجم في الحوار مما يذكرنا بادب العلماء وعلم الادباء وهو ما نحن احوج اليه كثيرا في مناقشاتنا ومحاوراتنا الادبية والعلمية حتى تفيد وتنير ، بدلا من ان تبيد وتثير . . تبيد العلم والادب ، وتثير الضغائن والشغب ، ودم واسلم لاخيك :
عبد القدوس الانصاري
الحمد لله وكفى
لقد وقفني على هذه الكلمات القيمة المفيدة الاستاذ الجليل ابو نبيه عبد القدوس الانصاري فشكرته على هذه الافادة وأما
التخريج فهو من الشوارد التى ندت عن بال ابن هشام واشباهه ولم يخطر على بالى وانا كنت اكتب ما افاده الاستاذ في تقريراته .
وبهذا خلصنا إلى ان مقولة الاستاذالكريم صحيحة بحذف المضاف اليه وتقديره لقيام القرينة ودلالة المعنى ومقام ) كلا وكلتا ( الاثنيني الذي ذكرناه .
هذا فلا نزاع ولا خلاف اذن بيننا فيما امناه وقصدناه اذا اقيم المضاف اليه مقام المضاف كما تقام الصفة مقام الموصوف . . وكلانا كان في المسألة مصيبا وبالله الاعانة .

