من قصص السياسة والرياسة

Share

فى عهد بني العباس

حدث ميمون بن هرون بن مخلد بن ابان الكاتب قال :

كان بين جدى مخند ، وبين فرج بن زياد الرخجى - ( بضم الراء المهملة وفتح الخاء الفوقية وتشديدها ) من التعادى ، لاجل الاعمال ولاية الاهواز ( ١ ) والمجاورة ببغداد - أمر مشهور ، وكان فى فرج شر وغدر ونفاق ومكر . وجرت الحال بينهما على ذاك أيام الرشيد والامين والمأمون ، رحمة الله عليهم .

واحترقت الدواوين في فتنه الامين سنه ١٩٨ ه وفيها على فرج الاموال الجليلة ، وقد احتال في استهلاك ما تعلق به منها ، بضروب التوصل والحيلة ، واتفق ان اجتمعا يوما بحضرة المأمون وأخذا في المناظرة والمهاترة وجدى ( مخلد ) يتولى يومئذ الضياع العامة ، ( ٢ ) وكان فرج آنذاك يتولى الضياع الخاصة ( ٣ ) ، فاعترض المأمون اذ ذاك بأن قال لجدى : أنا أعلم ان جميع حساب فرج عندك وأنه قد احتال فيما كان فى الدواوين منه . وما يقنعنى منك الا احضارى كل ما تعرفه وعمل مشاهرة ( ٤ ) له بما يلزمه .

أمير المؤمنين به . قال : افعل واجمع كل ما

يمكنك جمعه ويتحقق عندك وجوبه . وانصرف جدى الى داره ، وكان عنده سائر حسابه . وأحضر كانبين له وحجب الناس فقال له : لست أعرف من ذلك الا قدر ما

أتذكره وارجع الى اثبات عندى فيه واطلع عنه وتفرد معهما باخراج ما يخرجه وتحصيل ما يحصله ، واحتاجوا الى من يكتب بين أيديهم فاستعانوا بابن حدث ليحيى بن راشد ، ولم يدعوه ينصرف الى منزله فى اليوم الاول ولا الثانى ، وأقاموا على أمرهم يومين وليلتين فأخرجوا على فرج مالا جليلا ، وجعل مخند جدى يبطل كل ما يقدر ان له حجة فيه . واشتمل ما حققوه وصححوه على ( اثنين وثلاثين الف ألف درهم ) ( ٥ ) وانصرف ابن يحيى في الليلة الثالثة الى منزله ، وكان له خال في جملة فرج ينزل معهم فى دارهم ، فقال له : يا بنى فيم انتم ؟ ولم تنصرف لنذ ليلتين ؟ ولم يزل يتسقطه ويستخرجه ويعده عن فرج بالصلة والاحسان حتى أقر له بالامر كله ، وأخبره بما خرج على فرج بعد ترك ما ترك واسقاط ما أسقط .

فبادر الرجل الى فرج وحدثه بما حدثه به ابن اخته ، فقامت قيامته منه ، وتصور زوال نعمته به ، وصار فى الليل الى باب جدى راجلا غير راكب ، ومعه غلام واحد في ظلمة بغير شمعة ، فوجده مغلقا ، ونادى بخادم كان لنا يقال له طريف ، نداء خفيا :

- يا أبا فلان ! أنا بالباب . وسمع الخادم صوته فعرفه . وقال : أبو الفضل ؟ قال :

نعم . وأريد أن أكلمك فى سر ، فلا ترفع

صوتك وخرج اليه وقال له . ما لك يا سيدى ؟ وما هذه الصورة ؟ فقال : احتل لى في الوصول الى مولاك الساعة . فقال : قد صعد الى السطح وحصل مع الحرم واذا كان فى ذاك لم يمكنى لقاؤه ولا خطابه . فقال : فتلطف وتوصل .

فأعطاه كيسا فيه دنانير ، وقال له : هذه أربعمائة دينار خذها واجتهد . فحملت الخادم الرغبة في الدنانير على أن صعمد الدرجة . قال طريف : فلما قربت من موضع مولاى ، تنحنحت . فقال لى وهو مذعور : ما جاء بك في وقت لم تجر عادة منك ، ولم اجترأت على ما لم يكن لك رخصة فيه ؟ قلت : أردت أن أذكر لك شيئا هو خير .

فقام الى رأس الدرجة ، وقال لى : ما عندك ؟ قلت : ان فرجا على بابك ، ومعه غلام واحد بغير شمعة . فأطرق ساعة ثم قال لى : أعطاك وأرغبك فأقدمت على ما كان منك . أصدقنى عن أمرك . قلت : نعم وأريته الكيس . قال : رده وخذ مثل ما فيه من تحت يدك وادخله .

قال طريف : وعدت الى فرج فعرفته ما جرى ورددت الكيس عليه . فغمه ذلك . ونزل مولاى وجلس فى موضعه ودخل فرج . فلما قرب منه . قام اليه واستقبله ، فاستعفاه من فعله . وطرح نفسه على حصير بين يديه ، ثم على الارض ، وبكى طويلا ، وقال له : الله ، الله ، يا ابا الحسن في . وفي نعمتى وولدى ، لا تقتلنى ولا تفقرنى واعف لى كل ما تقدم منى . فقال له : معاذ الله ان افعل ذاك وما الذى أحوجك الى هذا القول ؟ فقال : قد سمعت ما أمرك به أمير المؤمنين . وعرفت ما كان منك في اخراج حسابى واسقاط كل ما كان فيه صحبة لى وتحصيلك على . بعد ذلك ما فيه هلاكى وفقرى وذهاب حالى بقية عمرى ، فراقب الله فى ، وفيمن ورائى ، فانك عالم بكثرتهم

ولم يزل القول مترددا بينهما الى ان قال له جدى : أما فعلت لى كذا فاحتملت وقضيت على ، في الامر الفلانى فصبرت وعرضتنى للقتل وذهاب النعمة في الوقت الفلانى وما أبقيت وحلفت لى يمينا بعد يمين وما وفيت . وعدد ذلك ووافقه عليه . .

فقال له : قد صدقت في كل ما قلت ، وأسأت فى كل ما فعلت ، فخذ على ، بالفضل .

وقابلنى بالصفح ووالله - واستتم يمينا غموسا كاذبة - لا قمت بعد مقامى هذا مقاما يسوؤك ، ولأكونن لك كأحد أوليائك المخلصين ، فأقلنى العثرة واستعمل في الفتوة وجميل الطباع .

فقال له جدى : والله لاقابلن نعمة الله عندى فيك وفيما كفانيه منك ، بالزيادة في الاحسان اليك والاخذ بوثائق الحجة عليك ،

على تصورى وتحققى انك لا تنزع عن عادتك ولا ترجع عن عداوتك ، وان الذى يأتينى آنفا من قبيحك أكثر مما أبدته الايام أولا منك .

فقال فرج : اكون اذن بغير رشدة وبحيث أستدعى من الله العقوبة والنقمة . فقال جدى : فما تشاء ؟

قال فرج : قد علمت ما دار بينك وبين أمير المؤمنين وانك لا تجد بدا من ابرائى شيئا .

فقال جدى : قد خرج عليك فى عاجل التصفح كذا وكذا بعد اسقاط كل مالك فيه حجة مقبولة أو مدفوعة . وعليك بعده من الباب الفلانى كذا ومن الباب الفلانى كذا . . ووافقه على وجه وجه . وهو يقول : هذا صحيح وأنت فيه منصف ، الا ان للاستسلام حكما ، وهذا المقام بين يديك حقا فالطف في ان تقرر على ، عشرين ألف ألف درهم .

قال : تأخذ بيدى وتتمم منتك عندى .

قال : فان جعلتها عشرة آلاف ألف درهم ؟ قال : هذا ما لا يبلغه أملى ولا ينهض به شكرى .

قال : فان أسقطت الكل عنك ؟ قال : لا أقدر على مقابلة هذا بالفضل منك .

قال : فان الله قد وضعه عنك .

قال : فكيف تفعل مع أمير المؤمنين ؟ قال : لا عليك ، وكل ما لزمك بعد وقتى هذا فهو على . دونك ! ولست أدعك تتصرف بعد ان جئت على هذه الصورة ، وسلكت فيما بيننا سبل الاستصفاح والاستقالة أو أخرق حسابك بين يديك ، وأحلف لك اننى لا استبقى منه سحاة ( ١ ) واحدة .

ودعا الحساب فاحرقه . وأظهر فرج من لسرور ما لا نقله الارض معه .

ثم قال له جدى : قد شهد الله ما عاملتك به ، وهو المسلم منك والمجازى لكل منا على قدر نيته . ووالله لا تركت غاية في النكت والغدر وركوب الشر والبغى الا بلغتها . . . فبكى فرج وقال :

- أكون اذن ولد زنا ، وجعل يحلف ويتألى ( ٢ ) على الاخلاص والصاء والثبات والوفاء . ونهض فقام معه جدى وتعانقا .

وأمر الغلمان بحمل الشموع بين يديه الى داره . وبكر جدى الى المأمون . فأعلمه انه نضر فيما عنده من حساب فرج فوجد له من الحجج وفيه ما يبطل معه كل ما يخرج عليه .

وتلطف في قوله ، وحسن منابه عن فرج ، حتى انسرجت القصة ، وزالت المطالبة .

ثم حلف طريف ( راوى القصة ) انه لم يمض على ذاك الا أقل من خمسة عشر يوما حتى دس فرج لمولاه ( مخلد ) في الشاشية ( ٣ ) ما دس .

وقيل لطريف : كيف كان ذاك ؟ فقال : كان لفرج غلام يعرف بنصر ، يعمل القلانس ويصنع الشاشيات وكان يعمل ما يحتاج اليه مخلد ، وبعد الحديث المذكور بأيام جاءنى هذا الغلام بخمس شواشى وتأنق فيها ، فأخذتها منه ، وأدخلتها الى مولاى .

فقال : من جاء بهده ؟ قلت : نصر غلام فرج . . فنظرها واستحسنها . وأمرنى بأن أعطيه اذا ركب واحدة منها ، ليلبسها وأراد فى غد الركوب ، وكنت معه فخرج سحرا ودفعت اليه احدى الشواشى وصار في دهليزه , برذونه يراض ، وقعد على دكته ، وأحس بحكة في رأسه ، فأخذ الشاشية ووضعها في يده اليسرى وحك الموضع باليمنى ، وجس الشاشية ، فوجد في رأسها ما أنكره وتأمله بيده ، فاذا هو شئ مربع ، وعاد الى الدار ودعانى على خلوة وقال لى : يا طريف ، قرب الشمعة منى . فقربتها اليه ، وقال : جس هذا الموضع من الشاشية ، فقد أنكرت أمره .

فجسسته ، وقلت : قد أنكرت يا مولاى مثل ما أنكرته .

فقال : في خفك سكين ؟ فقلت : نعم قال : هاتها .

وخرق الشاشية فاذا صليب من خوص .

فلم أفهم القصة ، ورفعت صوتى . . فقال :

أكفف ! وكففت . وقال : هذه الشاشية من شواشى نصر التى حملها الينا البارحة ؟ قلت : نعم !

قال : اكتم ما جرى ولا تشعر به أحدا من علمائنا .

واستدعى أخرى من هذه الشواشى وخرقها ، فكان فيها مثل ما كان في الاولى .

واعتبر الكل ( ٤ ) فكانت حالة واحدة .

وأمرنى باحضار دنانير ، عين عنى ، مبغى ، فحضرتها . وأمر بالصدقة بها ، وقال

ايتنى بشاشية مما عندنا من غير صنعة نصر ، فأتيته بعدة ، اختار منها واحدة جديدة ولبسها ، وقال لى : ان نصرا سيقف الساعة بالباب ويرى شاشيتى جديدة ، ويسألك عنها ، فاذا فعل ، فقل له : هذه مما حملته أمس . وقد أمر لك بدراهم ، اذا عدت دفعتها اليك . . ولا تزده تبيينا على ذاك .

قال طريف : وخرجت مع مولاى ، فاذا نصر بالباب كما حسب ( وسألنى عن الشاشية فأحبته بما وجب ) ومضينا الى دار الخلافة , وأذن المأمون للكتاب والقراء ، ودخل فرج فيمن دخل ، وخاض الكتاب فيما كانوا يخوضون فيه دائما ، وتعرض فرج     فى بعض ما جرى ، وهاتره ونافره ، وقال للمأمون : والله يا أمير المؤمنين ، ما يدين بدينك ، وان أظهر انه مولاك ، ولا يرى نصحك وان زوق بنسانه ما يزوقه لك ، وانه ليعتقد عبادة الصليب . ودليل ذاك ان في شاشيته واحدا ، ومتى شككت في قولى , فخرقتها وفتشها واعرف كذبى من صدقى فيه بامتحانها . فوجم المأمون لقوله وحمله كرم النفس وفضل الحلم على ترك الامر بتخريق الشاشية . وبادر مخلد الى أخذها من رأسه وتمزيقها بين يديه . وقال : أنا يا أمير

المؤمنين عبدك وعبد آبائك الراشدين . .

ومن يرى امامتك دينا ونصيحتك حقا . وقد علمت انك توقفت عن اختبار أمر الشاشية حياء مني وابقاء على ، وما أقدمت على ما أسأت الادب فيه من تخريقها بحضرتك الا لأبرئ ساحتى عندك مما قذفنى هذا الفاجر الغادر السارق به . قد غل أموالك واحتجنها . .

ووالله يا أمير المؤمنين لقد كان من خبرى في يومى هذا ، وما دبره على في أمر هذه الشاشية كيت وكيت ، وقص عليه القصة وسمى له نصرا القلانسى غلامه الذى كان ما احتال به على يده .

فاغتاظ المأمون على فرج مما سمعه وعجب من اقدامه على ما صنعه ، وأمر باحضار نصر ، فأحضر ، وسأله عن الصورة ، فلجلج فيها حتى إذا مد وضرب خمسين عصا اعترف بها ، وأحال على فرج فيها . فبصق المأمون عند ذاك فى وجه فرج ، وشتمه ، وأمر بتسليمه الى مخلد ليحاسبه ويطالبه بالاموال وانصرف فرج منخذلا ، ومخلد مكرم .

وحمل اليه فرج فحبسه عنده بعد أن وبخه على ما كان منه وقال له : ألم أقل لك : انك لا تدع قبيح رسمك . ولا تنزع عن ذميم خلقك ؟ وعلى ذلك فأستأنف من الاحسان اليك ما استديم به صنع الله عندى فيك , ثم لم يزل مخلد يلطف في أمر فرج ويكلم عمرو بن مسعدة فى مقاربته ومباشرته حتى قرر عليه ثلاثة آلاف ألف درهم .

وكان عمرو يعجب من تنافى ما بين الرجلين . وكان المأمون يعجب من ذلك ويعجب أصحابه من أمرهما .

اشترك في نشرتنا البريدية