( ٢ )
وقفت أيها القاريء الكريم بما نشرناه فى العدد الاول من السنة الثانية لهذه المجلة تحت العنوان المذكور أعلاه على خلاصة وافية لثورة ( ذى النفس الزكية ) على الخليفة المنصور العباسي بعد ما عرفت الاسباب التى ألجأته اليها والغاية من تلك الثورة ، ولا شك أنك أدركت ما آلت اليه تلك الثورة من الفشل السريع والقضاء المسجل عليها ، وهى لا زالت بعد فى المهد ، وبوقوفك على ذلك قد يتبادر الى ذهنك أنها لم تعد عن كونها ثورة محلية لم تررسم لها الخطط القويمة ؛ ولم يتخذ لها من أسباب الحيطة ما يكفل نجاحها ويحقق الغاية منها كثورة مشروعة يراد من ايقاد جذوتها استرداد حق مغصوب ، من يد خصم قوى عنيد ، لا يسلمه حتى يضحى باغلى ما لديه فى سبيل صيانته والذود عنه ، فلدفع ذلك واظهار الحقيقة فى ثوبها الناصع نكشف لك الغطاء بهذه الالمامة الوجيزة عن أهم الاسباب التى ادت الى الفشل فى تلك الثورة بالرغم من احكامها ورسم اضمن الخطط لنجاحها ، ليظهر لك كيف خانه الحظ ، وخدم خصمه فعلى الحظ لا عليه الملام .
منذ ولي المنصور الخلافة اخذ محمد ذو النفس الزكية فى تنظيم الدعوة له ، فبث دعاته فى البلدان ، يعملون على استمالة القلوب اليه ليكون له فى كل بلد حزبا قويا
يعتمد عليه فى نجاح الثورة عند اعلانها فيصبح من السهل عليه اشغال المنصور من كل ناحية ثم القضاء عليه فى أقرب وقت ، فظل يعمل لننفيذ هذه الخطة بكل جد ونشاط لا يتطرق اليهما الكلل ولا الفتور مدة طويلة ، وكان مقيما فى الحجاز يتنقل مختفيا خوف القبض عليه ، بينما كان اخوه ابراهيم وهو ساعده الايمن فى هذه الثورة يتنقل مختفيا ايضا فى مدن العراق وفارس والشام يدعو الناس الى مبابعة أخيه ، وكان محمد على اتصال مستمر باخيه وبسائر دعاته المبثوثين فى سائر الاقطار يوجههم ويرسم لهم الخطط التى يسيرون عليها .
أما المنصور فانه لما ايقن بعزم ذي النفس الزكية على الثورة عليه وعلم أنه يدعو لنفسه وضع عليه الارصاد ، وأصدر اوامره الى عامله بالمدينة بمطاردته واتخاذ كل وسيلة للقبض عليه ، كما شدد أيضا فى مطاردة أخيه ابراهيم ، وبسبب ذلك لاقى الاخوان كل صنوف الارهاق ، وكابدا شتى المصاعب والمشاق ، وتعرضا فى كثير من الاحيان لبعض المخاطر التى كادت تودى بحياتهما . فمن ذلك أن محمدا أرهقه الطلب ذات يوم وأحرجه المطاردون حتى ألجاؤه الى بئر تدلى فيها وانغمس فى مائها ، وبهذه المخاطرة نجا .
وبعد ما فرغ المنصور من اخماد بعض الثورات التى قامت ضده في أوائل توليته الخلافة وانتهى من مطاردة بعض الخارجين عليه والانتقام منهم وجه كل جهوده التى كانت موزعة الى ذى النفس الزكية وحصرها فى مطاردته والتشديد فى القبض عليه فضاقت الارض بما رحبت على محمد ، ولم يبق له أدنى أمل في النجاة ، وأيقن أنه مأخوذ لا محالة ، فخرج معلنا ثورته فى المدينة ، فى الثامن والعشرين من جمادي الآخر سنة ١٤٥ ه ؛ وأرسل الى أخيه ابراهيم بالعراق يعلمه بذلك ويأمره بالخروج ، ولكن ابراهيم لم يكن قد استعد للثورة ، لأن الموعد المضروب بينهما لاعلانها كان أول رمضان ، وكان محمد يعلق أكبر آماله فى نجاح ثورته على أهل العراق ، وعلى أهل البصرة منهم بوجه خاص لعدة اعتبارات صرح بها جعفر بن حنظلة البهرانى للمنصور حينما استشاره فيما
يصنع بمحمد لما بلغه انه خرج بالمدينة فانه اشار عليه بقوله : (( وجه الجنود الى البصرة )) . فقال له المنصور : (( كيف خفت البصرة ؟ )) . فقال جعفر : (( لان أهل المدينة ليسوا باهل حرب بحسبهم ان يقيموا شأن انفسهم واهل الكوفه يحت قدمك واهل الشام اعداء آل أبى طالب فلم يبق الا البصرة )) .
ولما جاء الخبر الى ابرهيم بثورة أخيه فى المدينة قدم الى البصرة لانه لم يكن قبلئذ فيها ، واخذ يجد ويتهيأ للخروج على انه لم يتمكن من اعلان ثورته فيها الا فى اول رمضان بعد ما قضى المنصور على اخيه فى المدينة وتفرغ له ، وهكذا استطاع المنصور ان يتفرغ لضرب الاخوين ، كلا منهما على انفراده قبل ان يقضيا عليه متضامنين ، وهذا هو السر فى نجاحه وفشلهما ، على ان ابراهيم استطاع ان يقف فى وجهه ما يقرب من ثلاثة اشهر يحاربه فيها ويناضله حتى أقلقه وأزعجه وتفوق عليه فى كثير من المواقع ودحر جنده واوقعه فى الحيرة والارتباك ، مع ان جند أخيه محمد لم يقو على الثبات معه سوى يوم واحد ، خذله فى نهايته وتخلى عنه ، ولولا تهور ابراهيم فى خروجه بنفسه لمباشرة القتل وعدم انتصاحه ، بالبقاء فى البصرة والاكتفاء بارسال الجنود لمقتلة المنصور بحيث كل ما هزم له جند أمده بما يشد ازره لولا ذلك لفاز حتما على المنصور وظفر به وثأر لأخيه منه ، ولك أبى كل ذلك فلاقي حتفه بيد قاتل اخيه عيسى بن موسي فى آخر ذى القعدة سنة ١٤٥ . وبقتله تنفس المنصور الصعداء ، وتمثل حينما بلغه قتله بقول الشاعر :
ألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر
واذا كان التوفيق قد اخطأ محمدا واخاه ابراهيم فى نيل الخلافة فقد حالف اخاهما (( ادريس )) الذى فر الى المغرب الاقصى خوفا من الخليفة العباسى (( موسى الهادى )) واسس هناك دولة عرفت فيما بعد (( بدولة الادارسة )) . ولله فى خلقه شؤون ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شئ قدير )) .

