من مظاهر التطور ، فى حياتنا الاجتماعية

Share

مرت بهذه البلاد فترات طويلات من التاريخ كان حكامها من غير أهلها فكانوا من أجل ذلك لا يحتفلون بأوضاعها ونصيبها من المدنية والنهوض ، بل إنهم أساؤوا اليها وهم يزعمون انهم محسنون ! فاعتبروها منطقة حراما ما ينبغى أن تدلف اليها المدنية الحديثة ولا أن تسمم أفكار أهلها السذج ! ! وقصروا النهوض والأخذ باسباب المدنية على بلادهم الاصلية ثم على البلاد التى يسيطرون عليها بمقدار ضئيل ! ! أما  الحجاز فكان عندهم فطرا مقدسا . يجب ان يعيش فى انماط حياته وطرائق تفكيره وأساليب معائشه كما عاش المسلمون فى القرن الهجرى الأول ! ! ويجب أن يتفرغ أهله للدعاية للخاقانات العظام من آل عثمان بدوام النصر والتأييد !!

ومن أجل تمكين هذه النظرية السقيمة أغدقوا على الحجازيين من المبرات والصدقات ما أغناهم عن السعى فى طلاب الرزق من طرقه المشروعة من جهة وما جعلهم من جهة ثانية أسارى احسان الدولة العلية ! ! كما قصر الحاكمون التعليم على مراحله الاولى فكان يكفى أن يفك الصبي الحرف ويخرج من عداد الاميين الذين لا يقرأون ولا يكتبون ليكون متعلما ! ! وحتى هذا الترف العلمي كان وفقا على طبقات معينة من الشعب لا يتعداها الى سواها ، فكان المتعلمون - على هذا النمط العجيب - فلة معدودة ، ومن أجل ذلك نشأ الحجازيون كسالى قاعدين عن طلاب الرزق والنماس أسباب المجد والتطلع الى حياة كريمة  مستقلة . . ونشأوا أميين لم يأخذوا بنصيب من العلم والتثقيف

و الزاد  الفكرى كجيرانهم من البلدان العربية فسبقهم هؤلاء بمراحل بعيدة ... واستمرت هذه الغاشية ترين على حياة الحجازبين طيلة ايام حكم الاتراك وما كان للاشراف الذين كانوا يتولون امارة مكة ويتداولون حكمها الظاهرى بمرسوم شاهانى من امير المؤمنين الى جانب وال من ولاة الترك أى أثر ايجابى فى تغيير هذه الحالة أو التخفيف من حدتها على الاقل . . فقد كانوا آلات مسخرة بأيدى الحكام الحقيقيين ، وكان معظمهم لا يهتم بمصالح بلاده عشر معشار اهتمامه بمصالحه الخاصة . . وكانوا منغمسين فى ملاهيهم ومتارفهم فلم يكن لديهم متسع من الوقت للتفكير فى وطنهم ولافيمن يحكمون ! ! بل كان بعضهم " مشتركا " قد تربي في أحضان الدلال التركى واستعجم لسانه حتى صار يجيد  الرطانة التركية أكثر من اجادته للغته ولغة قومه ! واستعجم بالتالي فكره وقلبه فلم يعودا ينبضان بشعور عربي أصيل ! !

هذه الاسبات مجتمعة قد تضافرت على جمود الحجاز وتخلفه عن ركب المدنية السائر حتى أذن الله للوعي القومى بالتفتح  .. وكانت الحرب العالمية الاولى من أقوى العوامل المباشرة التى ساعدت على هذا التفتح الذي بدأ ضئيلا ثم أخذ ينمو ويشتد حتى صار الى ما نراه اليوم . .

وقد اغتنم الملك حسين - يرحمة الله - هذه الفرصة الذهبية فثار على حكم الاتراك بعد أن عقد معاهدات مع الحلفاء الذين كان يمثلهم فى الشرق الاوسط المندوب الساعى الانكليزى بمصر يومئذ السير " مكما هون "  وبعد ان استند الى عون كبير منهم يتمثل فى كميات هائلة من النقودو الاسلحة ومواد الطعام وما اليها من احتياجات بلد محارب لا يملك من الخيرات الطبعية ما يسد رمق أهله ! وبعد أن بذلوا له من الوعود السخية - كعادتهم - ما يسيل له اللعاب ويتخف الحليم . . تلك الوعود التى كانت تبذل جزانا ولا يراد لها التحقيق لان معاهدة " سايكس - بيكو " المنعقدة من قبل فى الخفاء بين انكلتراو فرنسا قد حددت قيمة هذه الوعود . . ولسنا بسبيل ذلك وانما ساقنا اليه الاستطراد المرير . . ونجحت ثورة " الحسين " وغادر الاتراك الحجاز الى غير رجعة بعد أن

طبعوه زمنا طويلا بطابع الكسل والتواكل

ولم يكن من اليسير هدم ما بنته قرون متعاقبة من الرجعية والجمود دفعة واحدة وان كان من المؤكد ان نهضة " الحسين " كانت فاتحة خير بالنسبة للحجاز وأهله بل وللبلاد العربية جمعاء فقد آفاقت من الكابوس الذي كان يجثم فوقي صدرها فيمنعها من التنفس واستنشاق ريح الحياة الكريمة الحرة . . ولو لم يكن الحسين حذورا بالغ الحذر الى درجة الارتياب والتوجس من الاصدقاء والخصوم على السواء ، ولو لم يكن بخاف من المدنية الحديثة خيفته من الاوبئة . والسموم ، لكان له شأن جليل ولكنه كان رجلا مرتابا فى كل من يحيط به مما فض من حوله القلوب وملاها خشية منه وموجدة ..

وكان الناس متلهفين على الاخذ بنصيب من الحضارة الحديثة فصدهم عن مطلبهم صدا عنيفا أحال لهفتهم الى حنق وتربص وحنين . . ويبدو ان عدم وفاء الانكليز للملك حسين بعد ان منوه الامانى وملأ واراسه بالاخيلة الحلوة الضخمة قد مكن خلق الحذر والارتياب من نفسه حتى ما عاديأ من جانب احد من الناس . . وحتى كان ينفر من كل ماله سمة غربية ويحاربه فى غير هوادة . . وان كانت حربا قد أجحت الرغبات ولم تمنعها . . فما كان ليستطيع الوقوف في وجه التيار بعد أن شق طريقه واندفع يستأنى تارة ويسرع أخرى . .

والنفوس الظماء لن تصبر طويلا على الظمأ ، والنمير العذب اماماءها يغريها . بالورود والانتهال .

وانتهى عهد الحسين بخيره وشره . . وجاء جلالة " ابن السعود " الى هذه البلاد فاتحا فوفق الى فتحين . . فتح حربى ملك به البلاد وغدا سيدها المطاع وفتح ثان لعله أبعد خطرا وأجل أثرا وهو الفتح الذي تطورت به حالة البلاد الاجتماعية تطورا بعيد الغاية والاهداف ، واضح الملامح والسمات . . فجلالة ابن السعود يمتاز  بصدر رحب ورغبة خالصة فى النهوض ببلاده وتعليم اهلها . وهو يتقبل من المدنية الحديثة كل ما يفيد الشعب ولا يتعارض مع عقائده

وتقاليده . . ويمتاز الى جانب هذا الخلق السرى بنية سليمة ترى فى كل الناس أصدقاء حتى تقوم البراهين القاطعة على عكس ذلك . . وحتى بعد قيام هذه البراهين يسعي جلالته جهده في استمالة الخصوم واستلال سخائمهم  باغداق النعم عليهم إغداقا يشل كل حركة معادية منهم ويدفعهم دفعا الى الحب والاخلاص وعرفان الجميل ! ! وهذه مزايا في الحاكم الرشيد تفيد بلاده وتجعلها تتمتع من الحضارة باللباب لا بالقشور . . كما تبتعد بها عن ميادين التطاحن والعداوات وتصرفها الى تركيز جهودها فى تحقيق الاصلاحات الداخلية والخارجية التى تجعل منها بلدا مرموق المكانة رخي العيش . . وهكذا كان . ففى فترة  قليلة من الزمن لا تعدو ربع القرن خطت هذه البلاد خطوات سراعا فى سبيل عمرانها وثقافتها وتوطيد مكانتها بين امم الارض ..  وهي ما تزال فى السبيل وستبلغ منه غايته ما دامت تسير . .

ولا يتسع المجال هنا لتعداد مظاهر التطور ومراحله فى خلال هذه الفترة الزمنية البسيطة ، فلنكتف بالإيجاز عن الاطناب وبالقليل عن الكثير . .

فمن مظاهر التطور فى بلادنا : تفشى التعليم وانتشاره بين كافة الطبقات فى الحاضرة ، وتسربة الى البادية في شكل تعليم اولى ضيق النطاق سيتطور وتسع على الزمن حتى يبلغ مداه . . وابتعاث البحوث العالمية الى الخارج لاكمال التعليم العالي . . واستحضار عدد جم من الاساتذة المصريين للتعليم فى مختلف المدارس والمعاهد ؛ والتفكير في تأسيس كليات تكون نواة لجامعة عالمية كبرى على غرار الجامعات العلمية فى الخارج ..  وكل هذا لم يكن في الماضى القريب الا حلما جميلا يداعب الجفون  ثم تصحو منه على الحقيقة المرة والجهل المشين . .

ومن مظاهره : هذه الحركة العمرانية القائمة على قدم وساق فى المدن الكبرى مما غير معالمها ووسع آفاقها وهذب حواشيها وابرزها فى حلة فاتنة ومنظر أنيق  .. وما تزال هذه الحركة نشيطة نامية تبشر بخير عمرانى وفير . .

ومن مظاهره ، شبكة المواصلات اللاسلكية التى تطوق هذه المملكة الواسعة الارجاء تطويقا محكما ينقل الخبر من اقصاها الى اقصاها باسرع من كرة الطرف .. واصلاح وسفلتة مسافات شاسعة من الطرق الوعرة . ومد قضبان السكة الحديدية فى بعض نواحيها ، والاهتمام بتعميم مدها فى كافة الطرق الرئيسية والمدن   والدخول فى مفاوضات جدية مع الدول ذات الشأن لاصلاح خط سكة حديد المدينة - دمشق ، والاستعداد بالمساهمة فى هذا الاصلاح بالنصيب المفروض . . واستعمال عدد ضخم من السيارات للنقل والحمل بدلا من الجمال التى كانت الواسطة الوحيدة فى الحمل والانتقال . . وتعميم التلفونات فى كافة جهات المملكة ، وتأسيس محطة لاسلكية الاذاعة تأسيا بالبلدان المتمدينة التى اصبحت الاذاعات اللاسلكية من مستكملات حضارتها ورفاقها .

ومن مظاهره ، الاهتمام بشئون الرى والزراعة فى المملكة واستقدام خبراء مختصين فيهما ، وتأسيس مديرية عامة لهما ورصد اعتمادات مالية جسيمة لها لاستخدامها فى انعاش الزراعة ومساعدة الزراع مساعدات فعالة .

وقد بدت آثار هذه الخطوة المباركة واضحة للعميان بالرغم من انها لانزال فى أول مراحلها . .

ومن مظاهره ، العمل على استثمار خيرات الارض الطبعية استثمارا يعود على البلاد باجزل الفوائد . . وها هى بلادنا قد أصبحت فى اوائل بلدان العالم التى تنتج الزيت بكميات تجارية متزايدة . . ويتنبأ لها الخبراء الجيولوجيون بانها ستكون بعد زمن يسير الاولى بين بلدان العالم فى انتاجه . ويعمل المسئولون فى الدولة على التنقيب عن معادن نفيسة اخرى يرجح الخبراء وجودها فى بلادنا بكثرة فائقة . .

ومن مظاهره  .. ولعله اجل هذه المظاهر واحقها بالاشارة والتنويه هذا النضج الفكرى الذى نراه بارزا بين شبابنا وكثير من رجالاتنا . . هذا النضج الذي يعالج شتى المسائل المختلفة بمهارة واقتدار ، ويضع الحلول للمشاكل واللازمات ، ويواجه الشدائد والصعاب بحنكة ومرونة ودراية فيظفر بالاعجاب حتى من الخبراء والمختصين . .

هذه بعض مظاهر التطور فى حياتنا الاجتماعية أتينا عليها بأيجاز قد لا يخلو من قصبور ومتاركة ..  اما اسباب هذه المظاهر وتقصيها فان لهما مكانا اخر غير هذه الصحيفة الغراء التى لا يحتمل نطاقها المجدود الامثل هاته العجالات ، ولعل الظروف تتيح لنا من الفراغ ما نتمكن به من ايقاء  هذا البحث حقه من الشرح والتفصيل ، او لعل بعض كتابنا البارزين يتولى عنا هذه المهمة فيطلع العالم على طور من اطوار حياتنا الحديثة . التى ما نجرأ على القول بانها اصبحت كما نتمناه لها فان امامنا مسافات طويلة وجهودا شاقة وتضحيات غالية لنصل الى مستوى جاراتنا العربية الشقيقة بله البلدان الاخرى التى قطعت في الحضارة شوطا بعيدا . . وإن كنا نجرأ على القول باننا قد بدأنا السير بعد ان لنا وقوفا راكدين ، ولابد للسائر المجد من الوصول الى غاياتة واهدافه مهما واجه من صعاب ولاقى من تعب .

اشترك في نشرتنا البريدية