من مظاهر تطور نظمنا ، على ضوء تطورنا

Share

على اثر انتهاء الحرب العالمية بعيد زوال الحكم العثمانى عن بلاد العرب الشاسعة ونيل بعض اجزائها - ان لم تكن كلها - ما كانت تصبو اليه من استغلالها التام الذي لا تشوبة شائبة تنفس العرب الصعداء فى جميع اقطارهم وبدأ الوعي القومى فيهم يتنبه ويستيقظ شيئا فشيئا بعد أن كانوا شبه نيام تحوطهم

الجهالة والذلة  من كل مكان واخذوا منذ ذلك الحين يتجهون الى ميادين  الجهاد الوطني ونواحي السياسة والتعليم والعمران والاقتصاد و . . و . . وليس من شك أن فى مقدمة هذه الاجزاء الحرة دون فيه ولا شرط بلادنا

المقدسة استغفر الله بله بلاد المسلمين عموما  فى شتى انحاء المعمورة . ولقد كان من اولى ثمرات النهضة العربية على علاتها ان احتفظت البلاد العربية بكيانها السياسي والاقتصادى بعد ان كادت تتنكر لهما وتندمج فيما كانوا

يسمونه بمشروع ( التترك )  الواسع النطاق .

ولما اذن الله لجلالة عاهل العروبة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل السعود - أيد الله ملكه ووفقه للصالح العام - بان يتربع على عرش هذه البلاد فى الزمن الملائم وشاء القدر الحكيم العادل بالقضاء على الفتن الداخلية التى

ثأرت فى بلاده وعلى حدودها . وجمع شتات البلاد من قلب الجزيرة التى كانت منفصمة العرى مفككة الاوصال منهوكة القوى وتقويتها وتوحيدها باسم ( المملكة العربية السعودية ) ومبايعة حضرة صاحب السمو الملكي الامير سعود المعظم النجل الاول لجلالته بولاية عهد هذه المملكة وتوطيد علاقاتها الحسنة مع الدول الاجنبية والعربية منها على الاخص - استتب الامر لجلالته بعد كل هذا واخذ يتجه بكليته الى الاصلاح . الاصلاح الداخلى العام الذي شمل نواحي الادارة الحكومية والمرافق العامة في البلاد .

ونحن اذا تتبعنا الادوار الماضية والحاضرة اجمالا أو تفصيلا نجد اننا قد انتقلنا من سئ الى حسن ومن حسن الى أحسن . وهذا ما أقصده وربما قصده مع صديقى الاستاذ الانصارى من كلمة ( تطور ) التى جاءت في موضعين من عنوان هذا المقال الذي اختارنى  للكتابة فيه او بعبارة  اخرى فرضه على فرضا أدبيا مستساغا . وهو وامثاله من مواضيع عدد المنهل الممتاز إن دل على شئ فانما يدل على عناية الاستاذ بتسجيل اطوار التقدم العام في هذه المملكة الفتية تسجيلا صادقا صحيحا فى حدود الواقع وبدون مبالغة أو تهويل أو نقص كما يقول الاستاذ نفسه فى دعوته الكريمة .

فالادارة الحكومية قد كانت محدودة النطاق . تسير على النظم العتيقة التى ورثتها من الدولة العثمانية او بعبارة اصرح كانت تعيش على انقاض هذه الدولة الغابرة . ثم شكلت فى العهد السعودي في فترات متقطعة وعلى سنة التدريج وزارات ومديريات عامة تقوم على رأسها شخصية عظيمة محببة هى شخصية حضرة صاحب السمو الملكي الامير " فيصل "   نائب جلالة الملك المعظم ورئيس مجلس الوكلاء ( الوزراء )  يعاضده ويسانده فى ذلك سمو نجله الكريم أمير الشباب الامير عبد الله الفيصل وقد تعينت صلاحية هذه الوزارات والمديريات  العامة واختصاصاتها وتعددت شعبها وفروعها وانفتح مدى تفكيرها فى الاصلاح والعمل عليه . كل ذلك ، بمقتضى انظمة وتعليمات صدرت خلال ربع

قرن من مجلس الشورى واقترنت بالتصديق العالي . وهي مقتبسة من الأنظمة الخارجية الحديثة المترجمة الى العربية مع مراعاة قابلية البلاد ومكانتها الدينية الممتازة .

وقد عقد العزم منذ سنوات على ابرازها فى مجموعات مطوعة ظهر منها الى عالم الوجود حتى الآن ثلاث مجموعات هى مجموعة القضاء الشرعي ومديرتى الصحة العامة والبرق والبريد ( والبقية تأتي )  . وقد يصلح هذا لأن يكون جوابا مجملا لما رمى الاستاذ الى تبيانه من مظاهر تطور نظمنا اذا قصد بالنظم مجموعة التشكيلات والواجبات والاحكام التى صدرت طبق اجراءات رسمية خاصة ودونت فى مواد وفقرات ذات ارقام متسلسلة أو ابجدية مرسلة أطلق عليها الاصلاح اسم مرسوم أو قانون أو تعليمات أو لائحة أو . . وهذه النظم وما في معناها هى ذات أثر فعال في تكييف الحياة العامة في شتى ادوار نموها وتطورها اذ المفروض فى كل فرد احترام نظم بلاده والعمل بها عن طواعية واختيار كي يساعد السلطة التنفيذية على النهوض بواجبتها الكبيرة واعبائها الجسيمة .

ولما كانت أمثال هذه النظم هى التى تعالج موضوع  تنظيم الادارة الحكومية وتعين الواجبات العامة والخاصة وتحدد المسئوليات وتفرض العقوبات وتبين طرق جباية أموال الدولة ومشروعية صرفها وبالجملة ترسم برامج الاصلاح المنشود فان من مظاهر التطور الحديث لنظمنا :

١ - النهوض بالتعليم العام في داخل المملكة وربطه بالتعليم الخارجي وابتعاث البعوث العلمية والفنية باعداد كبيرة متتالية إلى مصر وانجلترا والولايات الاميريكية المتحدة .

٢ - حفظ سمعة الجيش ورفع كرامته واعلاء شأنه بما ادخله عليه صاحب السمو الملك الامير منصور وزير الدفاع المعظم من اصلاحات جمة سواء من حيث العدد أو العدة أو من حيث أساليب التعليم الحديثة وبث الروح المعنوية القوية فى افراده وجماعاته .

٣ - النهوض بشؤون الصحة العامة بزيادة عدد الاطباء والصيادلة والقابلات والموظفين الفنيين وايجاد المستشفيات والمستوصفات  والمراكز الصحية

العديدة فى البلاد وتزويدها بالآلات والمعدات والأدوية الحديثة فى حدود الاستطاعة والامكان .

٤ - النهوض بالشئون العمرانية بانشاء البنايات الحديثة لبعض المصالح الحكومية والمؤسسات العامة وانشاء رصيف حديث بميناء  جدة واصلاح الطرق والشوارع وتعبيدهما فى كل من مكة وجدة واقامة المظلات الفنية ومد قنوات الماء واقامة خزاناته ومد قضبان سكة الحديد بين منطقتى الاحساء - نجده تمهيدا لمدها وسيرها بين باقى الاجزاء المهمة من المملكة .

٥ - النهوض بالشئون الزراعية بتأسيس ادارة عامة لها وجلب اكبر عدد ممكن من المكائن رافعة المياه والآلات والادوات الزراعية وتوزيعها على الزراع بقيم مقسطة وجلب الغروس من خارج المملكة تحسينا وتنمية للزراعة ولولا الجدب فى بعض انحاء المملكة كالطائف لكان الانتاج كبيرا جدا .

٦ - العناية بشئون الحجاج ( وفود بيت الله الحرام )  بتشكيل ادارة عامة للحج بمكة ذات شعب مالية وادارية ودينية وصحية وفروع فى المدينة وجدة تسير فى سبيل الغاية النبيلة التى اسست من اجلها بمقتضى نظامها الخاص .

٧ - النهوض بمواصلات المملكة وذلك بتنظيم شئون السيارات وايجاد طائرات عربية سعودية لنقل الركاب الى داخل المملكة وخارجها .

٨ - واخيرا بل وأولا توفير المال عصب الدولة الحساس بتفتح ينابيع البترول (  الذهب الاسود )  وتضخم موارد الدولة الرئيسية الكبرى تضخما لاعهد للبلاد بمثله ونرجو أن تكون هذه الثروة الضخمة اداة خير واصلاح .

هذا عرض موجز لما حضرني الآن من مظاهر تطور نظمنا وليس هو حصرا ولا احصاء لها ولاهو كلما يجب ان ننتظره من الادارة الحكومية وفروعها ولعله من الصراحة والانصاف ان نعلن على صفحات هذه المجلة أن الحكومة قد سارت ولا تزال تسير بنا فى طريق النهوض والتقدم بخطى وئيدة ولكنها قاتمة على أساس ثابت وصحيح يبشر بعهد زاهر ميمون ان شاء الله .

وهناك صلة وثيقة بين تطور النظم الحكومية وتطور الحياة الشعبية العامة فالحركة قائمة على قدم وساق لانشاء مبان للمكني والاستغلال هي مزيج من الذوق الشرقي والغربي واتساع نطاق الاستيراد والتصدير والإستهلاك والاقبال على التعليم بانواعه فى داخل المملكة وخارجها وتوسع آفاق التفكير وتفتق الذهنية العامة والقابلية الملموسة للاصلاح كل ذلك ونحوه جاء نتيجة لتطور النظم الحكومية ولظروف الحرب العالمية الثانية والأحوال الاقتصادية العامة وليست الحكومة هي المسئولة الوحيدة عن النهوض بالبلاد علميا واقتصاديا وعمرانيا وأدبيا بل أن على كل تاجر وغنى وكل عالم وعامل وأديب وشاعر وكل رب أسرة وبالجملة كل فرد تظله سماء هذا الوطن تحمل قسطه من هذه التبعة العظمى وذلك باستثمار ثروته ومواهبه ومعلوماته وكل قواه لما فيه خير الوطن وفلاحه فهل نسمع ونقدر ونعمل ( أم على قلوب اقفالها )  ولا ننس قبل كل شئ أنه ليست العبرة بكثرة النظم ولا بالمظاهر بل العبرة كل العبرة بالتنفيذ الدقيق وبالمخابر . وهذه مدنية الغرب قد وبلغت القمة من حيث المادة والمظهر ولكنها على العكس روحا ومخبرا والله الموفق والملهم للصواب .

اشترك في نشرتنا البريدية