مهداة إلى الحجاج، فسخ الحج الى العمرة

Share

كثر السؤال عن مسألة فسخ الحج إلى العمرة، وقد طال الكلام فيما بين الناس حتى تجرأ بعض الجهلة فأنكر جواز الفسخ عند الامام احمد رحمه الله تعالى، لقصر باعه وعدم اطلاعه فحررت فيها اقوال العلماء مع التعرض لذكر الادلة حسب ما تيسر فأقول :

اعلم رحمك الله تعالى ان النبى صلى الله عليه وسلم امر اصحابه الذين أحرموا بالحج فى حجة الوداع ولم يسوقوا هديا ان يتحللوا بفعل عمرة فقال فى آخر سعيه على المروه: "لو استقبلت من امرى ما استدبرت لم اسق الهدى ولجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة" فقام سراقة بن جشعم المذلجي فقال: يارسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم اصابعه واحدة فى الاخرى وقال: "دخلت العمرة فى الحج هكذا مرتين لا بل لأبد أبد لأبد أبد" وهذا معنى فسخ الحج الى العمرة عند الامام احمد رحمه الله وعند الظاهرية وقال الآخرون: معنى الحديث جواز فعل العمرة فى اشهر الحج إلى يوم القيامة وإن القصد ابطال زعم الجاهلية منع ذلك. قال الامام النووى رحمه الله تعالى: وقد اختلف فى هذا الفسخ هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة أم باق لهم ولغيرهم الى يوم القيامة فقال احمد وطائفة من اهل الظاهر ليس خاصا بل هو باق الى يوم القيامة فيجوز لكل محرم بالحج ولم يسق هديا أن يقلب احرامه عمرة فيطوف ويسعى ويتحلل حتى بالغ بعض الحنابلة فى لزوم فسخ الحج إلى عمرة وقال نحن نشهد الله على ذلك تفاديا من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي السنن عن البراء بن عازب رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج واصحابه فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال اجعلوها

عمرة فقالوا فإنا حرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوه" فرددوا القول عليه فغضب حديث. وقال الشافعي ومالك وابو حنيفة وجماهير العلماء. من السلف والخلف: هو مختص بهم فى تلك السنة لا يجوز بعدها وانما امروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج وانها من أفجر الفجور واستدل الجمهور بحديث ابى ذر رضي الله عنه فى مسلم قال كانت المنعة فى الحج لاصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في تلك السنة خاصة فى حجة الوداع فلا تجوز بعد ذلك لهم ولا لغيرهم. وبحديث ابى ذر ايضا عند ابى داود قال كان يقول ابو ذر رضي الله عنه فيمن حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك الا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الولي العراقى : وابو ذر لا يقول هذا الا عن توقيف. وبحديث بلال المزنى الذى اخرجه النسائى وابو دواد وابن ماجة من طريق عبد العزيز الدراوردى عن ربيعة عن الحارث بن بلال المزنى المدني عن أبيه بلال بن الحارث قال قلت يا رسول الله أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة ام للناس عامة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل لنا خاصة" وبحديث مسلم والنسائى ايضا كلاهما عن ابى ذر رضي الله عنه قال لا تصح المتعتان الا لنا خاصة يعني متعة الحج بفسخه الى عمرة ومتعة ال؟؟؟ ، وهى نكاح المتعة يعنى نكاح المرأة الى أجل كان ذلك مباحا ثم نسخ يوم خيبر ثم أبيح يوم الفتح ثم نسخ فى ايامه واستمر التحريم الى يوم القيامة وصار الاجماع على ذلك ولا عبرة بمن شذ وخالف فى ذلك هذا وقد قال الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه فى حديث بلال: إنه لا يثبت ولا اقول به وقال ايضا ان هذا الرجل لا يعرف معنى الحارث بن بلال ولم يروه غير الدراوردى وأين يقع هذا من أحد وعشرين صحابيا رووا الفسخ عنه صلى الله عليه وسلم

وقد اجاب الجمهور عن ذلك بأنه لا معارضة بين حديث بلال وحديث الفسخ الذي رواه الصحابة حتى يحتاج إلى الترجيح لأن بلالا أثبت الفسخ كما اثبتوه وزاد زيادة لا تخالفهم وزيادة الثقة مقبولة وبان تفرد الدراوردى به عن ربيعة وتفرد ربيعة به عن الحرث غير قادح فإنهما ثقتان وتفرد الثقة لا يضر وبان أبا داود روى حديث بلال

المذكور وسكت عليه فهو عنده صالح فلم يبق الا تفرد الحرث به عن أبيه ولم يعلم توثيقه ولكن ينجبر بحديث ابى ذر فأن له حكم الرفع ولا مجال للرأى فيه فلابد فيه من توقيف وبان الحافظ فى تقريبه يرى انه مقبول فى الرواية لا سيما وابن حبان يرى أن من لم يخرج ولم يوثق يعتبر ثقة لأن العدالة هي الاصل وبأن الناس اتفقوا على ان الفاسد من الحج يجب المضى فيه كما يجب المضى فى الصحيح فاذا لم يجز فسخ الفاسد فالصحيح أولى وبان حديث ابن عباس رضى الله عنهما المتفق عليه صريح فى بيان سبب الامر بالفسخ وهو قوله كانوا يرون العمرة فى شهر الحج من افجر الفجور ومعلوم ان العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما وأما غضبه صلى الله عليه وسلم فذلك من تكرارهم القول وعدم مبادرتهم بالامتثال لا لعدم الفسخ او هو محتمل ولا استدلال مع الاحتمال والله اعلم .

بهذا تعلم ان كل من جرى على الفسخ او استدامة الاحرام فقد جرى على مسلك صحيح له مستند معتمد ولا وجه بعد هذا للانكار والتشديد على من فسخ او استدام الاحرام والقول بالتفصيل عند وجود الضرورة او عدمها هو الأقرب

اشترك في نشرتنا البريدية