مهداة الى المنهل العذب، بمناسبة مرور عشرين عاما على نشوئه . .، أثر القصه فى الحياة العامه

Share

كنت صغيرا كما كان كل الناس ، ونشأت فى بيئة محافظة ان لم تكن متعصبة . . ويغلب على مثل هذه البيئات طابع الحرمان . . فلا يستطيع المرء ان يقدم على أمر دون ان يعد خطواته ويحسب لها ألف حساب . . فهو متقيد اشد التقيد بالعادات . والتقاليد وخشية القيل والقال . . والسمعة . . فهو ان قال أى شئ أمام من هو اكبر منه سنا عد قليل أدب ، ووقحا . . وهو ان سأل أى سؤال عد جريئا زيادة عن اللزوم . . وهو ان ضحك امام زائر فهذا " عيب " . .

ناهيك بقائمة " هذا حرام " التى تفوق قائمة هذا " عيب " بمراحل . . وأما " البعبع " وابو ذيل " وام اسنان " هذه الأشياء التى يتخذها الخدم والجدة والعمة والخالة أدوات لاخافة الصغار فانها تبقى رواسب فى نفس الطفل وكلما نما الطفل نمت معه . . وقد لا يستطيع ان يتخلص من أوهامها طول حياته . . واعرف الكثيرين من الرجال يخافون الليل . . يخافون الظلام . . واعرف الكثيرين ممن لا ينامون الا على ضوء مشتعل مهما كان خافتا . .

ومما يسبب هذا الذعر والهلع الذي ينشأ مع الطفل تلك الحكايات الرهيبة التى تسلى بها الجدات والمربيات

الجاهلات اطفالهن . . تلك الحكايات الخرافية والقصص الخيالية التى تضيق نطاق العقل وتجعله يلف في دائرة محصورة يصعب على العقل ان يتخلص منها فى سنين واجيال . . ورغم أني لم اكن اصدق كل او جل ما كان يقال في اذني من قصص في سن الحداثة الا انني كثيرا ما كنت اتوهم أشباحا تلاحقني في حندس الليل ، أو عندما أهدأ إلى مضجعي وحيدا وقت النوم ، ولكن شيئا واحدا كان يسعفني في التغلب على المشاكل التى تلازم الطفولة وهو " النسيان " فقد بليت بذاكرة تستطيع ان تفخر بضرب اكبر رقم قياسي في النسيان . . وهذا وان كان

ضعفا وعجزا وعيبا فى بعض الحالات . . وان كان يوقع المرء في مازق حرجة وورطات معقدة . . الا ان له ميزة كبرى . . هو التحلل من الاوهام . . وميزة اكبر هو نسيان حتى اساءة الناس لك . . ونسيان ما تصنع من جميل فلا تدلل به او تباهى فتذهب قيمة الجميل .

وكنت اعجب كيف يحفظ هؤلاء " العجائز " تلك القصص الطويلة التى يتخذن منها وسيلة لانامة الاطفال فقد كنت اعجب حقا من ذلك . . وقد كنت أحاول أن احفظ أحد تلك القصص في ذاكرتي . . فكنت أرى ان النسيان يقهر هذه الرغبة . . ولذلك كنت أعمد الى كتابة ما اريد أن اتذكره اذا اسعفتنى الذاكرة بان اكتب ما اريد وكنت اعجب كيف يسرد اصدقاء لى تلك القصص الفكاهية التى تضحك

الثكلى . . واحاول ان اقلدهم ، وعند النقطة الفاصلة في القصة . . عند النقطة المضحكة في القصة انسى الجملة المثيرة فيضيع على الموقف ويحمر وجهي خجلا واحاول التملص من الموقف بشئ جديد من عندى ، فأتغلب على الاحراج بصعوبة شاقة . . واود من صميم قلبي لو يتيح لي الله الذلاقة واللباقة التى يؤتاها كثير من اللبقين الفكهين المتحدثين القصاصين . . ولم يكن من السهل تحقيق هذه الرغبة فاخترت أن اكون قصاصا على الورق ! . .

ونظرت حولى فوجدتني اسبح في عالم لا نهاية له . . فكل حديث يصلح لان يكون محور قصة . . وكل نامة أو نغمة أو صوت حزين . . او محادثة عنيفة او مشادة حامية . . أو ضجعة او الم . . وفي كل عائلة فى كل يوم

قصة بل قصص . . وبين العامل والفلاح . . وفي دور القضاء وعند كل امرأة ورجل سر بل اسرار . . وفى دور السينما والمقاهى ، وبين التلاميذ وعند كل فتاة او زوجة او شيخ قصة بل قصص . . وفى القصور ودروب الكروم والخيام والعشش قصة بل قصص . . وفي الجو والبحر والبر : قصة بل قصص كل يوم .

والقصة تأتي ببال الكاتب كاحاطر اللماح . . فاذا التقطهما فى اللحظة نفسها صال فيها وجال واستطاع الخيال ان يضرب بسهم وافر فى انحائها وارجائها . . حتى تتكون لديه جميع العناصر لأخراج قصة حية . . واحيانا كثيرة لا يكون لدى الكاتب الوقت الكافي لان يجلس وراء منضدته الساعات الطوال فيجزىء القصة الى اجزاء منقطعة يقتضى ربطها بعض مهارة ووقت . . ولا شك ان الزمن عامل هام يؤثر تأثيرا كبيرا فى مجرى حياة الكاتب ، فالكاتب البائس هو الأكثر انتاجا . . وأما الكاتب الذي يسعى لتحسين احواله المعيشية فانه

يقضى زمنا ليس بالقصير يبحث وراء الرزق ولقمة العيش لتيسيرها له ولاولاده أو لمن يعول . . فمنهم من يتخذ هذا الصراع مادة له . . يحوله بما فيه من قسوة ومرارة إلى درس وتفكهة . . ومنهم من يغرق فى هذه الحياة التى يحياها الى آذانه فلا يكون لديه المجال ليسلى الناس بقصصه . .

ومن القصاص من يكون له هدف يسعى وراءه . . فهو اما ان يطرق باب مثاليات . . يلف حولها ويدور فى قصصه الى أن يصل فى النهاية إلى هدفه . . أو ان يصور الحقائق العارية

بكل ما فيها من فضائح ومخاز . أو بالعكس . . واعتقد انه من الثابت حقا ان الأكثر رواجا فى عالمنا هذا هو الذي يغرق فى وصف الفتنة والشهوة واثارة الغرائز . . وقد يكون هذا على نوعين . . فمنهم الرخيص التافهه . . ومنهم العاتي الشامخ الذي يعالج أعوص المشاكل بمهارة ولباقة تخلب الالباب . .

على اننى لا اشك قط فى ان القصاص الناجح هو الذى يعيش فى قصصه . . يعيش فى جو ابطاله الذين " يخلقهم " ويكونهم ويجرى فيهم الحياة وربما الخلود ، كما ان القصاص الذي يستطيع ان يخلق التجاوب بين ابطاله وقرائه يعتبر ناجحا أيضا . . وقد يبلغ الكاتب شأوا بعيدا في هذا المجال حين يندمج بشعوره وما يكتب وقد يكون من احسن ما يقرأ المرء من قصص ، تلك القصص التى تجرى بالفعل مع الكاتب . . من مغامرات وطرف ومفارقات . . وحوادث شاذة مثيرة . .

والمفاجأة عنصر هام في القصة . . ذلك أن على القاص ان يحتال على القارئ ليكسب تتبعه لقصته حتى آخرها . . والسير معه حتى نهاية الشوط . . فمشاكل الحياة وشواغلها اصبحت كثيرة . . بحيث غدت لا تترك كبير وقت للانسان العادي ليقضية فى القراءة مع الاسف . . ولذلك تبوأت السينما في عالم اليوم مركزا رفيعا . . ذلك انك في البلاد الأخرى تستطيع بريال او اثنين ان ( تشاهد ) وتعيش فى قصة يقتضيك مطالعتها وقراءتها ساعات وساعات . ومعظم الخوالد في تاريخ القصص

كانت تلك التى تزخر بالمفاجآت غير الطبيعية وغير المتوقعة للذهن العادى

ومن القصاص من يعالج مشاكل المجتمع بشكل هين برئ . . ومنهم من يعالجها بشكل قاس عنيف . . والقراء بين هذا وذاك فريقان . . منهم من يعجب بالسهولة والرفق . . ومنهم من يعجب بالقسوة والعنف . . ذلك لان طبيعة الناس تختلف واذواقهم ومشاربهم تفترق ولا تتفق . . ولكل قاص طريقته الخاصة في العلاج . . ومنهم من لايبالي بان يعالج بل يشخص المرض . . يعرض الحالات الطبعية الحاصلة ولا يبالي بوضع علاج لها . . بل يترك القارئ فى تفكير وربما فى بلبلة . . فيستثير نقمة القارىء او لعنته او رثاءه وشفقته . . وعلى كل

حال فالقاص الناجح هو الذي يترك اثرا ما في نفس القارىء . . وأما القصة التى تقرأ فتنسى فهى متداعية وزائلة . . وقد تكون قصة واحدة سببا في رفع شأن قاص وتمجيده وربما خلوده . . وقد تكون الف قصة سببا فى تفاهة قاص وعدم نباهة ذكره . . ومع هذا وذاك فان كثرة الانتاج والاصرار على النجاح لابد أن يصل بالمرء في النتيجة الى غاية قد لا يكون من السهل ادراكها . . ومما لا شك فيه ايضا ان المرأة عنصر هام وهام جدا فى تكوين القصة . . لانها وراء كل شهرة ومجد ، ورفعة وعظمة وحفز وسيطرة ونفوذ . . وكذلك هي وراء كل هبوط وحطة وذل وعيب ومهانة . . فهي تلعب دورا كبيرا فى حياة الرجل وفي قصة الانسانية منذ كانت مع جدنا آدم عليه السلام في الفردوس المفقود .

اشترك في نشرتنا البريدية