" من المناقشة ينبثق النور " ارسطو
نشطت حركة النقد الادبي في أواخر القرن الاول الهجرى على أيدى الجمهور من اللغويين والرواة الذين اهتموا بجمع التراث الفصيح لشعراء الجاهلية وصدر الاسلام ليستخلصوا منه قاعدة أو ليستشهدوا به على قضية أو ليوازنوا فيه بين قول وآخر .
وكان هذا بمثابة تقويم لذلك التراث واختيار لما يجمع مقاييس الجودة والجمال منه ، فوضع ذلك التراث الادبي تحت مجهر النقد اللغوى والادبى ، وأدى ذلك إلى ازدهار حركة التذوق والموازنة والاختيار بين جماهير الرواة وأهل اللغة .
وكانت هذه الحركة الادبية النشطة هي الاساس الذى اعتمد عليه الجاحظ الذى عاش في مطلع العصر العباسي أكثر من قرن من الزمان " ١٥٠-٢٥٥ ه " فلم
يكن أمامه كتاب مؤلف فى معايير الشعر أو مقاييس نقد الادب على وجه الاجمال ، وكل ما كان أمامه حشد من الأشعار والأخبار وذوق عام يستند اليه أهل الادب في أحكامهم وأقوالهم ، وكانت أداته في تقرير حقائق النقد أو تناول قضاياه : ملكته الادبية الاصيلة ونظره النفاذ الى اللفظ والمعنى ، مما جعله رائدا في مجال النقد الادبي يمثل نشأته ويعبر عن أعماقه ، رغم قلة القضايا النقدية التى تناولها في كتبه وخاصة كتاب
( الشاعرية ) . . كانوا ثلاثة شعراء انصاريين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم : حسان وابن رواحة وكعب هذا . ولم يسبق ان وقف المؤلف على دراسة خاصة بحياة كعب الصحابي الشاعر فى كتاب مستقل . . فهذا كتابه عنه مستقل ، والمؤلف معجب ، وله الحق ، بالصياغة التى صاغ بها كعب قصة التخلف فى غزوة تبوك . ولكعب ابيات سائرات . وسماه ابن كثير (شاعر الاسلام) ، وكانت أم المؤمنين عائشة (رض) تحفظ شعره وترويه . وكان الرسول (ص) معجبا بشعره .
وقد اضطلع الشعراء الثلاثة : حسان بن ثابت وابن رواحة وكعب بن مالك ، بمهمة الدفاع الاعلامى الحق عن الاسلام وأهله فقاوموا هجاء المشركين للمسلمين . .
وزاول كعب الوانا من الشعر . . الفخر والوصف والمديح والهجاء وشعر العاطفة .
ولنقائضه وصف خاص في الكتاب . له نقيضه يرد بها على ضرار المحاربي في غزوة بدر . . يقول فيها :
بهن ابدنا جمعهم فتبددوا
وكان يلاقي الحين من هو فاجر
فكب ابو جهل صريعا لوجهه
وعتبة قد غادرنه وهو عاثر
وشيبة والتيمى ، غادرن في الوغي
وما منهم الا بذى العرش كافر
والضمير فى ( بهن ) يعود الى السيوف ( البيض الخفاف ) فى البيت قبله . وقد حلل المؤلف هذه القصيدة تحليلا موفقا .
ورابع الفصول ، في ( نماذج من شعره ) : " نصل السيوف " :
نصل السيوف اذا قصرن بخطونا
قدما ، ونلحقها اذا لم تلحق
وقصيدته " طرقت همومك " التى قالها في رثاء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه :
طرقت همومك فالرقاد مسهد
وجزعت ان سلخ الشباب الاغيد
الى أن يقول :
ولقد هددت بفقد حمزة هدة
ظلت بنات الجوف منها ترعد
ولو انه فجعت حراء بمثله
لرأيت راسى صخرها يتبدد
و ( راسى ) كما حققه المؤلف بمعنى ( ثابت ) وليست الصيغة مثنى ( رأس ) اذ لو كانت لتعين ان يقول : يتبددان " . . هذا بالاضافة الى أن ( حراء ) في منظره العام ليس له رأسان وانما له رأس واحد مشمخر يشبه قمة الخيمة .
ومضى المؤلف يحلل ويذكر روائع قصائده . . ومنها ( مديحيته ) للنبى المصطفى صلى الله عليه وسلم التى يقول فيها :
نبى له فى قومه ارث عزة
وأعراق صدق هذبتها أرومها
وختام الكتاب : ( الفصل الخامس . . نثره ) . . أورد فيه المؤلف قصة تخلف كعب عن غزوة تبوك . . التى كان أحد اصحابها والتى رواها كعب ببيانه السلس الصادق المؤثر . . روى المؤلف القصة عن " صحيح البخارى " . وبعد ذلك تأتى مراجع الكتاب ومصادره .
والكتاب يقع مع بيان مصادره فى ١٢٨ صفحة من القطع الصغير . . وطبع على ورق نظيف وصمم عنوانه الخطاط السعودي الفنان : " حمد كليب الحارثى " . .
وهنا ملاحظة لى تتمثل فى ان هذا الكتاب كما يبدو لى ، هو أضخم كتاب صدر من هذه السلسلة فهو بحاجة الى فهرست لموضوعاته . . ونرجو أن يتخذ صديقنا المؤلف هذا نهجا لما سيأتى من حلقات هذه السلسلة القيمة . . ان شاء الله .

