الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

مَعَ الكتب, الْجَزِيَرةُ الْعَرَبَيّةُ وَالماءُ، وَكتَابُ تاريخِ الْعَيْنِ الْعَزِيزِيّةِ بجُدّة ))

Share

اهمية الماء للحياة

ما من شك ان الماء مرفق حيوى له اقصى الاهمية فى كل قطر وفى كل بلد من اقطار الدنيا فالماء هو الحياة ولا حياة بلاماء غير ان شدة الاهتمام بالماء وينابيعه تختلف اختلافا كبيرا بين قطر وقطر وبلاد وبلاد فالبلاد التى حباها الله الانهار تجرى والامطار تتوالى يقل الاهتمام فيها بالماء وينابيعه عن تلك البلاد التى شحت موارد المياه فيها وأمسكته عنه السماء ، ونحن نعيش على أرض شحت الموارد الطبعية للمياه فيها وكان هذا الشح يهدد السكان والحياة فيها عمرانيا واقتصاديا وتجاريا ، لذلك كان من الواجب المحتم على كل فرد مثقف من ابناء هذا البلد أن يعرف كل شئ عن موارد المياه فى بلاده وعن الجهود التى تبذل فى احياء هذه الموارد وتعزيزها ولتكون له هو يد وجهد فى البحث والتوجيه توجيه انظار المسؤولين عن هذا المرفق ليكونوا على يقظة دائمة للعناية والاعتمام والمحافظة على هذه الثروة الغالية ، واذ يقوم الاستاذ عبد القدوس

الانصارى بهذا البحث القيم فى مؤلفه الجديد ( تاريخ العين العزيزية بجدة ) فانه يوجه عناية كل كاتب وقارئ فى هذا البلد الى واجبه نحو الاهتمام بهذا المرفق الهام فى بلادنا ثم هو يكشف عن الجهود التى بذلت وتبذل والعناية الكبيرة التى وجهها المرحوم الملك عبد العزيز وشبله الفيصل اطال الله بقاءه فى جلب الماء الى جدة من موارد قصية لم تكن لتدرك لولا الهمة القعساء ، والبذل السخى والحرص الشديد على دوام تعزيز مجاريه وصيانتها فاصبحت جدة بعد وصول الماء اليها ذات مكانة وامجاد وبعد ان كانت محصورة ضمن نطاق سور ضيق تكاد تكون مدفونة بين جدرانه .

أثر الماء فى الجزيرة غزارة ونزارة

ان الجزيرة العربية وان كانت كما يقول المؤرخون قبل آلاف السنين أرضا خصبة تجرى فيها الانهار وترتفع فى واحاتها الاشجار الباسقة وتمتد فى ساحاتها الجنان المزدهرة والرياض الخضراء والقرى النضرة الا ان الجزيرة عاشت بعد ذلك قرونا طويلة ترزح تحت عبء الجفاف وانقطاع الامطار وقساوة الصحراء فقد كفر سكان الجزيرة النعمة كما جاء فى اشارة فى القرآن الكريم وقالوا فى غرور من البطر وكفران النعم : ربنا باعد بين أسفارنا فقد كانت قراهم متصلة العمران خصبة الاودية والجبال وكان جزاء الكفران أن تحولت الارض فى محورها وتقلص غشاؤها وتغيرت تبعا لذلك أجواؤها فجف ما كان خصبا فى الجزيرة واخصب ما كان جافا فى غيرها وتحولت الجزيرة العربية الى بلاد صحراوية قاحلة أمسكت عنها الامطار

وقست عليها الطبيعة وعاش سكانها أجيالا وأجيالا يتنقلون من جهة الى جهة طلبا للماء والكلأ لم تنتعش فيها حياة ، ولم تنم فيها حضارة والحياة انما تنتعش والحضارة انما تنمو فى ظلال الخمائل ومجارى الانهار وقد حرمت الجزيرة منهما كل الحرمان فالمدن كانت أشبه بالقرى مبعثرة هنا وهناك والبدوى كان يعيش عيشة كد دائم لا هناء ولا استقرار ، وكانت الحضارات تنتشر حول الجزيرة وعلى أطرافها وحددها تنشأ دول وتزدهر ثم تضمنحل وتندثر والجزيرة هى هى فى كدها وعنائها وغفلتها فعلى ضفاف دجلة والفرات نشأت دولة البابليين والاشوريين وازدهرت حضارتها ، ودولة الفرس وحضارتها وفى الغرب دولة الفراعنة وحضارتها وفى الشمال على ساحل البحر الابيض المتوسط دولة الفينقيين وحضارتها وأمبراطورية الرومان وحضارتها مرت العصور وازدهرت حضارات وقامت دول واضمحلت أخرى وموطن الجزيرة ما زال يسير فى خطه فى الحلقة المفرغة . دوران دائم خلف الكلأ و الماء لا يدرى ساكن الجزيرة شيئا عما يجرى على حدوده الا ما كان ينقله اليه تجار القوافل الذين كانوا يمررون بتجارتهم من الهند الى الشام .

قلة الماء من الاسباب دون غزو الجزيرة

ورغم العراك الدائر على حدود الجزيرة بين الفاتحين والزعماء لم يفكر احد منهم فى غزو الجزيرة واقتحام حدودها والتوغل فى أراضيها ، وأى شئ يغرى المستعمرين والغزاة ، الى اقتحام أراض لا ماء فيها ولا كلأ ولا ثراء ولا مطمع وهذا هو السر الذى جعل الجزيرة تعيش مطمئنة فى عزلتها ، وفى

تاريخ ما قبل المسيح عهد امبراطور الرومان الاول اغسطس الى عامله حاكم مصر يغزو الجزيرة واكتشاف خبايا أرضها ففعل فلم يجد غير الصحارى القاحلة وغير الجهد والعناء ومات الكثير من جنوده فيافيها من العطش فكر راجعا ولم يفكر بعد ذلك أحد من الطامعين والغزاة ان يعيد الكرة .

الاسلام يحيى موات الجزيرة

وجاء الاسلام وبقوته السماوية خرج عرب الجزيرة من عزلتهم وفتحوا الثغور ونشروا الاسلام وانتشروا وسادت حضارة الاسلام فى كل مكان تقريبا .

ومع ذلك ومع انتشار الاسلام واتساع رقعته فان حاجة الجزيرة الطبعية الى الماء ما زالت حجر العثرة فى تقدمها وازدهارها ولعل انتقال مقر الخلافة الى الشام من أهم أسبابه حاجة جزيرتنا إلى الماء وبدائية العلم فى استكناه ينابيعه ومجاريه فان حضارة الاسلام بعد انتشاره كان لا بد لها من المجال الوسيع لتنمو وتزدهر وكما سبق ان قلت فان الحضارة انما تنمو وتزدهر تحت الظلال وبين الخمائل ومجارى المياه وينابيع الأنهار ولم تكن حاجة الجزيرة الى الماء لتخفى على عظماء الجزيرة ودعاتها وأهل الرأى فيها فقد حث الرسول عليه السلام فى أحاديثه على احتفار العيون والاهتمام بها وكذلك فعل الصحابة والاتباع والملوك والحكام والتجار والاعيان .

أهمية كتاب العين العزيزية بجدة

ومن هنا نجد أهمية هذا البحث القيم الذى قدمه الاستاذ عبد القدوس فى كتابه

( تاريخ العين العزيزية بجدة ) وليس هذا السفر الثمين تاريخا خاصا بالعين العزيزية بجدة بل هو بحث تاريخى عام لحاجة الجزيرة إلى الماء واهتمام الملوك والعظماء والحكام والتجار به فى كل عصر وزمان ، اذ عليه يتوقف ازدهار الجزيرة ونمو حضارتها وتقدم اقتصادها وعمرانها .

والاستاذ عبدالقدوس عالم بحاثة واسع الاطلاع دقيق الملاحظة يتتبع الحوادث ويربط أحداثها بعد فحص وتمحيص فتخرج سلسلة متصلة الحلقات لا تكاد تجد بينها ثغرة تنفذ منها وهو متخصص فيما كتب من الكتب التاريخية لأنه قد كرس حياته وجهده للتاريخ وانت لا تكاد تنتهى من قراءة هذا الكتاب حتى تجد نفسك قد تشبعت وألمت كل الالمام بتاريخ المياه فى بلادك وتجد فوق ذلك أن من الواجب المحتم عليك ان تسهم مع كل مواطن في تعزيز مرافق المياه فى بلادك وتشترك اشتراكا فعليا فى ذلك .

الصيانة : سر خلود العين العزيزية بجدة

وقد علل الاستاذ عبد القدوس فى بحثه وتدقيقه اسباب اندثار عين الغورى والعين الوزيرية وانتعاش العين العزيزية وازدهارها رغم استمرار العمران فى جدة وتضاعف سكانها أضعافا مضاعفة فأنا أكاد أجزم بأن عمارة واحدة من عمارات البنك الاهلى الكبيرة قد تصرف من الماء فى هذه الايام ما يعادل ما كانت تصرفه جدة بكاملها ذات السور المحيط بها قبل التطور ويعود ازدهار العين العزيزية وثبوت مواردها للماحية مؤسس هذه البلاد المغفور له الملك عبد العزيز فقد هيألها قبل وصولها الى جدة ما يضمن ثباتها و استمرارها

فان صيانة أى مشروع وضمان استمراره فى رأى ذى النظر الثاقب أهم من اقامة المشروع نفسه وهذا ما فعله المغفور له الملك عبد العزيز فقد دعم رحمه الله مشروعه بما يضمن استمراره وثباته فمنح ادارة العين كل الاراضى الواقعة على جانبى مجرى العين على طول امتداده وعزز الملك فيصل هذا المركز بمنح ادارة العين مدينة حجاج الجو . وسكان جدة اليوم قد يصلون الى نصف مليون نسمة ، والمنتظر مضاعفة العدد وازدياد السكان والحدائق ، ولا خوف على العزيزية من ذلك فان الدعم المالى الذى اختصت به هو الآخر سيزيد ويتضاعف ليساير كل تقدم وكل توسع .

الماء ومستقبل المملكة

وبعد ، فان اهتمام الحكومة السعودية بموارد المياه فى الجزيرة أمر له شأنه فى مستقبل المملكة وتقدمها وازدهارها وحضارتها فان المال والعلم متى توافرا صنعا العجائب ، والمال والحمد لله متوافر والعلم قد غزا الفضاء وأخرج الخبايا من مكامنها وبطريق العلم قد أخصبت أراض كانت قاحلة ، واصبحت بلاد ذات حضارة وعلم وصناعة ، ولا نستبعد اذا استمر اهتمام الحكومة بهذا المرفق ان نسير بين جدة ومكة ، وجدة والمدينة ، بين رياض وجنات وتلك

هى الامنية التى نرجو أن تتحقق وتسعد بها نفس كل عربى وكل مسلم .

يجب أن لا تخلو منه اية مكتبة عربية

وبعد فان كتاب تاريخ العين العزيزية بجدة كتاب قيم ثمين يجب ان لا تخلو منه أى مكتبة عربية وهو الى جانب كونه بحثا تاريخيا قيما عن المياه فى الجزيرة يضم بين دفتيه علما وأدبا .

وقد عنى الاستاذ عبد القدوس بالقاء الضوء على الرجال العاملين الذين بفضلهم واخلاصهم وصلت نتائج العين الباهرة الى ما هى عليه الآن ، وأثنى على رئيسها العام المرحوم الشيخ عثمان باعثمان الذى ناضل وجاهدقاوم الكبير والصغير ليثبت حقوق العين وليدعم مركزها المادى وتوفى فى ساحة الجهاد وهو قائم بدعم مركز هذا المرفق الحيوى الهام ..

وثناء أضيفه أنا لخلفه السيدحسين الصافى الذى يسير على خطوات عمه فى الاخلاص والجهاد .

وعلي ، أن أشكر الاستاذ المؤلف بالنسخة المهداة الي والتى خرجت من مطالعتها بهذا البحث الذى أرجو أن يكون فيه بعض الفائدة وبعض المشاركة فى تكريم المؤسس رحمه الله وكل من شارك فى هذه الخدمة الوطنية العامة .

جدة

اشترك في نشرتنا البريدية