1 - كيف يمكن الوصول الى هذا الهدف ؟
إن الذى يعطى بعدا تشابكيا لقضية التكامل الاقتصادى العربى هو نوعية الأطروحات والمواقف التقييمية المتواجدة على الساحة العربية والتى تختلف ما بين اعتبار التكامل الاقتصادى شرطا لزوميا لقيام الوحدة ومدخلا حتميا لها ، وبين اعتباره مرحلة لاحقة تأخذ مجراها الطبيعى بمجرد وضع التأطير القانونى والصياغة الدستورية لمشروع الوحدة .
وهذا الخلاف الستراتيجى نتاج لطبيعة التحليل والنظرة التصورية التى سادت الوطن العربى طوال عشرات السنين وأثرت على ديمومه المشاريع والتجارب الوحدوية .
وأهمية هذا الموضوع تكمن أساسا فى تحديد الأرضية المادية والبناء التحتى والارتكاز الصحيح لكل تخطيط مستقبلى هدفه فك إرتباط الوطن العربى بالغرب اعتمادا على القدرات الذاتية فى عملية الصراع الحضارى وانطلاقا من مراعاة الخصوصيات Specificites الاجتماعية والانقاجية لكل قطر عربى ،، ومن ثم فان التكامل الاقتصادى مسح شمولى لخامات وإنتاجات الوطن العربى وتقييم علمى لنوعية الاحتياجات التى تفرزها السوق العربية ، ولذلك لم يخطئ الاقتصاديون حين اعتبروا التكامل ضربا من التحرر والخروج من بوتقة التبعية والاحتواء التى تمثل خطرا على الانبعاث الحضارى العربى وتعرقل مسيرة تنامى القوة الذاتية .
فالى وقت قريب كانت الحملات التضليلية التشكيكية تربط تطور العرب ربطا ميكانيكيا بالاخذ بأسباب التكنولوجيا الاوربية وتوريد الصناعة الغربية
باعتبارها الصيغة الأمثل والحل الوحيد لمشاكل التخلف والتأخر القائمة الآن ، متناسين دور الانسان العربى فى تغيير الواقع لصالحه ، فالتكامل الاقتصادى علاوة على أنه حل لظاهرة التجزئة والتشتت الكيانى عن طريق تجميع الطاقات والامكانيات العربية فى عملية بناء تتبع من المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة ،، فهو كذلك إيمان بالذات ووعى بقدراتها فى مقابل الحرب النفسية التى يشنها لا فقط الأعداء الظاهرون ، بل وحتى الابناء الشرعيون ممن تشبعوا بالثقافة الغربية ، فأصبحوا دعاة تهجين للانساق العربى وتمييع لقضاياه المصيرية مثل الوحدة .
إن ربط قضية التنمية فى الوطن العربى بجلب الصناعة من الخارج هو إنزال خاطئ تضليلى لها ، وتنكر لما تمليه مقتضيات ومتطلبات المجتمعات الغربية مما يؤدى الى اتاحة الفرصة للقوى الامبريالية العالمية للتحكم في العملية الانتاجية عن طريق زجها فى التقسيم العالمى للعمل والاحتكارات الدولية .
ولعل ما تتحدث عنه أجهزة الاعلام الغربى من أهمية الحوار بين الشمال والجنوب dialogue nord sud وإنعكاسه على تنمية - دول العالم الثالث - أكبر على المحاولات العديدة لاضفاء صبغة الشرعية والعقلنة rationalite على الهيمنة الاقتصادية ، وتبريرها تحت شعار مبادلة الخامات والثروات الطبيعية بالتكنولوجيا الغربية .
فالتكامل الاقتصادى العربى باعتباره الرد الفعلى على التغريب والاحتواء لا يخلو من مهمات ثلاث :
I - ربط الاحتياجات العربية لا بالعالم الخارجى ، بل بالقدرات العربية الذاتية .
2 - الرد على محاولات التشكيك والحرب النفسية .
5 - تهيئة البناء المادى لقيام دولة الوحدة .
والحرب النفسية التى تشنها الدول الغربية ضد الدول النامية ممثلة فى التشويه والتعرية لواقعها ، وتبيان مدى فظاعة الفروق الحضارية بينها ، ليست ناتجة عن شفقة الاولى على الاخيرة ، بقدر ما هى إحكام لأصول الحصار الاقتصادى ، وتوسيع لرقعة الاستهلاك السلعى . إنها عملية كسب أسواق جديدة وتهميش marginalisation للمحاولات التنموية فى الوطن العربى من خلال فرض أنماط وممارسات مغتربة Aliene لا تمليها طبيعة مجتمعاتنا .
وقد كانت الدول الاستعمارية من قبل الامبريالية عملت على غرس العراقيل والحواجز أمام إلتئام أجزاء الجسم الواحد : الوطن العربى . ولعل غياب ستراتيجية وحدوية لعملية التكامل سهل بروز الاطروحات التغريبية occidentalistes التى لا يكون فيها النفع سوى آحادى الجانب . ورغم إقرارنا الكامل بوجود تفاوت بين دول أكملت مراحل متقدمة فى التصنع والترأسمل ،، ودول لا تزال فيها العلاقات إقطاعية أو شبه إقطاعية ، ولكن ذلك لا يبرر ربط مصيرنا بالغرب ، وبحكم سيطرة الفئات التكنوقراطية على الحكم وتسيير الامور فان عملية التصنع على الطريقة الغربية تبدو الحلم الوحيد الذى يتراءى فى الأفق حلا للمشاكل التى يعانيها الوطن العربى ، فالاولوية عندهم للجانب التقنى Technique الاستيراد على كل الجوانب الاخرى نفسية وحضارية وتاريخية ، ومنها كان وصفنا سابقا لهذا التقييم بأنه ميكانيكى ، تنتفى منه طموحات الانسان العربى وارادته ، لانه لا يتأتى لاى عاقل سلخ مشكلة خطيرة مثل التكامل الاقتصادى العربى عن الحركة التثويرية والتغييرية للعقلية والانسان العربى فى نطاق طرح أكثر شمولية وهو الثورة الاقتصادية والاجتماعية .
فاذا ما كانت الصيغة العلمية للتكامل الاقتصادى العربى تقتضى انعتاقا من شبكة الاحتكارات الدولية من جهة وارساء لدعائم المجتمع المتحرر من كل أفانين وأشكال التبعية ( إقتصادية وإجتماعية ) وإفراز الانماط الحياتية البديلة ، فاننا لا نملك سوى تسميتها منطقا واصطلاحا حركة تحرر وطنى بكل ما فى الكلمة من تسيس Politisation وإيحاء إلتزامى . وهذا التصور ينقلنا مباشرة الى مستويين من مستويات عملية التحرر :
الاول : تصعيد العلاقات مع الغرب من مجرد حوار ونقاش حول التبادل البضائعى ونقل التقنية Technique الى نضال من أجل الحفاظ على المصالح ورفض إستلاب الخيرات مما يدعونا الى إعادة النظر فى المعاملات الدولية وفرض البديل المعادل لها .
الثانى : خروج المجتمعات العربية من مرحلة الاسواق الاستهلاكية التى نحكمها الفئات الطفيلية المرتبطة رأسا بمصالح الغرب عن طريق الثروات المحلية واليد العاملة الرخيصة فالتحرر يكون داخليا وخارجيا والا فلا ...
إن أبرز مثال يمكن أن يقدم على حتمية التحرر من التبعية فى كل عملية بناء اقتصادى متواز ومتناسق hemorieux مثال البرازيل الذى لعب ارتباطه بالسوق الاحتكارية دورا فى تنافر أعضاء الجسم الواحد ، وبروز التشويه
والاختلال الاجتماعيين من خلال إنحسار التنمية وعدم تعميمها والتوزيع العادل لفوائدها . وهكذا لغم مجتمع كامل بالتفاوت الطبقى لمجرد تخطيط تكنوقراطى فاشل ، ولذلك لا بد من مقاومة التنظيمات والمفاهيم الخاطئة والمد الايديولوجى التغريبى المروج للثقافة الهجينة والمعرقل لحركة التحرر الاقتصادى والبناء الذاتى .
والغرب حين أدرك من أين تؤكل الكتف عمد الى حملات التشكيك فى كل ما هو عربى وذاتى ومحاربته سحقا لكل البوادر التحرية من ناحية وترسيخا لقواعد الحرب النفسية التى تقوم على المغالطة والتضليل من ناحية أخرى . II - الدعامات الحقيقية لمشروع التكامل :
وفى ظل غياب ستراتيجية قومية للتنمية ، فان الدول العربية معالجة منها لمشكلة التخلف الاقتصادى تعتمد على التخطيط المرحلى البسيط انطلاقا من إمكانات قطرية ضئيلة ،، الشئ الذى ينعكس على دخل الانسان العربى ، فيظل دائما يتصف بالضعف ، مما يعرقل التخطيط الستراتيجى الشمولى ، وحدوث تغيير جذرى فى الطاقة الانتاجية ، ويحكم على عملية تنمية الانسان والاقتصاد بالشلل لان ضخامة التحديات لا تقابلها من جهة أخرى قدرة قوية ولعل أكبر انعكاس لغياب الستراتيجية انخفاض متوسط الدخل الفردى العربى مقارنة مع مجمل الثروات العربية .
جدول الدخول العربية الفردية (I)
الدولة العراق سورية الأردن الكويت السعودية السودان تونس
السنة 1973 1971 1970 1971 1970 1970 1971
الدخل الفردى بالدولار 599 295 521 3703 440 109 282
(( ولذلك فان متوسط الدخل الفردى العربى سيظل أقل من متوسط الدخل الفردى المتحقق على مستوى العالم عام 1969 والذى سيصل الى نحو 864 )) (2) .
ولا يمكن الحروج من هذه الوضعية وتطوير الاقتصاديات العربية سوى بتكثيف المجهودات والافادة القومية الوحدوية من الخامات العربية ووضع ستراتيجية تنموية توفيرا لكل الاحتياجات العربية وضمانا لمستقبل أفضل . ففى الوقت الذى تشكو فيه دول عربية من عجز هياكلها الاقتصادية عن مجابهة طموحات التنمية فى بناء قاعدة صناعية وفلاحية متينة لنقص الاستثمارات ورؤوس الاموال الكافية ، فان دولا أخرى بحكم إرتفاع أسعار النقط فى السنوات الاخيرة ومشاركتها الفعلية فى استغلال ثرواتها عن طريق التأميم ( العراق - ليبيا ) او الاسهم ( الكويت السعودية ) قد وصلت ايراداتها عام 1970 : 4،7 بليون دولار (3) وتشير الدراسات الى أن هذا الدخل سيتضاعف بين سنوات 1976-1985 الى خمسمائة بليون دولار (4) إن فوائض إيرادات وعوائد النفـ المتدفقة على أكثر من خمسة بلدان عربية لم تستثمر فى الوجوه الصحيحة من البناء الداخلى وقطع الطريق على المستثمرين للأسواق العربية عن طريق توفير الحاجيات اذ لا نزال نشهد تناقضا صارخا بين دول عنية بثرواتها ، والدخل الفردى لمواطنيها ، وأخرى تعانى اختناقا اقتصاديا وقصورا فى الموارد ، وانغلاقا للاسواق المحلية والخارجية ( تونس : غلق الاسواق الاوربية فى وجه المنتوج النسيجى والفلاحى ) .
ولسائل أن يسأل عن الطرق التثميرية والانتفاعية لهذه العوائد الضخمة فى الوقت الذى تتزايد فيه تداينات بعض الاقطار العربية بصورة تبعث على الاندهاش والبأس من كل المشاريع السرابية التى نسمع بها : قرار إنشاء مجلس الوحدة الاقتصادية العربية فى جوان 1957 ، السوق العربية المشتركة فى أكتوبر 1964 ، واتحاد الجمهوريات العربية سنة 1970 (5) الى آخر القائمة الطويلة من الوعود التى تموت بمجرد اجتيازها لكواليس السياسة ، وهذا
السؤال لا يحتاج الى عناء الاجهاد الفكرى والبحث الطويل عندما ترتفع هنا وهناك فى أمكنة كثيرة من أوروبا تهديدات جادة بتجميد الارصدة العربية ومنعها عن أصحابها حتى قال الكاتب الفرنسى روجى Jean Paul Roger إنها ) الأرصدة ( أصبحت السلاح الحقيقى الذى يهدد العرب أكثر مما يهدد بترولهم العالم الغربى .
وهكذا تنقلب الآية ، ليفلت من العرب ما كان يمثل أقوى سلاح فى وجه أعدائهم .
واذا ما قارنا عوائد النفط من جهة واحتياجات الدول العربية لرأس المال لتمويل برامجها الانمائية من جهة كما يقدرها البنك الدولى للاعمار والانماء بنحو 23 بليون دولار خلال الفترة 1968 (6) فان فظاعة الفروق تتضح وتتجلى كاشفة غياب البعد التكاملى فى المعاملات العربية وافتقارها للتحليل العلمى .
وكحاصل لعدم استثمار عوائد النفط فى مشاريع تنموية نافعة ، إنعكس على قطاعا الزراعة ، ويكفى أن نذكر أن الوطن العربى يشكو استغلالا سيئا لموارده الارضية وانعدام الاستعمال للوسائل الفنية حيث لا يستغل من كل الاراضى القابلة للزرع سوى 6 و 10 % فقط وحتى المساحة المستغلة والتى تقدر بـ 54 مليون هكتار يترك منها بورا نسبة 21-70 % لاسباب مختلفة .
III - الظروف المساعدة على التكامل :
بعد أن شهد الوطن العربى اليوم مدا تحرريا عارما زحزح بمقتضاه الاستعمار وأعوانه يجدر به اليوم وأكثر من أى وقت مضى العمل على دعم استقلاله الاقتصادى .
فما هى الشروط الموضوعية المهيئة لذلك ؟
I - وجود سوق عربية كبيرة قادرة على استهلاك وتذويب كل الانتاجات والسلع رغم وفرتها وتنوعها الامر الذى يعجل بتنامى الطاقات الانتاجية العربية ، ويجسد التكامل الاقتصادى ، ويوفر الاحتياجات الضرورية حسب متطلبات الاقطار العربية بعيدا عن الاحتكارات الامبريالية .
وأهمية السوق تتبين أكثر اذا ما علمنا أن عدد السكان فى الوطن العربى يصل إلى 138،4 مليون سنة 1972 وأن المساحة الاجمالية تقدر ب 1352 مليون هكتار بنسبة 10،2 % من مساحة الكرة الارضية (7) بالاضافة إلى طاقة عمالية تفوق طاقة بلدان أوروبا مجمعة وثروات نفطية ومعدنية تمثل 32 % من الناتج العالمى .
ولذا فان الدول العربية يمكنها تحقيق استقلاليتها والتحكم فى ثرواتها وتطوير اقتصادياتها حتى تستطيع التغلب على عراقيل ومشاكل التنمية .
2 - توفر الطاقات المادية والمعنوية المساعدة على سلوك سياسة تكامل اقتصادى ، وتتمثل هذه الطاقات فى الثروات الطبيعية والمعادن التى يزخر الوطن العربى بها ، بالإضافة الى هذا الوعى القومى الوحدوى والتوق الى التحرر من الاستعمار وتبعاته .
والاستفاقة التى يشهدها الانسان العربى اذا ما انضاف اليها تحكم سليم فى الموارد الطبيعية قادرة على صنع الحضارة العربية الجديدة والتى ستكون البديل لحضارة الغرب . وتحسس الانسان العربى لقضاياه ومشاكله هى البداية الفعلية للانبعاث الحضاري ،، ولذلك لا بد من استغلال هذه الطاقات وتوظيفها فى خدمة قومية وتسهيل بناء الوطن العربى .
IV - دور التكامل الاقتصادى فى المواجهة السياسية والحضارية :
إن استمرارية حالة التجزؤ والتقزم أعظم فائدة للقوى الاستعمارية وفى مقدمتها الصهيونية باعتبارها فرصة للتفرد بالكيانات الهزيلة والابقاء على حالة الاستنزاف الاقتصادى ، ولذلك لا يمكن مواجهة هذه المخاطر المحدقه سوى بتهيئة الارضية الموحدة للعرب فى جبهة واحدة . واحدى كبريات المشاكل التى نواجهها اليوم هى حالة التمزق النفسى والتذبذب والاضطراب فى مواجهة الحضارة القائمة ، بالإضافة إلى عجزنا عن فرض البديل الحضارى لها ، رغم أننا نملك المعطيات الاقتصادية والتاريخية والثقافية والاجتماعية لذلك . ولعل شعوبا أكثر منا جرأة ، استطاعت أن تختط بشجاعة أسلوبها الحياتى الحضارى وتعطى المثل بثوراتها الثقافية المتواصلة على تكسير طوق الحصار الامبريالى .
ولا أرى أداة ناجعة للعرب لصنع حضارة متميزة سوى بالتكامل الاقتصادى ووضع ستراتيجية مدققة تضبط كيفية إنصهار أعضاء الجسم الواحد التى تتطلب توفيرا لدوافع ومقومات النجاح ، وإرساء البناء على أسس علمية بما يكفل فاعلية المردود الانتاجى ومزيد الاستحكام فى الثروات الاقتصادية واستئصال داء التبعية .
فالتكامل الاقتصادى يترسم الاهداف التالية :
I - ضمان انتفاع الانسان العربى بثرواته باعتباره صاحب المصلحة الحقيقية فى عملية التنمية .
2 - صنع الحضارة البديل لحضارة اليوم المغتربة .
3 - طرح نظام اقتصادى عالمى جديد يخاو من الاستغلال .
ولذلك فالقوة الاقتصادية العربية الضاربة هى الدعامة الحقيقية للحق العربى فى إسترداد الوطن السليب ، إذ لا يوجد حق لا تسنده قوة كما يقول أحدهم ، وقلما إنتصرت حقوق تفتقر إلى قوة ، فتلك هى قوانين اللعبة السياسية فكل الشعوب المضطهدة لم تنل حقوقها الا بالكفاح المسلح والمطالبة المدعومة بالقوة . لذا يتوجب على العرب ترك إستجداء الهيئات الدولية والكف
عن الطرح الأجوف للتحرك على محورين : - بناء القوة الاقتصادية والتحرر من الاحتواء . - الكفاح المسلح وفرض الحق المغتصب .

