((غايتنا هى خلق أجيال تونسية نريدها متأصلة فى بيئتها، ونريدها معتزة بكونها تونسية، مشدودة الى تاريخها البعيد والقريب، مسيطرة على واقعها ترنو إلى مستقبلها.
دراسات
بالرغم من أن نزعة ((غير العمودى والحر)) التى تمثل أقصى ما بلغته الحركة الشعرية ببلادنا من تطور قد يمتد الى ما قبل الشابى (1)، استطاع ان يخلخل الكثير من الهياكل الجامدة، فانها كحركة سرعان ما جفت أطرها، وسقطت فى الدفماتية لاسباب تعود الى هذه الحركة نفسها، والمعطيات التى انطلقت منها، والتصور الذى كيف به نظرتها للأشياء، حيث توالت التناقضات وتكثفت الى درجة اصبح من العسير على شعرائها ونقادها حلها وتفجيرها، فمهدت بذلك لقيام وضع ((عكس - ثورى)) يتمثل فى انتاج الجيل الذى نطق بعد ان تركزت هذه الحركة وتبينت ملامحها (2). فشعراء هذه المرحلة لم يتجاوزوا حتى بعض
مكاسبها وانحازاتها. وهكذا عادت من جديد ((الذاتية)) والتهويات المفرغة من كل محتوى، والشطحات الصوفية الفاقدة لكل نكهة وحرارة، ولعل أهم ما يميز هذه التجارب الغموض حتى ان قدرة الشاعر تكمن فى أن يضعك امام ركام من الطلاسم والالغاز. وهذا الغموض ناتج أساسا عن غموض فكرى وتصور مثالى للكتابة الشعرية استطاع ((غير العمودى والحر)) ان يقيم الدليل على بطلانه وزيفه. وليس أيسر لتعويض هذا الفراغ من الاستماع الى ما يسميه برفسون - الأب الروحى لهؤلاء الشعراء - بـــ ((الأنا العميقة)) Le mio profod بل ان بعضهم يذهب الى ما ابعد من هذا الحد، حيث يعتقد، ((أن من يفضل الكلام الواضح يفضل فى حقيقته الكسل عن الجهد، ويختار البطالة عن العمل، ويرتاح للسكينة دون الحركة)) (3) وهو ما يدعونا الى إعادة النظر فى مفهوم الكتابة الشعرية الجديدة، والمهمة الملقاة على عاتقها، والآفاق التى عليها ان ترتادها.
فى حديثه عن الكتابة، يرى رولان بارط انها ((انتاج حر يولد من التجابه بين الكاتب ومجتمعه)) (4) ونحن - وان اتفقنا على الكتابة المجابهة، فانه من الضرورى ان نفرق بين ما يمكن ان نسميه بــــ ((المجابهة الدنكشوتية)) التى أهم ما يميزها الغموض الفكرى حيث يظل اصحابها يعيشون بين مد وجزر، يؤدى بهم فى النهاية الى السقوط فى ((مدار مغلق)) فتصبح الكتابة بذلك لا تعدو ان تكون وصفا للواقع دون تجاوز ذلك الوصف. وبين ((المجابهة - الواعية)) التى يمليها وعى بالظروف التاريخية، وإدراك للدور الذى على الكاتب أن يضطلع به عن ايمان واخلاص وشجاعة، لتكون الكتابة - بهذا الوعى - انطلاقا من الواقع الذى يعيشه، وانعكاسا لمختلف تناقضاته، وتعبيرا عن التطورات التى تدخله، وذلك بفرقعة نظمه - ان كانت جائرة ومتعسفة - وتحريك سواكنه - ان كانت راكدة وآسنة - وتكسير أطره - ان كانت جامدة ومتحجرة. فهذه الكتابة المنبثقة عن المجابهة الواعية - سلوكا ومواقف وممارسة - هي كتابة طلائعية، قيادية، أساسها التغيير، ومحركها الوضوح، وحافزها المشاركة فى نضال الجماهير اليومى، فى حين تنبثق عن المجابهة الدنكشوتية كتابة فضفاضة، فضائية، زئبقية.
على هذا الاساس يمكن ان ننظر للكتابة الشعرية، لنتبين غامضها من واضحها، وجادها من زائفها، ومتحركها من ساكنها.
إذا كان ((العموديون)) وجناح من شعراء الحر، قد استحالوا - بعد ان انتهت مهمتهم التاريخية فتقوقعوا وانغلقوا - الى راسب يعرقل كل تطور، ويقف ضد كل تجديد، ويناهض كل سعى الى التغيير يهدد مصالحهم، ويقضى على استمرارهم، باعتبار ان الشعر عندهم يصبح نوعا من الترف، وممارسة للعادة السرية يستعيدون به توازنهم، فان الجدد من الشعراء - وان اكدوا على ضرورة التوجه الى الجماهير، فقد ظلت تسود مواقفهم وممارستهم وكتاباتهم العشوائىة التى يمكن ان نتبين منها هذين الموقفين: الاول يرى، استنادا الى كون هذه الجماهير متخلفة - انه يجب تعليمها حتى تستطيع فهم الشعر الذى كتب اليها، والثانى يعتقد فى ما تمليه دون قيد ولا شرط اذ بقدر وفائنا - حتى لسذاجتها وتلقائيتها - يكون الاقتراب من الواقع والحقيقة. وعن هذين الموقفين نتج ما يلى:
- البعض يدعو الى مواكبة آخر ((الصيحات الشعرية)) والارتماء فى احضان كل ما يجد فى حركة الشعر العالمى. وهم وان كانوا يواجهون الحاضر - فانهم ينفصلون شيئا فشيئا عن هذا المجتمع.
- والبعض ينطلقون من ضرورة ربط الشعر التونسى بحركة الشعر العربى - من المحيط الثائر الى الخليج الهادر - الشئ الذى يجعل هذا الشعر يعيش فى تبعية لما يجد فى هذا العالم العربى، وبذلك يفقد مميزاته وخصائصه.
- والبعض الآخر يحاول الاستفادة من ((الشعر العامى)) بالمحافظة على هياكل القصيدة الناطقة بالفصحى، فيولدون بذلك ((تجارب مجهضة)) تفقد اثناءها ((العامية)) طرافتها ونكهتها وطاقاتها.
وهكذا تلتقى هذه التجارب كلها فى اتجاهها الى أقلية من المجتمع تظل مذبذبة بل أن المتقدمة منها اقتصر اهتمامها على ((الفئات الهامشية)) التى هى اعجز ما تكون عن تغيير الواقع لسهولة احتوائها وامتصاصها. وباختصار فان
ما تقدمه هذه التجارب لا يساهم الا فى خلاص فئة ضئيلة من المجتمع. وذلك لان الاتحاد الى ((الأكثرية)) يفرض الكتابة بـــ ((لغة الاكثرية)) وهى بطبيعة الحال الجماهير الشعبية. ولكن ماذا نعنى بهذه الجماهير؟ أهى شىء ثابت لا يأتيه التطور من بين يديه ولا من خلفه؟ أم هى بحر عميق يحتاج الى سباحين ماهرين؟ بتعبير أدق: ماذا نعرف عنها؟
حينما نتحدث عن الجماهير التونسية لا بد ان نضع فى اعتبارنا فترتين حاسمتين مرت خلالهما الهياكل الاجتماعية التونسية بتحولات تكاد تكون جذرية وهما: الفتح الاسلامى والاستعمار الفرنسى.
كانت القبيلة - التى تشكل النواة الاساسية للمجتمع التونسى - تعيش حالة دينية مرتبكة هي خليط من الوثنية وبعض تعاليم المسيحية، الى ان جاء الاسلام - وقد وجد صعوبة كبيرة فى ولوج هذه الربوع - ساعيا الى توحيد الناس حول عقيدة واحدة، وضمهم الى ((الاتحاد القبلى العربى الجديد)). فكان ان حافظ على بعض المظاهر القبلية، وشذب بعضها الآخر، وبالتالى فهو وان جمع الناس حول عقيدة واحدة، فلم يقض على الفوارق الاجتماعية القائمة. الشئ الذي ساعد - مع مرور الزمن - على تغلغل الاقطاعية وتمركزها. فاصبحت الخلافة تقوم على الطبقات المتعادية والتى ترمى الى استبعاد الاكثرية لصالح أقلية طفيلية، فتكون السلطة المهيمنة هى الطبقة الارستقراطية العربية الحاكمة، ومن تبعها من عائلات تعيش على ارض افتكت من اصحابها ومنحت لها، ورؤساء القبائل البربرية التى احتوتها السلطة، ورجال الدين، بينما تتكون الجماهير الشعبية - المهيمن عليها - من صغار الفلاحين والتجار والعبيد والحرفيين والهامشيين (5)
وهذه الخلافة التى انقلبت الى دولة إقطاعية هى التى! - نتيجة ما وقعت فيه من تناقضات ومحافظة منها على مصالحها التى قد تضيع - مهدت لدخول الاستعمار الفرنسى نتيجة ارتمائها فى احضانه.
و باعتبار ان الاستعمار ما هو الا صراع اقتصادى - ينعكس على سائر القوى الاخرى - فان تحالف الفئات الاجتماعية سيكون على اساس المصالح الامتيازات، وبالتالى فان الدفاع عن هذه المصالح والامتيازات هو الذى سيحدد هذه المواجهة ويتحكم فى سيرها وان تسربل بالموجه الوطنيه العارمة، او العاطفة الدينية الفياضة الشئ الذي جعل هذه المواجهة - لأشياء قد تكون حيكت فى الخفاء - تظل ((ثورة مخذولة))، كان من الممكن ان تقضى على كل اشكال العبودية والاستغلال، غير ان هذه الطبقة الجديدة التى استحوذت على وسائل الانتاج وان استطاعت - بشكل او بآخر - أن تشذب الاقطاعية فانها استحالت بدورها الى طبقة مستغلة مستنزفة للقوى الحية.
من هذا العرض الموجز نلاحظ:
1) ان المجتمع التونسى لم يتحول تحولا جذريا، فكل ما مر به هو تغييرات كمية.
2) ان الجماهير الشعبية - طيلة هذه المراحل التاريخية - لم تمارس السلطة ولم تصبح سيدة نفسها بنفسها.
3) ان روح النضال والمقاومة لم تفتر سواء ضد الاحتلال والغزو، او ضد الاستغلال والعبودية
4) تغلغل النزعة الدينية لما توفره من ((نعيم خيالى)) لهذه الجماهير
5) ان الطبقة الكادحة - وهى التى لا تملك وسائل الانتاج - مازالت حديثة العهد، ولم تبرز كقوة محركة ودافعة الا مع بداية هذا القرن.
ونحن حينما نقول انها حديثة العهد فذلك يعنى انه ما زال بامكانها ان تغير الواقع، أى انها لم تستنفد كل طاقاتها النضالية مما يجعل وصولها الى السلطة ((قفزة)) يمر بها المجتمع ويتحول بواسطتها تحولا جذريا، لتكشف من جديد عن طاقاتها الخلاقة، وتحول النعيم الخيالى الى سعادة حقيقية.
فى أحضان هذا الصراع تولد الكتابة الشعرية الجديدة وتنمو بنموه، وتتضح باتضاحه، وتتجذر بتجذره، وتتماسك بتماسكه، لأن ((الكتابة))
التى ارتبطت بالقوى التى بدأت تفقد عناصرها الحية لا يمكن ان تكون الا كتابة ميتة تستحيل - رويدا رويدا - الى راسب يعرقل كل تطور وتجديد قد يخلخل الاطر التى تستند اليها ويحرك سكون الواقع الذى تريد القوى المرتبطة به ان يظل كذلك.
وكعلامة لانهيار هذه ((الكتابة)) انها تبدأ فى التقلص والتراجع والتقوقع لتقتصر فى النهاية على منتجيها الذين يصبحون باثين ومتقبلين لانتاجهم فى حين تشرع الكتابة الجديدة فى البحث عن متقبلين جدد لم يصب اذهانهم ((التلوث)) ممتصة كل بوادر الاحتجاج والرفض فى ما سبقها، نافضة غبار الزيف الذى علق بهذه الثقافة الجماهيرية، مواكبة لكل الكتابات الشعبية خارج هذه الحدود.
نحن لا نعيش - ولا يمكن أن يحدث ذلك - بمعزل عن حركة الشعر العالمى، وما يمر به من تطورات، وما يشهده من خلخلة واكتشافات، هى انعكاس ديناميكى للهياكل الاجتماعية التى انطلق منها، والقوى التى ارتبط بها، والتطلعات والأوضاع التى عبر عنها.
وأهميته لا تكمن فى ما حققه من اكتشافات شكلية وما حف به من مغامرات تتفاوت نسب فشلها ونجاحها، لسبب واضح وهو ان الهياكل الاجتماعية عندنا لم تمر بمثل هذه التطورات والتغييرات والعوامل والاسباب.
من هنا فان محاولة مسايرة هذه الحركة الشعرية، وتتبع آخر ما تطلع به علينا والتأثر بما تمليه هى محاولة فاشلة تجعل شعرنا يعيش فى حالة طوارىء دائمة، وتجعل التجارب الشعرية بمثابة الفقاقيع التى ما ان تطفو على السطح حتى تتفجر وتتلاشى مما يؤدى الى فقدان ذلك التواصل والاستمرار، وانعدام الخط التصاعدى الذى يجعل كل تجربة هى امتداد لما سبقها بتجاوز ما وقعت فيه من اخطاء، وتفجير ما حل بها من تناقضات، وإضافة تفتح أفقا جديدا للتجارب التى تليها وتمدها بطاقة ونفس يساعدانها على مواكبة الواقع المتجدد.
غير ان هذا لا يعنى ان باب الاستفادة منها مغلق. فنحن فى حاجة الى معرفة من سبقونا لا للنسج على منوالهم، وانما لمعرفة كيف واجهوا الواقع الذى يعيشونه، وما اكتنف ممارساتهم من غموض أو وضوح يستجيب - أو لا يستجيب - لاختياراتنا الاساسية ومشاغلنا الجوهرية.
وليس كالوقوف موقفا نقديا من هذه التجارب العالمية - يرتكز أساسا على معرفة القوى التى ارتبطت بها، وعبرت عن مشاغلها وشواغلها تتم على ضوئها الترجمة - كفيلا بان يضع حدا لكل المنازع الموضوعية والببغائيه، ويجعل اهتمامنا ينصب - لا على الاكتشافات الشكلية - وانما على كل ما من شأنه ان يحرك هذه الجماهير، ويثيرها، بل ويحرجها.
إذا كانت مشاركة هذه الجماهير الشعبية - كما سبق أن رأينا - فى السلطة محدودة، فان مشاركتها فى الثقافة الرسمية ستكون حتما محدودة، وهى - على أية حال وفى مثل هذا الوضع - معرضة اما الى طمس معالمها، وخنق كل اصوات الاحتجاج والرفض فيها، واما الى احتوائها وتزييفها وتغيير وجهتها الحقيقية.
على هذا الاساس يتضح لنا ان السلطة العربية قد قضت على كل بوادر الاحتجاج والمقاومة التى جاءت قبلها او أثناءها. ولعلها لم تترك الا ما يقوم على نزعة صوفية تعمل دوما على تخدير الشعور الاجتماعى وتدعو الطبقات المضطهدة الى الايمان بقدسية مضطهديها.
فـــــ الزجل الذى يمثل نواة الشعر الشعبى (6) باعتباره جاء نتيجة لـــ ((نسمات الحرية)) التى هبت على الجماهير الشعبية وانعكاسا لتخلخل القوى المسيطرة،
لم تصلنا منه الا نتف ضئيلة لا تعطى صورة كاملة وواضحة عن كل التطلعات والرغبات التى ظلت مكبوتة، وهو نفس الشئ الذى تعرض اليه الشعر الشعبى تقريبا خلال هذ السنوات القليلة الماضية، ولعل أنصع وجوه التحريف التى عرفها اخضاعه لهياكل القصيدة العمودية الفصيحة باعتباره فرعا منها، فجف بذلك نبعه، وتجمد نهره المتدفق (7)
وعلى كل فان اخصب فترة عرفها هذا الشعر الشعبى هى عهد الحماية حين لم يحاول أى كان احتواءه أو امتصاصه او ((عقلنته)) فظل محركا للجماهير الشعبية عاكسا لمختلف التناقضات التى تعيشها، وحتى ضيق الافق الذى تردت فيه تحت وطأة غياب السبل الواضحة.
من هنا فان أية محاولة تسعى الى ان تكون تغييرية وتسمح لنفسها بأن تكون مستقبلية لابد أن تنطلق منه لمعرفة الشعب على كل المستويات:
1- لغويا: بما ان اللغة هى هيكل الهياكل كما يؤكد الألسنيون باعتبارها لا تعيش فى الفراغ، بل هى مرتبطة بكل ما يجرى حولها، عاكسة لمختلف التطورات التى يمر بها المجتمع. فان الذى يهمنا منها بالدرجة الاولى، هو كيف ينظر اليها الشاعر الشعبى ويكيف بها تجربته. وبتعبير أدق كيف تتحول لديه من اداة للتخاطب الى اداة للتعبير تأخذ فيه بعدا آخر غير الذى توجد عليه فى الكلام العادى؟
2 - اجتماعيا: حيث نطلع على ذهنية هذه الجماهير وما تشكل فيها من اساطير وعقائد وعادات وتقاليد واخلاق وقيم وتصورات ورواسب وعلاقات فرضتها قوانين الانتاج.
3 - تاريخيا: ويعنى مراقبة التطورات التى جرت على التركيب الطبقى للمجتمع هي نتيجة لصراع مستمر بين قوى منهارة، وقوى آخذة فى النمو والتحول، وما رافق ذلك من تناقضات وقع حلها بطريقة ما ومدى تطور الوعى الاجتماعى لدى الجماهير الشعبية.
4 - نفسانيا: أى كيف تتجسد العلاقة بين الهياكل الاقتصادية والهياكل النفسية، وكيف يصنع الشاعر الشعبى ما يسميه لاكان بـــــ ((الرمزى)) ويشكله على ضوء هذه العلاقة الخ ...
ان هذه الثروة - مهما كانت قيمتها - لا بد ان تدرس، وتحلل، وتفكك هياكلها، وتضبط خصائصها ومميزاتها، يتم على اساسها رفض كل ما هو ميت فى هذا الشعر والذى أملته تصورات مثالية، أو أغراض دنيئة، ومطامع سافلة، وقبول كل ما من شأنه ان يحرك وان يثير ولو كانت تنقصه الجرأة، ويفتقر الى بعض الوضوح.
هذه القراءة الجديدة الجادة للشعر الشعبى ستتمخض عنها كتابة جديدة جادة تمثل ((اعادة الكتابة)) - وهي لا تعنى التهذيب والتشذيب وانما النفاذ الى الجوهر - (8) احدى بوادرها فى وفائها العميق لروح الشعب وطموحها الواعى لاستقلال الشعر التونسى
فى السنوات الاخيرة كانت التقييمات النقدية كثيرا ما تنتهى الى: ((هذا شعر ثورى فى مضمونه رجعى فى شكله، أو ثورى فى شكل رجعى فى مضمونه)) (9). والواقع ان كليهما شعر شبه - ثورى: انه ليس ثوريا وهذا شئ واضح لان الثورة لا تقبل التجزئة، ولا تعترف بالفصل بين الاشياء. كما انه ليس رجعيا لانه لا يخلو من روح المجابهة والمواجهة.
ان النظر الى العمل الشعرى على انه شكل ومضمون كالنظر الى الانسان على انه جسد وروح يتعايشان تعايشا سلميا تارة، ويتغلب أحدهما على الاخر تارة اخرى: تصور مثالى تجاوزته الاحداث
الشعر اما أن يكون رجعيا وإما ثوريا، وذلك حسب ما تمليه مواجهة كليهما للأشياء، وتمثلهما للواقع وتصورهما للانسان الذى يصنع هذا الواقع. الفرق بينهما يمكن ان نلمسه فى ما يلى:
الأول
- يساند الواقع . . . يحاذيه. - يغطى تناقضاته. - الواقع عنده ساكن. - الحقيقة جاهزة.
- الصدق فيه اعطاء الكذب بعدا جماليا
- يقدم الواقع كما هو. - الكتابة ممارسة ذاتية وانغلاق. - لا يمكن ان يعيش الا خارج الجماهير
- الغموض وسيلة وغاية
- يتملق الغرائز ويستدر العواطف - فى تقهقر مستمر
الثانى
- يواجهه .. يندد به. - يكشف عن تناقضاته. - الواقع عنده متحرك. - الحقيقة عالم يظل دوما فى حاجة الى الكشف - الصدق الكشف عن الكذب
- يقدم الواقع كما ينبغى ان يكون - ممارسة جماعية .. اداة للمشاركة. - لا يمكن ان يعيش الا بين احضان الجماهير.
- الوضوح وسيلة وغاية فى نفس الوقت. - يحرك، يعلم ويتعلم. - فى تجدد مستمر.
وهكذا نرى ان الكتابة الشعرية الجديدة لا تعرف السكون، ولا تعترف بالثبات، ولا تابه بالخلود، ولا تهتم بالمقاييس الجمالية المتعارفة. هى متحركة دائما، متطورة بتطور الواقع وذلك لانها تقف فى طليعة النضال الجماهيرى بجانبه فهى من جهة تحث الجماهير، وتفتح أمامها المسالك الوعرة ومن جهة اخرى تعبر عن احلامها، وتسجل تحركاتها وانتفاضاتها. باختصار هى تغن بالبطولة الشعبية.
هنا يلتقى النفس الملحمى والنفس الغنائى ويمتزجان الى درجة ينبثق منهما شعر جديد لا هو شعر ملحى خالص، ولا هو شعر غنائى خالص. فهو وان
التقى بالشعر الملحمى الضارب فى القدم الذى تتشكل عناصره المحوربة من أبطال - هم انصاف الهة او حتى الهة - ما يجعل تعرضه لحياة الشعب يضل سطحيا، فانه يتجاوز هذا النمط من ((الملحمية)) بتصوره المنبث من كفاح الكادحين اليومى من أجل الخبز والشمس والحرية. وهو وان التقى بالشعر الغنائى فلكى يتجاوز العواطف المريضة والذات الفردية المتعفنة التى يحقق بها صاحبه ((تساميه)) الفرويدى الى ((تنغيم)) الذات الجماعية المتلاطمة أمواجها غضبا ساطعا ونزوعا الى انطلاقة بروميثيوسية.
ان هذا التغنى بالبطولة الشعبية ليس غاية يتوقف عندها شئ، أو هى حماسة تصل الى حد السذاجة التى تغذيها أوهام دنكشوتية، وانما هى أداة للتحريك، والصدم، والاحراج، والتغيير بامكانها ان تحقق ما عجز الشعر فى بلادنا عن تحقيقه طيلة قرون
كل كتابة مهما كان نوعها - ولا نستثنى من ذلك حتى القرآن نفسه - تعتمد على الدعاية والتحريض. وهما عنصران يختلفان من مجتمع الى آخر، ومن ظروف زمانية الى اخرى، ومن طبقة الى اخرى، والذى يهمنا هو كيف يمكن تصورهما عبر هذه الكتابة الشعرية الجديدة
ان الدعاية لا تعنى بيانا شعريا لا يختلف كثيرا عن البيانات العسكرية كقولك ((شعرى لهاث الكادحين)) او ((أنا ثائر وابن ثائر)). كما ان التحريض لا يعنى ان تدعو الناس الى الثورة مثلا، فهى ليست شعارات براقة ترفع، أو غادة حسناء يتغزل بها، أو جنة تجرى من تحتها الانهار يدعى اليها.
الدعاية والتحريض ليس ان تمد الناس بالسمك، وانما ان تعلمهم كيف يصطادون. وحتى تعلم يجب ان تتعلم، وحتى تتعلم يجب ان تغوص فى أعماق الناس، وحتى تغوص فى أعماق الناس يجب ان تكون لك رؤية واضحة، وحتى تكون لك رؤية واضحة يجب ان تنزل الى الشارع وقد تخلصت من كل اوثان الشطحات الصوفية وأدرانها.
فهذا السعى الى بناء مجتمع جديد فى علاقاته، ومثله، وقيمه، ونظرته للانسان الذى يصنع هذا المجتمع لا يمكن ان تواكبه الا كتابة أهم ما يميزها:
- الارتباط بالقوى الحية فى المجتمع وفى طليعتها الطبقات الكادحة.
- الالحاح على الوعى الطبقى وتنمية الشعور الاجتماعى.
- الوقوف دوما ضد كل ما من شانه ان يعرقل تطور الانسان العامل وتقدمه
الالتصاق بالواقع، والتأصل فى هذه التربة، والاخلاص لحرية الاسنان اينما كان.
- التجرد من كل الرواسب القديمة التى تقيم جدارا سميكا بين ما يسمى بــــ ((النخبة)) و ((العامة)).
- التسلح بالرؤية الشمولية للأشياء والعالم
- الوضوح فى التفكير، والجراة فى المواجهة، والادراك فى الممارسة.
- فضح كل الخزعبلات والترهات والشعارات الفضفاضة.
- لا مجال لخطوة الى الإمام وخطوات الى الوراء، ولا للتلون الحربائى، وللمواقف الزئبقية.
- الكتابة بلا تشطيب يمليه ضغط خارجى أو خوف داخلى.
فالدعاية والتحريض - اذن - لا ينفصلان عن بعضهما، وهو شئ طبيعى فى كل عمل ثورى لان الثورة - كما قلنا - لا تقبل التجزئة ولا تعترف بالفصل بين الاشياء، ولانها ليست تعويض طبقة اجتماعية بأخرى، او تحويل امتيازات فئة الى فئة اخرى. وانما هى تحول جذرى فى العلاقات، والمثل، والقيم والتصورات، يمر المجتمع - بمختلف هياكله - قبل الوصول اليها بتغيرات كمية، تكون الثورة هى ((الوثبة)) المؤدية إلى التغييرات الكيفية. Changements qualitaifs .
بهذه النظرة لم يعد الشاعر ذلك الذى يولد بين احضان الصالونات ((نبيا مجهولا)) أو ((إنسانا حساسا)) يسجل ما تمليه عليه عواطفه الطيبة، بل ذلك الذي يولد بين صخب الشوارع وضجيج الأزقة، والذى لا تختلف نضاليته فى شئ عن سائر الطبقات الشعبية الكادحة.
تكتسى اللغة فى الكتابة الشعرية أهمية خاصة باعتبارها الأداة الاساسية التى يكيف بها الكاتب - الشاعر تجربته ويشكلها حسب رؤية واضحة تمكنه من تحميلها وعيه الطبقى، والافصاح بها عن انتمائه، معيدا بناءها من جديد، لان اللغة لا تنصاع لمن يداعبها برفق بل لمن - بعنف ثورى - يغتصبها.
اذا كان ((الخالق)) الوحيد للغة هو الشعب فى صراعه اليومى من أجل التعبير عن حاجياته، فهو الذى يعطيها نضارتها حسب ما تمليه العلاقة الجدلية بين الحاجة الى التعبير، والتعبير للحاجة، فان أى محاولة للالتحام بالشعب لا بد ان تنطلق من هنا ففى هذه ((اللغة الشعبية)) - ولوانها مازالت بصدد التكوين والنزوع إلى الاكتمال - امكانيات تعبيرية وطاقات للتفجير لا يستهان بها. ولو لم يكن ذلك كذلك لما انبثق عن هذه اللغة شعر استطاع ان يلعب دورا هاما فى اذكاء الحماس وايقاظ الضمائر، وان ظل يفتقر الى ما يسمى بــــ ((الوعى اللغوى)) باعتماده على التدفق والتلقائية مما يجعله فى كثير من الاحيان عرضة لجفاف الصورة ورتابة الايقاع.
لقد اعطت اللغة العربية كل ما عندها، فهى شأن كل كائن حى، قد وصلت الآن مرحلة الشيخوخة، ولا ننتظر منها - ما دام التاريخ لا يعيد نفسه - عودة عصورها الذهبية او الفضية او حتى البرنزية. وهى بالتالى صائرة الى الموت - طال الزمن أو قصر - و موتها حياة للغات أخرى هى الان فى سعى متواصل الى الاكتمال. ففى حين تفقد مع كل تجربة شعرية جديد الكثير من طاقاتها، تعطى الامكانيات لهذه اللغة النامية. الفرق - كما يقول كاتب ياسين - كبير بين تراتيل رجال الدين، وأدعيتهم، وخطبهم الرنانة وبين رجل الشعب الذى يصارع من أجل ان يعبر عن شىء ما! .. (10)
ان الذين يكتبون بالفصحى يوسعون الهوة بأيديهم بينهم وبين الجماهير حتى انهم بمرور الزمن يصبحون أكثر عجزا على الاكتشاف، والاضافة، والاستجابة لمطامح هذه الجماهير التى يتوجهون اليها. أما الذين يكتبون بلغة الشعب فهم يتجهون الى المستقبل ولو لم تخل محاولاتهم أحيانا من السذاجة باعتبارها نابعة من حاجة ملحة للعودة الى الجماهير التى طالما وقع الانفصال عنها. واذن فكتابتهم متطورة بتطور احتكاك منتجيها بهذه الجماهير واقترابهم منها، وتأصلهم فيها. وذلك لان الكتابة بهذه اللغة الشعبية لا تعنى شيئا ما لم يساندها وضوح، ويعززها وعى، ويغذيها تصور مجرد من كل مثالية
فهذه المرحلة هي مرحلة جنينية لما نسميه بـــ ((اللغة التونسية)) التى لابد ان تمر اللغة قبل الوصول اليها بصراع داخلى تتعقد خلاله هياكلها وتتشعب،
وصراع خارجى باعتبارها ليست معزولة عما يحيط بها فتأخذ منه وتحاول ادخاله فى الدورة الدموية لها.
وهكذا تصبح الكتابة بها اكتشافا بالنسبة للباث والمتلقى معا: بالنسبة للباث توغل في امكانياتها الفنية وما تنطوى عليه من ((اسرار جمال)) وبالنسبة للمتلقى حيث تعود اليه محملة بنكهة خاصة وطعم جديد بعد ان انتفى عنها غريب لهجاتها، وحوشى الفاظها.
من هنا فان التحول من الكتابة بالفصحى الى الكتابة باللغة الشعبية قد يكون مثمرا يثرى الشعر التونسى الشعبى ويخلصه من الفطرية والسذاجة والتلقائية. وقد يكون ضارا فى صورة اذا ما (!) سيطرت النزعة ((الانتلجانسية)) وطغيان ما يسمى بـــ ((اللغة الفقهية)) فتكون الكتابة مجرد طلاء يذوب حالما يواجه الشمس. وما علينا الا ان نحول سلبيات هذا التحول الى اداة للتعميق والاثراء.
لعل أهم ما حققته حركة ((النضج الشكلى)) (11) فتحها باب الحرية على مصراعيه لينطلق الشاعر غير معترف بالحدود، ولا بما أقيم من سدود، فخلصت الشعر من الضرب على ايقاع واحد، ومن الصور الجرداء، بل ومن الكثير من تبعات ((حضارة السحر والتنجيم واللاهوت)) ومقدساتها ومسلماتها. وفى ذلك أكبر شرف لها.
غير ان هذه الاكتشافات الشكلية مهما كان تعددها وتنوعها لا تبرر ضيق الافق الذي سقطت فيه هذه التجارب على صعيد ما تطرحه من مشاغل ايديولوجية لا تتجاوز - بعد مرورها بالنزعة الشعبية - الاحتجاج الماقبل - ثورى، وهى نتيجة لانعدام الرؤية الواضحة للأشياء.
ونحن - إن كنا لا نعترف بفصل الشكل عن المضمون - فاننا نعتقد انه به وعليه ينعكس تصورنا للكتابة الشعرية اى انه بمثابة الجسر الذى بواسطته نبنى التجربة وعبره تتكيف القناة التخاطبية. فهو لايمكن ان يظل بمعزل عن العوامل الداخلية للكتابة (اللغة فى حد ذاتها) والعوامل الخارجية (لمن يتجه
البث). فما الصورة، وما الايقاع، وما البناء المعمارى الا وسائل يؤتى بها لتعميق التجربة واثرائها حتى لا تبقى عارية، خرساء. أما إذا كانت هذه التجربة مفرغة من محتواها الجوهرى فليس كالابهار - باعطاء الوسائل التكنيكية معناها المستقل - طريقا لتعويض هذا الفراغ.
نظرتنا - على هذا الاساس - للشعر الشعبى وما استخدم فيه من وسائل تكنيكية وربط ذلك بما توصلت اليه هذه الحركة الشعرية الناطقة بالفصحى هى وحدها بامكانها أن تساعدنا على ((خلق)) أشكال تستمد جماليتها من عبقرية الشعب.
ونستطيع ان نتقدم اكثر فنقول: إذا كانت اللغة بالنسبة للكاتب - الشاعر هى المجال الحيوى الذى يتحرك فيه مهندسا بناء نصه، موزعا طاقته الصوتية، ملونا نسيجه، محكما شبكته، فان هذه الكتابة الشعرية الجديدة لا بد ان تكون بنائية فى شكلها، سمفونية فى توزيعها، بصرية فى مساحيتها، شمولية فى تصورها.
من هنا تتخذ ممارسة الكاتب - الشاعر لحريته بعدها الحقيقى، انها اصبحت محددة بعنصرين يشكلان محرك الكتابة الشعرية وهما العلم الذي بواسطته يوضع كل شئ فى انبوب اختبار قبل ان يتم تحويله الى حقيقة موضوعية والجماهير التى لا ينطلق منها الا ليعود اليها. وخارج هذا الاطار لا معنى للحرية عندنا سوى انها تخميرة صوفية عابرة.
هكذا نرى ان هذه الكتابة الشعرية الجديدة تسلك طريقا غير معبدة. وتطأ أرضا مازالت بكرا وهو ما يجعلها عرضة للأخطار لان هذه الطريق ستكون محفوفة بالمسامير الطويلة والخشنة على حد تعبير ماكسسيم فوركى خصوصا فى هذه المرحلة بالذات وهى مرحلة التحسس والسبر والتجريب. ولكن يكفى انها تتجه الى المستقبل!
البئر الأحمر - مدنين - خريف 1974 -

