نظرة في العيد

Share

لما كانت الحياة ولا تزال سلسلة متعاقبة الحلقات وثيقة العرى محكمة الأرتباط من المتاعب والشقاء . ووكام هائل من الهموم والأحزان والالم ومعترك محتدم الضرام لا هوادة فيه ولا ارتياح وميدان متصل الكفاح والصراع والنضال وبركان هائج دائم التفجر والاستعار . لما كانت الحياة كذلك . كانت ايضا تلك الكوائن الحية التى خلقها الله سبحانه وتعالى بين هذه الحياة اللجية قد لفحتها ثورتها واحتواها معتركها ومعها قبس فى ضرامها قشب اوارها واستعر الونها فاحتدم نزاعها وغمرها غامر الحياة اخذت تلك الكوائن الحية تسبح وتصارع موج تلك الغمرة الطامية يجهدها الكفاح المتواصل وتفنيها الحركة الدائمة الصاخبة وبالأخص الانسان الذي أختص بالعقل دون ما سواه فكر

هذا الكائن العاقل فى الخلوص بنفسه وجسمه والابتعاد بهما قصيا عن هذا الوصب الواصب واللغب الصاخب ليخلد الى عواطفه فيناجيها وليسمو عن هذا الحطام الدنيوى الى عالم الروح ينشد عندها الراحة والهدوء والأستجمام ولو سويعات تنتشله من هذه الغمره العاتية التى لا يكاد ينجو منها أحد وضعت له القدرة الإلهية فواصل تتخلل ايام الحياة الكادة المتعاقبه وهذه الفواصل هي تخصيص ايام يبتعد فيها الانسان عن كل ما يمت بمشاغل الحياة بصلة وتكون كمحطات للراحة يستدبر عندها مرحلة ويستقبل بعدها اخرى وسط هذا السفر الحيوى الشاق الطويل الذي يبتدئ من المهد الناعم الوثير وينتهي فى جوف اللحد المظلم الصلد .

فكانت أيام وكانت هذه الايام هي أيام العيد .

فكانت أيام العيد لها رونقها وروعتها . ولها قيمتها عند أبناء الحياة . فكانوا يتحررون فيها من نضال الحياة وصراعها ومما وستعة من هموم والام وكذلك بهبطون الى قرارات نفوسهم فينزعونها تلك النزعات الفاسدة الشريره فيحتفي البغض والحقد ويمحي الكبرياء والعظمة وتزول فوارق الماده ويتلاشى حب الذات والأثره وتسقط تلك الأقنعه التى يترفع بها الاحياء اثناء خوضهم معارك الحياة وتذوب تلك الفوارق الاجتماعية التى اوجدتها حوادث الحياة وميول الأهواء ونزعات النفس وتنشط نزعات الحب والخير الكامنة في اعماق النفس البشرية كمون النار فى الحجر تنتظر الاحتكاك لتشع وتشعل وكذلك ايام العيد هى محك هذه النزعات الفاضلة فيحبو فيها الغني الفقير بعطفه ويمده مما افاء الله عليه من النعمة والخير ويحوطه بسياج من الرعاية يفصله عن كل ما يشعره بوطأة الحياة .

والصديق ينال من صديقه تهنئة رقيقه مشفوعة بتذكار يكون رمز المحبة والصداقة والوفاء والاخاء .

والقريب يتفقد أحوال قريبه ويصله ومشيجة وقربى والابناء والزوجات يتلقون الهدايا التى كانت يوما ما من رغباتهم محاطة بالابتسام والتهانى العذبة الجميلة من آبائهم وأزواجهن بملء الرضاء والبشر والسرور

والعدو تصله كلمه أرضاء وأحسان تزيل البغضاء والشحناء وان لم تزلها فتخفف من حدتها .

ولا غرو فهذه الايام هي أيام الانسانية بكل معانيها أيام الخلوص الى النفس فى اسمى صفاتها وأحل غرائزها أيام الراحة والهدوء من كد الحياة المستمر أيام العطف التام المتبادل والسلام الشامل والابتسام المطلق والاحسان الفائض والسرور العام والأخوة البشرية الصادق والماراة الحقة والحرية التامة المشروعة

عندئذ لنسمح للقلم قليلا دون تهور او جموح فى البحث عن حالة العيد فينا

أو حالتنا في العيد بماذا نستقبله وكيف نقضية ؛

بماذا نستقبل العيد ؟

هل نستقبله بالاهتمام بشؤون وحالات بعض كما هو الواجب ؟

وذلك بالبحث عن فقير تثقله نفقات العيد فتقدم له المساعدة . او عن يتيم ، لم يجهيز له أحد ثوب العيد الجديد فنسبله على جسمه او مسكين ذا ثياب رثة بالية نكسو عراه أو جار ينقصه ما يفرح به ابناءه وعائلته من هدايا العيد وحلوائه فنسهل له أحضارها او قريب مختار فى لوازم العيد فننقذه من حيرته او رب عائلة واطفال عديدين يرهقه ما يطالبه به حنان الابوة والحب الغريزي المطبوع نحو فلذ كبده الذي يذيب فؤاده شفقة وعطفا من ان لا يشعر اطفاله الابرياء الذين ينعمون بأحلام الطفولة التى تحيطهم بسياج لا يحسون معه بضغط الحياة ولا بفوارقها الموضوعة المحتومة أنهم يقلون عن بعضهم - أي الاخوة فيما بينهم او عن الاطفال الاخرين في ثوبهم الزاهى الجديدا وفيما يملاء جيوبهم من الحلوى والنقود أو فيما تحمله ايديهم الصغيرة من لعب لطيفة مززكشة أو فيما تنفخ فيه افواههم البريئة من زمار براق يملاء جو اذانهم الصغيرة بنبرات العيد الذى ينتظرونه هل نعير هذا الأب المرهق بعض العناية فنعينه بما يكشف عنه هذا الأرهاق عن طريق السلفة اذا كان عف النفس أو الاحسان اذا كان ممن يقبل لاحسان

اننا لا نستقبل العيد بمثل هذا الاستقبال الانساني العظيم وأنما نستقبله بما تعودنا عليه من حب التشبت بالشكول والأوضاع وبالايثار الشخصى وعدم الاهتمام بحالات الغير والسير على نظرية الفرد قبل الجماعة

فيتغالى فى الاستعداد الفردى فالموسر يغدق ايساره على شخصه وبنيه وداره والمتوسط ( يكلف نفسه ما لا يطيق ليتسني له الظهور بمظهر يقارب بينه وبين هذا  الغني الباذخ . والفقير الذى به رمق يركب الصعب ويكافح لبلوغ المظهر لذى يوصله إليه اقصى جهده وكفاحه . والفقير المعدم المحروم من المساعدة والعطف يتوارى وينزري خلف بابه موصدا اياه يتطلع من شقوقه ليشارك الناس في العيد

- ولو بالنظر - مادامت الاوضاع والقلوب لم تسمح له باكثر من هذا .

بهذا نستقبل العيد . فكيف نقضية ؟ نقضية بالمباهات بما أعددناه من غالي الثياب وبراقها :

نقضية فى تلك الزيارات التقليدية المحتاجة لوجود روح العيد المعنوية فيها

فهي ليست سوى زيارات للمنازل فقط لان الزائر لا يقابل اصحابها المقصودين من هذه الزيارة لانهم مثله فى زيارات محتومة فكان هذه الزيارات لم يقصد منها سوى التفرج على معروضات المنازل التى نتباري في عرضها وزركشتها ونتفق المستطاع وما فوقه حتى تأخذ تلك المعروضات من الأثاث والرياش وضعها النهائي من الزينة والبهرج .

نقتضيه بذرع الشوارع والطرقات والخروج من دار للدخول فى غيرها والهبوط فمن " درج " لصعود أعلى منها أرتفاعا وأكثر منها عدا وهكذا فى حركة مستمرة وتعب جسمى أكيد .

فاللهم اهدنا صراطك المستقيم

اشترك في نشرتنا البريدية