يطيب لى فى هذه المناسبة الطيبة التى أتاحها لى الاخ الاديب الكبير عبد القدوس الانصارى أن أقدم للقراء الكرام على صفحات منهله ، الذى يحمل لواء الادب فى الديار السعودية المباركة شاعرا عربيا ملهما تتدفق دماء العروبة فى قلبه ونفسه ويزخر شعره بنداء القوة والحياة والحرية والمجد ، وله قصائه وأناشيد ذات طابع فنى جديد اشتملت على بلاغة وطبع وجمال فنى خالص وخيال رفيع وذوق سليم .. وشاعرية موهوبة وصور واساليب هى فى جملتها تمثل فصاحة الاسلوب العربى وعذوبته ، وتنطق عن خصيب فى عقل الشاعر وشعوره ، وعن دقة ادراك لروح القصيدة وعناصرها ، وعن وطنية متدفقة تنطوى عليها جوانح الشاعر ، وايمان بقضية بلاده فلسطين التى تحالف عليها عملاء الاستعمار وجنوده .
والشاعر قبل كل شئ صديق حميم تربطنى به روابط الاخوة والصداقة والزمالة ، فعلى أديم فلسطين المقدس نشأنا ، وفى اكناف فردوسه تربينا ، ومن عيونه العذبة نهلنا .
وعندما . مثل الاستعمار مسرحيته الاخيرة على أرض مصر ، لحق غزة شر وبلاء واصاب اهلها تعذيب وتقتيل
ونفى وتشريد ، فخفت على شاعرنا ان كان قد اصابه ما اصاب الغير ، وكم كان سرورى حينما نقلت الى الانباء خبرا مفاده وصول هارون الى مصر بعد أن أفلت من غدر اليهود فى غزة وما كانوا قد اضمروه له من سوء المصير ، لقد شق على أن يغمر هارون وسط هذه الدوامة التحررية وموجة التيقظ التى تجتاح وطننا العربى باسره ، والذى كان لهارون شرف الاسهام فيها بقلمه وبفكره وبيده وبكل ما اوتى من قوة الفكر وقوة البدن .
ولد هارون فى غزة ، وهى مدينة بجنوب فلسطين، من أبوين فلسطينيين ذاقا الهوان على يد الاستعمار البريطانى شأن غيرهما من اهل
فلسطين المنادين بالحرية والاستقلال وعندما كبر هارون الحقه والده بالمدارس الابتدائية وسرعان ما أظهر فيها نبوغه وتفوق على اترابه فنال الشهادة الابتدائية بتفوق ، الحق على اثرها بالكلية العربية بالقدس الشريف وكانت الكلية العربية والكلية الرشيدية هما المدرستين الثانويتين الوحيدين فى فلسطين كلها ، وكانت الكلية العربية قاصرة على أوائل الطلبة من مختلف مدارس فلسطين ومن هنا يتبين لنا ان هارون كان من القلائل الذين حظوا بالتعليم الثانوى آنذاك وفى الكلية العربية تفتحت عبقرية الشاعر ، ففى القدس الشريف آثار واماكن اسلامية عزيزة كالمسسجد الاقصى والصخرة المشرفة أثرت فى نفس الشاعر وجعلته يعود الى ماضى أمته يوم كان العرب اسياد العالم ، واذ بهم اليوم تحت ذل الاستعمار ، واضطهاده وتآمر الانجليز مع الصهاينة على الوطن لسلب عروبته واسلاميته ، هذا بالاضافة الى أعمال اجرامية بشعة كانت ترتكب فى حق اهل فلسطين لم يرضوا عنها وعبروا عن سخطهم لها بثوراتهم التى سقط فيها المئات والالوف من الشباب
ومن هنا كانت نقطة التحول فى حياة هارون فصار هو الآخر يعبر عن احاسيسه بأناشيد حماسية وهو لم يزل بعد طالبا بالمدرسة ولكنه سرعان ما غادر هادون أن ينال الشهادة النهائية لظروف اصابت اسرته .. ورغم كل القيود والعقوبات الصارمة التى كانت تفرضها حكومة الانتداب
آنذاك على احرار عرب فلسطين لم يكف هارون عن قول ونظم الاناشيد والقصائد الوطنية التى تحمل على الاستعمار واعوانه ، حتى حرم من العمل فى مدارس الحكومة ، ولكنه استطاع ان يجد العمل المناسب فى المدارس الاهلية التى كانت منتشرة فى البلاد على اثر النقص الكبير الذى لمسه الوطنيون فى مدارس الحكومة ، وما تفرضه من عراقيل وعقبات القصد منها حرمان اهل فلسطين العرب من التعليم فى حين كانت تنفق على السجون والمعتقلات للاحرار بدون حساب .
وفى مدرسة الفلاح بغزة وجد هارون التربة الخصبة والبذرة الصالحة فصار يلقن تلاميده دروسا فى الوطنية ويقوم بعمل التمثيليات ذات المغزى الوطنى الرائع ، وسرعان ماذاع صيته فى المدارس فاقبلت على تلحين وانشاد قصائده لطلابها ..
وعندما حلت بفلسطين الكارثة وشرد اهلها وذاقوا مرارة العيش كان هارون احد الذين نكبوا وشردوا وذاقوا مرارة هذه النكبة وقاسوا من اهوالها من تشريد وتقتيل ، ولقد راح ينفس عن نفسه الابية وما تفيض به من ألم وحزن بشعر حى صادق كل الصدق صادر من اعماق قلبه ، فسجل مأساة فلسطين فى مجموعة من القصائد لعلها فريدة فى بابها ، فاستمع اليه فى هذه
ولعل هارون قد استطاع ببراعته الاستعمار فى فلسطين :
قصة حدثت . . بالامس
. . من عشرين عام
حدثت فى عهد الا
ستعمار ، فى عهد الظلام
حدثت فى قريتى الخضر
ـاء .. فى أرض السلام
كلما اذكرتها ... اهتز
ت من الرعب العظام
ولعل اشعار هارون هى وحدها التى تصور آلام الوطن وآماله ولواعج أبنائه المشردين اصدق تصوير :
يا بنى السلام : هذى فلسطين
: دموع .. وحرقة .. ودماء
لفها البغى فهى برق من الثأر
.. ورعد : ضرامه الاحشاء
منجل الذعر فى رباها .. مغير
يحصد الزرع .. فالربى جرداء
وفى قصيدة (( غرباء )) يوجه القول الى اخوانه اللاجئين :
غرباء ، فى الكون أنى مشينا
ولاى من البلاد آتينا
غرباء ، ضاقت بهمتنا الارض
وضجت ، واستثقل الناس منا
ولعل هارون قد استطاع ببراعته وعبقريته ان يصور حال اللاجئ الطريد من وطنه يسير بلا هدف ولا
يعرف إلى أى بلد يرتحل اذ يقول فى قصيدته (( مع الغرباء ))
أتت ليلى لوالدها
وفى احداقها ألم
وفى احشائها نار
من الاشواق تضطرم
وقد غامت باعينها
طيوف عزها السقم
وقد نام البريج أسى (١)
فلا صون ولا نغم
الى ان يقول فيها :
أتت ليلى لوالدها
وقد اهوى به الهرم
وقالت وهى من لهف
بها الآلام تحتدم
لماذا .. ؟
نحن يا أبتى .. ؟
لماذا ، نحن اغراب ..
ولكن رغم ما حل بفلسطين من ظلم وتشريد وتقتيل وتشتيت فان شاعرنا متفائل يؤمن بالعودة الى ارض الوطن مهما طال الزمن :
سنعود .. يا اختاه
رغم الشقاء وقسوة الزمن
رغم الليالى العابثات بنا
والجوع .. والتشريد .. والمحن
سنشق أستار الظلام غدا
سنشقها ... ونعود للمدن
سنسير بالفجر الجميل قوى
جبارة تقضى على الوهن
وعندما دخلت القوات المصرية أرض فلسطين متعاونة مع الدول العربية ، التى هبت لانقاذ فلسطين ونصرتها من براثن الصهيونية ، التحق هارون بالمدارس الاميرية وصار يعمل بها ، وفى اثناء ذلك اخرج ديوانين الاول ظهر باسم (( مع الغرباء )) اخرجته رابطة الادب الحديث بالقاهرة عام ١٩٥٤ واشتمل على دراسات نقدية رائعة لاعضاء الرابطة ، وصدر الديوان الثانى فى نوفمبر ١٩٥٦ فى بيروت
عن منشورات المكتب التجارى .
وبظهور هذين الديوانيين لمع اسم هارون كشاعر مبدع وسمى بحق شاعر فلسطين القومى ، لانه وحده الذى استطاع ان يصور مأساة فلسطين الدامية اروع تصوير ، واخيرا وقع عليه الاختيار ليكون مندوبا لصوت العرب فى غزة وظل يعمل بنشاط متنقلا بين خيام اللاجئين العالية يترجم آهاتهم وأناتهم بقالب شعرى ممتاز حتى سقطت غزة فى قبضة الاستعمار .
ليسانس فى الآداب مدينة الملك سعود العلمية بجدة

