ظاهرة عجيبة غريبة مريعة ، ابتدعتها احدى صحفنا اليومية ذات مرة فكانت خطوتها تلك مبعث اسى وحسرة لكل اصاحب قلم ورسالة في هذه البلاد التى كانت مصدر البيان العربي طوال حقبة زاهرة من الزمن أجل لقد جاءت هذه الظاهرة طعنة نجلاء روع لها كل غيور على ( الفصحى ) جامعة الشمل والوشاح القوى بين القبيل العربى فى شتى اقطاره .
وأعني بتلك الظاهرة ، هذا الجنوح الى اصطناع اللهجة الدارجة العامية أداة توجيه فى صحافتنا اليومية ، واستشراء هذه البدعة بين الاوساط الصحافية حتى اصبح المحرر بها ذا امتياز مادى خاص يدركه ويعلمه كل من وقف على شئون التحرير الصحفية فى هذه البلاد ، بل وحملت هذه النزعة الغريبة بعض المشرفين على الصحافة على ان يلوحوا بالاغراء المادي المتناهى لكل من يجد فى نفسه قدرة على الكتابة باللغة الدارجة .
ولكى اكون موضوعيا فى هذه الكلمة فأنى احب ان اضرب صفحا عن ذكر الاسماء لان الاسماء والصحف لا تهمنا بقدر ما يهمنا معالجة ، هذه الظاهرة ، ولنبدأ اولا بهذا التساؤل : لماذا برزت هذه الظاهرة الى الوجود فى هذه الفترة ؟ امبعث ذلك قصور وعجز عن الكتابة بالفصحى ؟ أم هو نوع من التجديد في اسلوب الصحافة ؟
أهو نوع من التجاوب مع مطالب ( المستهلكين ) بكسر الكاف ؟ ام هو شئ غير ذلك كله ولا يدرك سره الا من وكل اليهم أمر تحرير الصحيفة ؟
ان كان الرد بالايجاب على الشق الاول من التساؤل ، فليست لاى ناقد حيلة فى ذلك لان القصور والعجز امران خاصان بالافراد ، وصفتان لا تبيحان لاى فرد كان ان يتولى دور التوجيه اللهم الا في مجتمع يعنيه امر من يوجهه أما إذا كان الرد بانه نوع من التجديد فليس هذا من التجديد في شئ لانه يحمل في طياته ابلغ الضرر الى قراء الصحافة التى يسمونها " مرآة الشعب " فضلا عن انه يخدم اهداف الشعوبيين والحاقدين على الفصحى وابنائها كما انه يقدم خدمة مجانية لالد عدو لنا وهو الاستعمار الذي يرى في لغة الضاد حصنا عنيا ضد اغراضه ، وفي هذا المجال يحضرني قول ذلك المستشرق الفرنسي لاحد السوريين منذ نصف قرن تقريبا : " إذا كنتم انتم السوريين ترغبون في تحسين احوالكم ونيل الاستقلال فعليكم ان تبرهنوا لفزتشا بانكم لستم عربا . وانتم تبرهنون عن ذلك اذا حولتم لهجتكم العامية الى لغة الأدب والكتابة بدلا من الفصحى ، . ولكن السوريون ابوا ذلك وظلوا عربا واغتصبوا الحرية والاستقلال اغتصابا من يد الاستعمار الذي كان يريد منهم ان يتخلصوا من اهم مقومات حياتهم العربية .
اذن فهذا النوع من التجديد كان ولا يزال مطلبا استعماريا لا يليق بمن يحترم الكلمة والبراع ان يستجيب له مهما كانت البواعث والاسباب او المبررات والنيات وبهذا تسقط بدعة التجديد .
أما إذا كان الرد بانه من فصيلة ( ما يطلبه المستهلكون ) بكسر الكاف ، فيجب ان نبحث الامر على اناة وروية لنثير هذا التساؤل المتولد عنه . .
أمهمة الصحافة - وهي اداة لتوجيه - ان تأخذ بيد الشارع وعامته الى الرقي في اسلوب تفكيره ولغته أم مهمتها مجاراته والابقاء على عاميته فتصبح بذلك تابعة له وليس متاثرا بها ؟
كلنا نعلم ان اللغة الدارجة او العامية هى ظاهرة تولدت نتيجة لتخلف مقيت منيت به الامة العربية فى اعز مقوماتها وهو ( وحدة اللغة ) ، والناصح الامين اليوم هو الذي يعمل بكل ما استطاع من جهد ان يقضي على مظهر ذلك التخلف حتى يأتي اليوم الذي تكون فيه الامة بجميع طبقاتها قد انتقلت من طور الهجنة الى طور الاعراب والنطق الفصيح الجميل الذي تردد اصداءه آفاق العروبة من محيطها الى خليجها . اما إذا كان الباعث على ذلك هو شيئا غير هذا كله ، فان الواجب يقضي على من يتولى هذا ان يفصحوا عما لديهم ، لان ادوات التوجيه التى أوكل اليهم امر القيام عليها هي أمانة في ايديهم ان احسنوا استغلالها وادارة امرها فالتاريخ والضمائر يحفظان لهم ذلك والعكس بالعكس تماما : وسيأتي يوم قريب او بعيد يدركون فيه انهم باصطناعهم بتلك الظاهرة المريعة واستغلالها قد اضروا بالشعب وساعدوا على تخلفه الفكرى واللغوى من حيث يحسبون انهم يحسنون صنعا ، اذ ليس بخاف على كل مثقف ان " الفصحى " كانت قبيل الاسلام مرحلة توحيد اللهجات العربية التى كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية ، وقد جاء القرأن الكريم ليكرس ذلك الطور الحضاري فنشأ جيل عربي اسلامي متحد
فى اللغة الادبية على الاقل ، ومضت سنون بعد ذلك غزت خلالها هذه اللغة الفصحى شعوبا اخرى غير عربية لتصبح لغتها الدينية والادبية والسياسية ، وهكذا ظلت الفصحى محتفظة بقوتها وسيطرتها الى ان تجزأت الدولة الاسلامية إلى دويلات وهنا استطاعت الشعوبية الحاقدة ان تتحرك فلا نكتفي باضعاف الفصحى ولكنها تمادت في تجزئة الامة العربية والعمل على انهاك مقوماتها الاساسية ، فكانت النكسة المروعة التى نتج عنها هذا العديد من اللهجات العامية الدارجة المطعمة بالوان من الهجنة .
فاذا كان هناك اليوم فريق يرى فى الابقاء على العامية وتشجيعها تظرفا وتجاوبا مع مستوى العامة فانه مخطئ الرأي على . اقل تقدير لانه بعمله هذا يسند تلك النكسة ويقوي هذه الازدواجية التى منيت بها الامة العربية في لغتها خلال فترة التخلف .
وهنا ملاحظة هامة يجب ان اشير اليها : وهي اننا لا نطلب من محرري الصحف ان يكتبوا باساليب بيانية رفيعة ، وانما ندعوهم فقط الى عدم اصطناع العامية ، وليكتبوا بعد ذلك باساليب مفهومة لا تستعصى على مدارك العامة ، وانما تنقل اليهم الافكار والأراء التى يراد بنها دونما اسفاف او هجنة في لغة الكتابة .
وفي ختام هذه الكلمة اريد ان اقترح على كل صاحب زام في هذه البلاد ان يدلى برأيه فى هذه الظاهرة ، ويقول فيها كلمة الحق غير هياب ولا مجال وعلى رأس هؤلاء ادعو صاحب هذه المجلة الذي عرف بمقته لكل ما يمس لغة ( الضاد ) ويهددها من قريب او بعيد بل وبتعصبه على كل ما يراه يسف بالبيان العربى القويم .

