هذه الباكستان

Share

لم يبعد الهند عن جيوش الفاتحين العرب ، فقد غزا المجاهدون أطرافه منذ فجر الاسلام ، ولم يكن الهند عديم العمران والخيرات ، فقد كان منذ عصور التاريخ الأولى حافلا بثروته زاخرا بسكانه ، فلماذا لم يستوطن الاسلام ربوعه منذ استوطن بلاد فارس وماوراءها ؟ ولماذا لم يعن الامويون بموالاة الفتح وتركيز النصر في ذلك القطر وتحضير ناسه بمبادئ الشريعة السمحة كما عنوا بغيره من الاقطار التى احتلتها جيوشهم ؟؟ إن ذلك لمن النقاط التى لم نطلع على بحث يشبعها نقاشا يغنينا عن السؤال والتنقيب ، فنحن اذا ما قارنا بين الهند والاندلس ، من حيث مركزها الجغرافي بالنسبة الى الدولة الأموية ، نجد الهتد أقرب منا لا للجيش الاسلامي ، رغم وعورة الأرض التى تفصل الهند عن ايران ، وأفيد تدعيما لنفوذ الدولة الاسلامية الذي تغلغل في بلاد فارس ، وأراضى خراسان ، وأصقاع العين ، رغم جبال هملايا الشامخات - من الاندلس الذي تفصله عن القاعدة الاموية صحراء ليبيا ومضيق طارق ، ونحن إذا استقصينا عوامل الفتح الاموى وسايرنا حوادثه نجد البواعث التي تضافرت فكان منها ذلك الفتح المبين فى الشرق ، هى نفسها العوامل التي تضافرت فكان منها ذلك الفتح المبين في الغرب ، فالايمان الصادق الذي عمرت به قلوب الجبوش الاسلامية فى المغرب ، والشجاعة الفذة التي امتاز بها طارق وابن نصير هو ذلك الايمان الذي امتزج بدماء الجيوش الاسلامية في المشرق ، وهي الشجاعة الفذة التى امتاز بها المهاب وابن قتيبة - ولكنا إذا ما وقفنا مع الجيش الأموى فى الشرق نجده محاطا بدول معادية ، مشغولا بمطاردة فلول الفرس في هضاب الصين ، فهو ما انفك يجاهد في الصين ، وما وراء النهر وهو مافتئ في نضال عنيف مع قوي القسطنطينية ، حالما ان الجيش الاسلامي

فى الغرب حطم شوكة كل ناكث متوثب ، فلم تكن هناك دول يخشاها كدولة الروم ، ولم يكن هناك انتقاض يحذره كنكث ملوك الصين ، ولم تكن هناك حوادث تقنع بطولة طارق وطموح ابن نصير وتبرز اسماءهم كالحوادث التى خاض غمارها قادة الامويين فى الشرق ، ونبهت بها أسماؤهم ، فان كان الحجاج قد شغل عن الهند بغيره فلم يوسع مافتحه محمد بن القاسم الثقفي منه ( ١ ) فليس لدى ابن نصير ما يشغله عن الاندلس ، وما يحول دون اتمام الفتح الذي بدأ به طارق . فذلك على نرجح من أهم الأسباب التى نتج عنها عدم استقرار الاسلام وانتشاره فى الهند قبل الفتح الغرني .

فلقد كان الفتح العربى بدء تاريخ جديد للهند حفل بأعظم الحوادث التى مرت بالعالم الهندى من قبل ، ولقد تأثر الهند بتلك الحوادث تأثرا قلب الكثير من أوضاعه وتغلغل في المهم من نواحى حياته ، فاخذ يتطور تبعا لحالات الدول التى تقلبت على النفوذ فيه ، وأخذت اسباب نهوضه تسابر من على رأسه التاج وبيده الصولجان ، فتارة تكون الحرب العوان ، ونقيعها القائم وتارة يكون الاستقرار وما يستتبعه من النشاط الثقافي ، وأخرى تكون الحالة مزيجا من الحرب ومفاحآتها والسلام ، وهدئه فإذا أنت قرأت تاريخ السلطان محمد أبي المظفر الغوري طالعتك سلسلة من الفتوحات التى ركزت سلطان الدولة الغورية فى الهند ، وإذا أنت قرأت تاريخ السلطان أكبر أبي الفتح جلال الدين محمد تمثلت لك نهضة ثقافية قطعت بالهند شوطا كبيرا ، وانت تقرأ مزيجا من هذه وتلك اذا ما قرأت تاريخ بابر ظهير الدين محمد .

ولقد تعاقبت على سلطنة الهند بعد فتح السلطان محمود بن سبكتكين الحكومة الغزنية ، ورأسها السلطان محمود بن سبكتكين ، والحكومة السلجوقية ، والحكومة الغورية ، وحكومة المماليك ، وحكومة آل فال فالجى

الافغانية ، وحكومة ال طغلق التركية ، وحكومة السادات ، وحكومة اللوديين وحكومة المغوليين ، ولقد أخذت هذه الحكومات الاسلامية التى استمر عنفوانها اكثر من ثلاثة قرون وربع القرن تدعو للاسلام وتنشر تعاليمه ، فما لبث الهنود ان عرف الكثير منهم فضيلة الاسلام وسمو مبادئه وتعاليها عن نظام الطبقات الذي يجعل من الانسان المكرم حشرة نجسة تفرض عليها الطبقات الارستقراطية اقسى العقوبات الاجتماعية وارهقها ، وما لبثت المجوسية الخرقاء أن تبخرت من قلوب الكثيرين بطقوسها الشاذة المضحكة . .

على أن هذه الحكومات ليست هي كل الحكومات الاسلامية التى حكمت فى الهند ، ولكنها اعظمها ، فهناك حكومات اسلامية اخرى غير هذه ، كحكومات بلاد الدكان المسماة الحكومة الباهمانية ، وحكومة البنغالة ، وحكومة اوض .

وهذه الحكومات الاسلامية ، وإن سادت الهند وهيمنت على مقدراته لكنها لم تستطع أن ترضخ الهند جميعه الا في عهد الفاتح الاكبر اورنغزيب المغولي فقد امتد سلطان المملكة الغورية فى عهده من " كابول " شرقا إلى " أراكان " غربا ، ومن جبال الهملايا شمالا ، الى الكارنات جنوبا وقد خضعت لدولته راجات ( ١ ) الهند وانزوت عنها راناته ( ٢ ) ، وسميت " بنارس " البلد التى يحج لها المجوس ، " محمد آباد " وبني على انقاض المعبد الهندوسى ، المسجد الأعظم ؛ فهذه الحدود كما نراها تشمل أصقاع الهند العامرة الشاسعة ، وذلك النفوذ كما يتجلى لك نفوذ قاهر متغلب .

وهذه الحكومات الاسلامية ، وان لم تستطع أن تجعل أغلبية الشعب الهندى مسلمة فانها ولاشك تركت خلفها الاسلام مدعما بروح حية تبعث فى كل جيل الاعتزاز بالاسلام والانتصار له والتضحية فى سبيل توطيده فى ربوع الهند المسلمة التى زهيت ومازالت تزهي بآثار الاسلام الخالدة المشرقة

ثم كان الاستعمار البريطاني الذي بدأ بالتدخل التجارى ومالبث ان اصبح تدخلا شاملا لجميع مرافق الهند ومقدراته ، وأودى بطموح الفرنساوين والهولنديين والبرتغال ، فبموت تيبر صاحب عاهل ميذورى ، بطل ترافانكو عام ١٧٩٩ م تركز النفوذ البريطاني في الهند ، وباعتقال السلطان بها درشاه ١٨٥٧ م انزل العلم الاسلامي الذي خفق طويلا في سماء دهلى ، أم العواصم الهندية ، وبانحلال الشركة الهندية عام ١٨٥٨ أصبحت البلاد تابعة للتاج البريطاني ، ونودى بالمملكة فكتوريا أمبراطورة الهند .

فمن ثم جعلت القضية الهندية تتكاثف حتى تبلورت أخيرا بشكلها الحاضر ، فقد بدأ الشعب الهندى جهاده منذعام ١٨٨٥ م وقد كانت بداية الجهاد تأليف المؤتمر الهندي ، ويتفق جستاف شيتلر صاحب كتاب " عصر الخرافة " مع لوثرب ستودر مؤلف " حاضر العالم الاسلامي " في رأيه عن هذا المؤتمر ، وانه فكرة انكليزية أريد منها توجيه الهند الى الغاية التى تحقق الوضع الذي رسموه للهند

ومن ثم جعلت المسئلة الهندية تتطور مع الزمن ، وجعلت السنون تتمخض عن سلسلة من الحوادث فمن لائحة المجالس الهندية التى نظمها جون مورلى عام ١٩٠٩ الى قانون شامسفورد ، ومونتاجو ، واقتراح تعديل الدستور عام ١٩١٩ الى تقرير لجنة جون سيمون عام ١٩٢٨ والتمثيل الطائفي واعتبار الهند ولايات متحدة ، الى مؤتمر الدائرة المستديرة عام ١٩٣٠ والبحث في تقارير سيمون وبتلر ، واختلاف المسلمين مع الهندوكين في مبدأ التمثيل النسبي ، الى قانون ١٩٣٥ الذي استهدف تنظيم حكومات الهند وجعلها دستورية ذات برلمانات مسئولة ، الى مشروع ستافورد كربس عام ١٩٤٢ الذي رفضه الهنود ، الى محاولة ويفل عام ١٩٤٣ تنظيم حكومة تضم جميع الأحزاب ، الى هذه النتيجة اللامعة التى اتاحت للمسلمين ان يبعثوا ماضيهم باتحاد الولايات الاسلامية تحت علم واحد - علم الباكستان - واتاحت للهندوكيين أن يحققوا ذلك الحلم الجميل لديهم بانشاء حكومة الهندستان .

" والباكستان " بمعناها الذي قصده الشاعر الفيلسوف أبو الاقبال تعنى مجموعة الولايات الهندية الاسلامية ، فالباء تشير الى البنجاب والالف الى الافغان ، والكاف الى كشمير ، والسين الى السند ، وتان الى بلوجستان ، و البا كستان " بمعناها الذي فهمه الهندوكيون : الارض المطهرة ، والبا كستان بوضعها الحاضر وبالنسبة الى الهند خليقة بأن تكون رمزا للولايات الاسلامية المتحدة - لانها ترمز اليها جميعا - وهي خليقة بأن تكون رمزا للارض المطهرة فى الهند ، لأنها تضم خمسة وثمانين مليونا من المسلمين استوطنوا شمال الهند فكونوا اغلبية مسلمة صبغت البلاد بصبغة اسلامية تراها جلية وضاءة في تلك المساجد التى يتعالى من مآذنها النداء الاسلامي صباح مساء : الله اكبرالله اكبر .

اشترك في نشرتنا البريدية