قال لى زميل ونحن فى طريقنا الى احدى ضواحي مكة فى أصيل جميل :
- إن المنهل يا أخي يسير فى طريقه الى النجاح ، ولكن الورق الأسمر لا يليق به ، وعدد صفحاته قليل ، وهذا العدد الممتاز الذي تزمع أن تخرجه للناس يجب ان يكون تحفة فنية رائعة ، وان يصدر على الأقل فى مائتى صفحة من الورق الممتاز الصقيل ، محلى بالرواسم ( الا كلشيهات ) ومختلف الزينات التى تلفت الانظار ..
وقلت للصديق العزيز :
- على رسلك ، يا صديقى ، فما كل ما يعلم يقال . إنني يا سيدى لا أقل شعورا منك بهذا الواجب ، ولكن العين بصيرة واليد قصيرة كما يقولون - وإنما نحن فى سبيل تضحية شاقة طويلة ، نضحى من وقتنا بالثمين ، ومن راحتنا بالغالي ، ومن مالنا بما يرهق ، والسبيل - كما تدرك - ليس مفروشا بالورود والأزهار ، وليس بالمهد الجميل ...
وسكت الصديق وسكت ، واعترانا وجوم ، وكأنما عاد كل منا وقتئذ الى حوصلة همومه يجتر منها مختلف الافكار ، ثم انصرف بنا الحديث بعدئذ الى ما ينصرف اليه عادة من شئون وشجون ...
. . ولكن القافلة تسير ، تسير في طريق قاتم الآفاق قليل المعالم والصوي ولكنها على كل حال تسير . وهذه الواحة الصغيرة : هذا العدد الممتاز ، لقد عملنا كل ما فى استطاعتنا فى سبيل ابرازه فى حلة انيقة ممتازة ، ممتازة فى الشكل
والروح والهدف ؛ وإنه ليبدو اكثر استجابة لمطالب الحياة ومطالب الأدب والثقافة ، وقد تضافرت في اخراجه بهذا اللون وبهذا الحجم اقلام مخلصة تؤازرها القوة ويحفزها الاقدام . وقد عمدنا الى ( اقتراح ) اغلب موضوعاته على الكاتبين ليقيننا بارتفاع مستواهم عن ذي قبل ، فصدنا بهذه الحركة عصفورين دفعة واحدة : لقد سلم العدد من تكرر الموضوعات ، وخرج الأدب عن نطاقه المعتاد المحدود الى محيط جديد .
و ( المنهل ) يرجو ان ينال جهده هذا الضئيل بعض التقدير والتأثير وبعض التوجيه المنشود ، فان هذا الجهد على ضآلة مستواه ، هو جود بالموجود ،
بل باكثر من الموجود .
