هشيم الأدب

Share

لعمر ابيك ما نسب المعلى       الى كرم وفى الدنيا كريم

ولكن البلاد اذا اقشعرت        وصوح نبتها رعى الهشيم

أترى ما ينشره أغلب صحفنا ، من ألوان الادب وبحوثه ، يصح ان يدعى أنه (( أدب )) .. وأدب دسم ونافع لتزجية مركب الحياة فى بلادنا إلى الامام ؟ .. أو انه يسير بالادب نفسه نحو النمو والكمال والازدهار ويقرؤه القارئ الطلعة فيحمد الله ان قد وصل ادبنا الحديث الى هذا المستوى المرموق الذى يبشر بخير وبمستقبل افضل لحياة الادب ؟ ..

ام ترى هذا الذى ينشر اغلبه من ألوان ما يسمى أدبا هو من (( هشيم الادب )) وفتاته ونفاياته ، التى لا جدوى منها للذهن ولا للقراء .. بل هى الى الضرر بكيان الادب ومحبيه وقرائه أقرب منها الى نفعهم ، فهى لذلك تدعوهم الى النفور والى الاشمئزاز من كل ما يطلق عليه اسم

أدب ، ولو كان أدبا نابضا بالحيوية والامتاع والاشراق ؟ ! ..   أما أنا ، وقد برمت ، بهذا الذى يكتب وينشر على أنه من رياحين الادب وازاهيره فأكاد اقولها مدوية : أن أكثر ما نرزأ بقراءته ، أو نمر به مر الكرام اليوم ، مما ينشر على انه أدب ، لا يصح مطلقا ان ندخله فى حظيرة الادب فهو مجرد كلام أجوف ، كتب فى اغراض تافهة ، وباسلوب بدائى ، ويتعاطاه نفر من ادعياء ، ونفر من ناشئة ، واطفال كبار ، واطفال صغار فتراهم يجولون وهميا لا حقيقيا ، فى كل مجال ، بكل شجاعة واقدام .. ولابدع ان يفعلوا ذلك فقد خلا لهم الجو ، وهجر الديار معمروها ، وهجر الحدائق منموها ومثمروها ، فهم من امر أدبهم هذا كما قال الشاعر فى قنبرته :

خلا لك الجو فبيضى واصفرى        ونقرى ما شئت ان تنقرى   وآية ذلك اننا أصبحنا نقرأ اليوم لبعض الناشئة فى تمجيد زملائهم من الناشئة : ان فلانا كاتب كبير .. وفلانا شاعر عبقرى مجيد ..

وبعد فقد وصل بنا الحال الى حالة يرثى لها .. يفرض علينا صباح مساء أن ترعى أفكارنا طبعيا ما لا يسمن ولا يغنى من جوع من (( هشيم الادب )) .. ولذلك لا غرو ان نسئ الظن بالادب نفسه ، أو نسئ الظن بأنفسنا ، أن كان هذا الذى تفرض علينا قراءته ، ونمجه مجا ذوقيا عميقا ، من صميم الادب وأفنانه الحية اللامعة .. وأغلب الظن ان هذا الادب المتبذل اذا تمادى فى سيره هكذا منتشرا بالعرض والعمق والطول ، ومادا ظلاله الباهتة على الآفاق ، فان عصرا تقهقريا مريعا سيحيق بأدبنا ، ولا محالة ان ستعود

به الحال الى ما وراء نصف قرن من الزمان .. حيث كان اروع الانتاج الادبى السائد اذ ذاك قولهم : (( حضرة جناب سيدى الوالد ، كثير الفضل والمحامد )) ..

أما إذا نمكن الادب الحقيقى من اخماد انفاس هذا الزيف السائد ووقفه عند حده ، فان ادبنا سينجو حينئذ من بلاء مستطير ، ومن داء وبيل حاطم ولكنه مع ذلك سيبقى ردحا من الزمن بحاجة ماسة الى دور من النقاهة بسبب عمق هذا الداء الكارب الناشب فى هيكله الفضى الجميل .. كى يتمكن بعد اجتيازه هذا الدور من متابعة سيره الى الامام ، كأدب حى نافع ، ذى شخصية جذابة محترمة ، وأنفاس زكية طاهرة ، وأهداف عالية نبيلة ، وأسلوب مشرق ، وكيان واع تقدمى ، جدير بالحياة والخلود .

اشترك في نشرتنا البريدية