قال الله تعالى " فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء اخيه " وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " كونوا اوعية الكتاب ، وينابيع العلم "
هيا بنا الى آفاق أرحب . . هيا بنا الى جولات خاطفة في انحاء الدنيا والدين . والعلم والسياسة والأدب والاجتماع والتاريخ والعمران . .
فى برنامجكم هذا الجديد . . " أوعية وغلال " ستسمعون ان شاءالله الى مفارقات فى الحياة ، وملاحظات على هامش المجتمع ، وآراء في الأدب والعلم ، ونظرات في السياسة والاخلاق ، ونقدات عابرة . . واني لأرجو ان يكون في ذلك بعض الافادة والامتاع من غير ارهاق للفكر ولا اعنات وان تكون أوعية هذا البرنامج مليئة على الدوام بالغلال المغذية الشهية النافعة .
ولا اكتمكم الآن وأنا فى مستهل برنامجى ان اتحدث اليكم عن مدى ما تحملته من تفكير ومراجعة وتمحيص من أجل خواطركم العزيزة ابتغاء التوفيق في وضع اللبنة الاولى والحجر الأساسي في عمارة برنامجكم الخاص . فقد فكرت أول ما فكرت في ان اجعل
عنوان هذا البرنامج " اهراء واغلال " بفتح همزة اهراء طبعا . . ولكن اتفق بعد ذلك ان صديقا سألني بالطائف عن هذا البرنامج ولكنه كسر همزة " اهراء " وقال لى : " اهراء وغلال ومن البدهى ان الاهراء بهمزة مكسورة هو غير الاهراء بفتحها . .
وهو أقرب الى معنى الهراء والمجون . وعندها رأيت من الحكمة ان ابادر الى تعديل هذه الكلمة الى كلمة اخرى لا يتسنى للألسنة ان تحولها بمثل هذه السرعة الخاطفة والسهولة المواتية الى معنى غير مقصود وبحثت كثيرا ورأيت ان اجعل عنوان البرنامج هكذا " انبار وغلال " ولكنى تذكرت
بعد ذلك سريعا ايضا المناسبة القائمة بين صيغتي اهراء وانبار " ان هذا الذي قوبلت به كلمة اهراء من التحريف عن اللفظ السوى سرعان ما ستقابل به زميلتها الجديدة " انبار " فالصيغة واحدة كلتاهما بدئتا بالهمزة المفتوحة وبعدها السكون وشتان بين
" انباء " بفتح الهمزة وانبار بكسرها . . وهكذا رجحت ايضا العدول عن صيغة " انبار " الى صيغة اخرى . . فهيا الى البحث من جديد ! . . واثناء البحث الجديد تهيأت لى كلمة " اخراج " جمع خرج لاضعها قبل " غلال " ليكون العنوان " اخراج وغلال " . ولكنى لمست ايضا ما بين هذه الصيغ الثلاث من تماثثلى لفظي وشكلي فكل ما يعترى بعضها من التحريف سيكون بعضها الآخر عرضة لمثله على السنة الناس .
ومن ثم قررت العدول عنها اسوة بزميلتها وازمعت الخروج من هذا المأزق دفعة واحدة الى ميدان ارحب ووجدت كلمة " سلال " بكسر السين فرأيتها رنانة مواتية . . ولما وضعتها بجانب " غلال " وجاء العنوان هكذا " سلال وغلال " بدا لى مافي العنوان من انسجام وجرس بديع . . ولكنى
وانا اقلب وجوه كلمة " سلال " هذه سرعان ما ادركت سهولة تحويلها الى صيغة " سلال " بضم السين . . ومعنى السلال اعاذنا الله واياكم من كل سوء هو مرض الصدر الوبيل . . فقلت في نفسي : ومن يدريني ان من الألسنة الخفيفة من يعدل عن كسر سي " سلال الى ضمها وهنا يكون انقلاب المعنى
الهائل تبعا لانقلاب المبنى السهل الميسور . .
وقد عدلت اذن وبطبيعة الحال عن صيغة " سلال " مطلقا ومضيت ابحث عن كلمة اخرى ليس فيها احتمالات ولا وجوه واخيرا وفقت الى صيغة " أوعية " وحمدت الله على العثور عليها . . وهكذا جاء عنوان برنامجنا هذا . . " أوعية وغلال " وقد جاء هكذا بعد الدرس والبحث والاستقصاء
واذا كان الشئ بالشئ يذكر فندخل من الآن في برنامجنا الخاص . فان من الملاحظ على كثير من خفيفي ميزان التعليم شغفهم بكسر الهمزة المفتوحة التى ترد في أوائل الكلمات فتسمع كثيرا منهم يقولون لك " الامن العام " بكسر الهمزة اى الامن العام . . وتسمعهم يطلقون اسم " الاهرام "
بكسر الهمزة على جريدة الاهرام بمصر بل وعلى الإهرام الشامخة نفسها التى بلغت منتهى القوة والتماسك وشتان بين معنى الاهرام الخالدة بفتح الهمزة والأهرام بكسرها الذي هو التوغل في الهرم . بمعنى الضعف والشيخوخة والكبر . وبعد فالى اللقاء ان شاء الله من المستقبل القريب .

