هذا بحث فريد رفيع المكانة عالي الاسلوب مستوعب شامل منسق
ليس الاسلام هو الدين الذى جاء به محمد عليه صلوات الله وسلامه وحسب ، بل هو دين جميع الرسل الذين سبقوه ، لان الاسلام في حقيقته التى عرفها الرسل ومناوئوهم هو التوحيد : توحيد الله ونفى الشريك ، فالاسلام دين الرسل جميعا . ولكنه اشتهر بانه الدين الذى جاء به محمد . لان الديانات السماوية السابقة مثل دين نوح وابراهيم قد ذهبت ، وديانة موسى وعيسى قد حرفت وانحرفت ، فلم يعد لديانتهما الحقيقية وجود ، ولم تعرف كل الديانات السابقة لدى الباحثين بالاسلام لانهم جهلوا نصوصها الصحيحة .
أما الاسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فاشتهر به لانه دعا اليه ونشر اسمه وحقيقته ودعوته فعرفه الناس ، فالاسلام دين كل الرسل . والقرآن الكريم يقول : ( ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الذين اوتوا الكتاب الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فان حاجوك
فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) .
فدين الله هو الاسلام . سواء أبشر به نوح أم ابراهيم أم يعقوب أم عيسى أم موسى . وكل الرسل بشروا بالاسلام وكانوا مسلمين والاسلام دين التوحيد والتنزيه ، توحيد الله بالعبادة وتنزيهه عن الشرك ، وهو أن يسلم المؤمن وجهه لله ، لا لاثنين أو اكثر . والا بطل الاسلام واستحال كفرا وشركا , واسلام الوجه لله الاتجاه اليه وحده دون سواه مما لفقه او اخترعه الوثنيون من آلهة وارباب دعوا إليها وعبدوها من دون الله فهؤلاء لم يسلموا وجوههم لله بل اسلموها لغيرها .
والقرآن الكريم يثبت ان الاسلام هو دين كل الرسل اذ يقول : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب . وما تفرقوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم )
وأول المرسلين نوح ، يقول الله على لسانه ( وأمرت أن أكون من المسلمين )
ويقول القرآن فى ابراهيم واسماعيل . ( واذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا وإجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك )
ويقول القرآن في ابراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من
سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين . إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين . ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . أم كنتم شهدا إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) .
ويقول القرآن الكريم على لسان يوسف عليه السلام : ( أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقنى بالصالحين ) .
ويقول على لسان موسى عليه الصلاة والسلام : ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) .
ويقول فى عيسى عليه السلام : ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وإشهد بأنا مسلمون )
والقرآن الكريم يوجز ديانات الرسل جميعا ومعتقداتهم فيقول ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) .
فالاسلام دين جميع الرسل ، ودعوتهم واحدة . ولا فرق بين أحد منهم في الدعوة , فهى قائمة على التوحيد الحق لا التوحيد المعروف لدى اليهودية بعد انحرافها عن ديانة موسى ، ولا توحيد أخناتون فرعون مصر , لان هذا التوحيد وثنى ، فهو قائم على توحيد آله لقوم لا يعبدون سواه مع الاعتراف بآلهة
الآخرين ، فهو توحيد قائم على الشرك لا التوحيد والتنزيه .
أما التوحيد الذى دعا اليه جميع الرسل فهو قائم على توحيد الله عز وجل فى ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ، وتنزيهه عن الشريك ، ونفى كل المعبودات والمعبودين الا الله وحده ، وهذا هو توحيد الاسلام . والاسلام دين الرسل جميعا ، وما دعوا اليه هو التوحيد الحق .
ولا خلاف بين الرسل في الاسلام عقيدة وان كان هناك خلاف في الشريعة بينهم . لأن التعامل البشرى الذى تحدده الشريعة وتنظمه منظور فى شرعته الى تطور الانسان ، فكلما تقدم الانسان تقدمت معه شرعته ، لأن ما يحدثه التطور من تجديد ورقى وتقدم وعمران يقتضى ان تستوعب الشريعة احكامه وقضاياه
ولما كان الاسلام خاتم الأديان كان من الضرورى أن يأتى بشريعة تختم كل الشرائع ومن هنا كانت شريعة الاسلام صالحة لكل زمان لانها شريعته ، ولكل مجتمع لانها حياته الفاضلة المهذبة .
وليس في الارض شريعة صالحة كشريعه الاسلام ، وما من مزية صالحة في أى شرع كان الا والاسلام يحويه على أكمل ما يكون ، لان شريعة الاسلام هى شريعة الله ، وما ثم شرع أكمل من شرع الله ، ولا خير منه للانسانية كلها .
وليس للشريعة الاسلامية الا مصدر واحد هو الله عز وجل وحده لا شريك له ، سواء أكان ما في الشريعة من كتاب الله جل جلاله أم سنة رسول الله عليه وسلم , وكلاهما وحى الله .
أما الفقه الاسلامى فله مصادر معدودات .
يختلف عددها بين الفقهاء ومذاهب الفقه ، والاتفاق قائم على ان هذه المصادر ثلاثة . وهى : الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، ولا خلاف في هذا بين جميع الفقهاء فهم مجمعون عليها بالاتفاق .
أما المصادر الاخرى للفقه الاسلامى فسبعة غير ثلاثة المصادر المتفق عليها . وهذه الثلاثة تعتبر المصادر الاصول ، وأما السبعة الأخرى فمنها مصدر يعتبر اصلا وهو القياس . وان شذ عن الجماعة ابن حزم الظاهرى ، والمصادر الستة الاخرى روافد للمصادر الاصول .
ومن أوجه الخلاف بين الفقهاء والمذاهب أن الظاهرية لا ترى غير ثلاثة المصادر الاولى ، في حين ان الشافعية تضيف الى الثلاثة الاولى القياس والاستصحاب ، والحنفية تزيد على الشافعية بمصدرين آخرين هما : العرف والاستحسان ، والحنابلة تضيف المصالح المرسلة وسد الذرائع الى الخمسة التى تأخذ بها الشافعية .
والمالكية تأخذ خمسة المصادر التى لدى الشافعية ، مضافا اليها مصدرا الحنفية ومصدرا المالكية ، وتضيف الى هذه التسعة مصدرا عاشرا وهو عمل أهل المدينة .
ومن الفقهاء من يضيف الى هذه المصادر مصدرين آخرين هما : شرع من قبلنا شرع لنا وعمل الصحابى .
ومصدر (( شرع من قبلنا شرع لنا )) لا أراه مصدرا . فشرعنا ناسخ لما سبق من الشرائع فان كان فى شرعنا حكم موجود فى شرع من سبقنا فهو بشرع الاسلام ، لم نأخذه عن شرع السابقين ، بل اخذناه من الاسلام ، بدليل انه لو لم يردنا من الاسلام لم نأخذ به .
ومصادر الفقه الاسلامي التي نص عليها الفقهاء هى التى اكسبت الفقه الاسلامى مرونة تجعله صالحا لكل زمان ومكان .
وفي وسعنا ان نجعل الفقه الاسلامى فقها عالميا اذا عرضناه باسلوب العصر ، وتناولنا جديده من وجهة نظر الاسلام وحكمناه في القضايا والامور التى انبثقت من الحضارة الحديثة ، والفقه الاسلامى فرع من شريعة الاسلام السمحة الطيبة الكاملة .
والفارق بين الشريعة والفقه ان الشريعة كاملة لا مجال لاجتهاد فيها .
أما الفقه فمجال الاجتهاد فيه واسع , ويجب أن يصدر الاجتهاد من الايمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن العلم الواسع بالشريعة ، ومن حسن الخلق ، ومن الفضائل ، ومن الشروط الصعبة التى يجب ان تتوافر فى المجتهد ، فعمل الصالحين القائم على استنباط الاحكام العملية من أدلتها التفصيلية اجتهاد .
اما اجتهاد المفسدين فلا يسمى اجتهادا ، بل هو بدعة وضلالة ، مثل ذلك مثل الخوارق التى تتم على أيدى الانبياء والصالحين فهى معجزة وكرامة ، وما يجرى على ايدى المفسدين انما هو ضلال يجب امتهانه ورده ، كما يجب تقدير خوارق الصالحين .
ويجب أن يعرف الفارق بين الشريعة والفقه حتى يعرف ما يجوز فيه الاجتهاد وما لا يجوز ، وما يجوز الاختلاف فيه أو تركه ، فالشريعة في عمومها تحوى الفقه الاسلامى كله لانه فرع منها ، ثم تصبح الشريعة في مجال الاحكام ذات مدلول خاص ومفهوم خاص ، فالشريعة فى العموم تحوى العقيدة ومنهاج
الحياة وكل ما يتم فيها او يجرى بسببها من تعامل بين البشر ، والشريعة في خصوصها تحوى كل ما ينظم التعامل بين بنى الانسان في جميع الظروف والاحوال ، فالشريعة في مجال الاحكام الثابتة ثبوتا قطعيا لا بد من الايمان بها وبصلاحها وحقها ، والا خرج من لا يعتقد ذلك عن الاسلام كله .
فالشريعة الاسلامية تحوى الاصول الثابتة في الاعتقاد فالاخلاق فالتعامل ، وكان في عصر الاسلام الاول يطلق الفقه على الشريعة بأنواعها الثلاثة ، ثم لما تشعبت العلوم صار لكل نوع اسم خاص ، فعرف الاعتقاد بعلم التوحيد وعلم الكلام ، وعرف الخلق بعلم الاخلاق ، وعرف التعامل بعلم الفقه .
فالاعتقاد يتعلق بالايمان بالله وذاته وصفاته واسمائه وأقواله وأفعاله وبرسله وكتبه وملائكته وبالقدر خيره وشره ، وباليوم الآخر .
والاخلاق بما يستحب أن تكون في الانسان وما لا يستحب ، فما يستحب : اللين والسماحة والكرم والتواضع والخلائق الانسانية كلها ، ومما لا يستحب : الغلظه والفظاظة والكبر والبخل وما أشبه هذه الاخلاق الكريهة .
والتعامل ينقسم الى قسمين : الاول - ما يتصل بالعبادات التى يجب صرفها لله وحده مثل الصوم والصلاة .
الثانى - ما يتصل بمعاملة الناس بعضهم بعضا فى كل شؤون الحياة والمجتمع . وتحوى معاملة الافراد والجماعات والمجتمعات والاقطار والدول بعضهم مع بعض في جميع الظروف والاحوال سلما وحربا منشطا ومكرما شدة ورخاء ، والتعامل يأتى في المرحلة
الثالثة الاخيرة ، لان أول ما يجب على الانسان هو الاعتقاد الحق السليم ، وبعده التخلق بالاخلاق الكريمة ، ثم يأتى التعامل بعدها ليكون صادرا منهما ، فالشريعة على المعنى الأعم الأشمل هى الاسلام أو كأنها الاسم المرادف له ، لانها تحوى العقيدة وآداب السلوك والمعاملة ، وعرف التعامل بعلم الفقه بعد قيام حدود بين العلوم المختلفة وتعريفها وبيان خصائصها .
وكل احكام الشريعة قطعية ، لانها أصول لا يجوز معها اجتهاد الا فى الاستنباط والقياس عليه وما يتفرع من هذه الاصول من المقاصد الحسنة التى قصدها الشارع من شرعه الحكيم .
والشريعة ما صدر من الكتاب والسنة ، لانها فى حقيقتها من الله الذى شرع للناس من الدين ما وصى به الانبياء جميعا ، فالكتاب من الله لانه كلامه الحق المبين , والسنة قولا وعملا من وحى الله ، فهى من الله لانه سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه العزيز : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنهم فانتهوا ، وما ينطق عن الهوى ) ويقول الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم : (( انى اوتيت القرآن ومثله معه ، ألا وان ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما حرم الله ))
فالشريعة صادرة من الله ، هو وحده أحل الحلال وحرم الحرام ، والاصول الثابتة من احكام الشريعة ، وهذه الاحكام قطعية ملزمة . ولا يجوز بحال من الاحوال اهمالها واغفال الاخذ بها او استبدال غيرها بها . لان فى ذلك خروجا على الاسلام ومروقا منه .
أما الفقه الاسلامى فهو يحوى الأصول الثابتة من احكام الشريعة القطعية الورود والدلالة كما يحوى الفروع ، فما كان من الاصول لا يجوز تركه أو تخطيه او الخيرة فى أخذه أو تركه ، بل هو ملزم الاخذ به فى جميع الاحكام كل الالزام .
أما الفروع التى اجتهد فيها الفقهاء وتعد من آرائهم المبنية على أصول الشريعة فيجوز فيها الخلاف ، وتجوز فيها الخيرة فى الاخذ والترك وبخاصة فيما اعتمد فيه على المصالح المرسلة والاستحسان والمقاصد الحسنة والعرف والاستصحاب والذرائع والقياس غير المجمع عليه .
وأحكام الشريعة مما ورد فى الفقه كأحكام العقيدة واجبة الاخذ ، وتركها كفر اذا كان التارك معتقدا عدم صلاحها ، واذا كان معتقدا صلاحها وتركها فتلك معصية كبرى ، لأن هذه الاحكام الفقهية الواردة في الشريعة ومنها الى الفقه وحي مقدس .
أما أحكام الفقه الاجتهادية التى لم يرد فيها كتاب وسنة فلا ضير من مخالفتها أو تركها اذا وجد ما هو خير منها ، وكلمة الامام ابى حنيفة رضى الله عنه : (( ان كنتم رجالا فنحن رجال )) صحيحة ، فالاجتهاد الاقوى أولى بالاخذ من الاجتهاد القوى ، ويجوز أخذ الثانى اذا كانت الظروف والبيئة الاجتماعية قابلتين له وراضيتين به .
ان الشريعة والفقه يلتقيان في الاحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة ويفترقان في كثير ، فالشريعة تتفرد في العقيدة وأحكامها وأركانها وشروطها ، ويتفرد الفقه في الاحكام
التى أوجدها اجتهاد المجتهدين من الفقهاء والعلماء .
واطلاق كلمة الشريعة على الفقه تجاور وتسامح ، وفي هذا الاطلاق ما لا يتفق مع الحق ، بل قد يؤدي الى المعصية ، وقد يؤدي الى الكفر ، فاذا اطلقت الشريعة على كل ما جاء فى الفقه مما ورد في الكتاب والسنة واجتهاد المجتهدين مما ليس فيه نص أو حكم فقد عرضنا الشريعة لما لا يحق من القال والقيل
فالامام ابن تيمية اجتهد ورأى جواز اعطاء بنى هاشم الزكاة ، وأيد رأيه ببراهين ، مع ان نص الحديث الشريف واضح فى منع الزكاة عن بنى هاشم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ان الصدقة لا تنبغى لآل محمد انما هى اوساخ الناس )) رواه مسلم ، وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال : أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة فقال النبى صلى الله عليه وسلم (( كخ ، كخ . . ( ليطرحها ) أما شعرت انا لا نأكل الصدقة )) متفق عليه .
بل لا تحل الزكاة لموالى بنى هاشم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ان الصدقة لا تحل لنا وان موالى القوم من أنفسهم )) رواه احمد وابو داود والترمذى .
فالرأى الذى رآه ابن تيمية من اجتهاداته ، وهو فقه ، ولكنه ليس شرعا ، ولو كان شرعا لما صح رده ، بل لوجب الاخذ به ، ولكنه لما كان فقها ، وكان من القسم الاجتهادى جاز رده أو مخالفته .
والتفرقة بين الشريعة والفقه معروفة بعد أن أخذ الفقه معناه الذى اصطلح عليه ، فقد ذكر أبو اسحاق الشاطبى ( ابراهيم بن موسى
الغرناطى المالكى المتوفى ٩٧٠ في كتابه الموافقات ١ : ٨٨ ) : ان معنى الشريعة انها تحد للمكلفين حدودا في افعالهم واعتقاداتهم وهى جملة ما تضمنته .
فالشريعة في مفهوم الشاطبى الدين وليس الفقه ، لان الفقه لا يتناول المعتقدات ، ولم يكن له مفهوم في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عصر الصحابة ما فهم منه اصطلاحا ، بل كان الفقه هو العلم بالدين .
وللامام ابن تيمية تفصيل فى بعض كتبه وفتاواه فى الشريعة نقتصر منه على قوله : (( وكذلك الشريعة والشرع والشرعة فانه ينتظم كل ما شرعه الله من العقائد والاعمال ))
ومقصود هؤلاء الأئمة في السنة باسم الشريعة العقائد التى يعتقدها أهل السنة من الايمان مثل اعتقادهم ان الايمان قول وعمل ، وان الله موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ، وان القرآن كلام الله غير مخلوق ، وان الله خالق كل شئ وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وانه على كل شئ قدير ، وانهم لا يكفرون أهل القبلة بمجرد الذنوب ، ويؤمنون بالشفاعة لاهل الكبائر ونحو ذلك من عقود أهل السنة فسموا اصول اعتقادهم شريعتهم وفرقوا بين شريعتهم وشريعة غيرهم .
(( وهذه العقائد التى يسميها هؤلاء الشريعة هي التي يسمى غيرهم عامتها : (العقليات) و (علم الكلام) أو يسميها الجميع ( أصول الدين ) ويسميها بعضهم (الفقه الاكبر ) ، وهذا نظير تسمية سائر المصنفين في هذا الباب ( كتاب السنة ) كالسنة لعبد الله بن احمد والخلال والطبرانى والسنة للجعفى وللأشرم ولخلق كثير صنفوا
في هذه الابواب وسموا ذلك كتب السنة ليميزوا بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل البدعة . .
(( فالسنة كالشريعة هى ما سنه الرسول وما شرعه فقد يراد به ما سنه وشرعه من العقائد ، وقد يراد ما سنه وشرعه من العمل وقد يراد كلاهما ، فلفظ السنة يقع على معان كلفظ الشرعة ، واسم السنة والشرعة قد يكون في العقائد والاقوال ، وقد يكون في المقاصد والافعال ، فالاولى فى طريقة العلم والكلام ، والثانية في طريقة الحال والسماع ، وقد تكون فى طريقة العبادات الظاهرة والسياسيات السلطانية ، فالمتكلمة جعلوا بازاء الشرعيات ، والعقليات أو الكلاميات , والمتصوفة جعلوا بازائها ، الذوقيات والحقائق ، والمتفلسفة جعلوا بازاء الشريعة ، الفلسفة ، والملوك جعلوا بازاء الشريعة ، السياسة .
(( وأما الفقهاء والعامة فيخرجون عما هو عندهم الشريعة الى بعض هذه الأمور ، أو يجعلون بازائها العادة او المذهب او الرأى . والتحقيق ان الشريعة التى بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وسلم جامعة لمصالح الدنيا والآخرة .
(( والأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطل ، وما وافقها منها فهو خير حق .
ومعلوم ان القضاء فرع من فروع الشريعة والا فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا .
(( والشريعة انما هى كتاب الله وسنة رسول الله وما كان عليه سلف الامة في العقائد والاحوال والعبادات والأعمال والسياسات والاحكام والولايات والعطيات ،
ثم هى مستعملة فى كلام الناس على ثلاثة انحاء : شرع منزل ، وهو ما شرعه الله ورسوله ، وشرع متناول ، وهو ما ساغ فيه الاجتهاد ، وشرع مبدل ، وهو ما كان من الكذب والفجور الذى يفعله المبطلون بظاهر من الشرع او البدع أو الضلال الذى يضيفه الضالون الى الشرع والله سبحانه وتعالى أعلم .
وبما ذكرته في مسمى الشريعة والحكم الشرعى والعلم الشرعى يتبين انه ليس للانسان ان يخرج عن الشريعة في أموره ، بل كل ما يصلح له فهو في الشرع من أصوله وفروعه واحواله واعماله وسياسته ومعاملته وغير ذلك ))
ويقول ابن تيمية : -
صنف سوغوا لانفسهم الخروج عن شريعة الله ورسوله وطاعة الله ورسوله لظنهم قصور الشريعة عن تمام مصالحهم جهلا منهم او جهلا وهوى او هوى محضا .
(( صنف قصروا فى معرفة قدر الشريعة فضيقوها حتى توهموا هم والناس انه لا يمكن العمل بها ، وأصل ذلك الجهل بمسمى الشريعة ومعرفة قدرها وسعتها والله أعلم .
ومن العلماء والعامة من يرى ان اسم الشريعة والشرع لا يقال الا للاعمال التى يسمى علمها علم الفقه ، ويفرقون بين العقائد والشرائع او الحقائق والشرائع ، فهذا الاصطلاح مخالف لذلك ))
والواقع انه لا خلاف في مفهوم الشريعة بين من اشار اليهم ابن تيمية سواء في ذلك المتكلمون والفلاسفة والمتصوفون والفقهاء . فكلهم فهموا من الشريعة ما جاء فى الاسلام
كله من عقيدة وأقوال وافعال منصوص عليها في الكتاب والسنة ،
فابن رشد عندما تكلم فى رسالته ( فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ) فهم من الشريعة ما فهمه غيره ، فهو يقول فيها : ( ان مقصود الشرع انما هو تعلم العلم الحق والعمل الحق ، والعلم الحق هو معرفة الله تعالى وسائر الموجودات على ما هى عليه ، وبخاصة الشريعة منها ، ومعرفة السعادة الاخروية والشقاء الاخروى . والعمل الحق هو امتثال الافعال التى تفيد السعادة وتجنب الافعال التى تفيد الشقاء ، والمعرفة بهذه الافعال هى التى تسمى العلم العملى , وهذه تنقسم قسمين : احدهما افعال ظاهرة بدنية ، والعلم بهذه هو الذى يسمى الفقه . والقسم الثانى أفعال نفسانية مثل الشكر والصبر وغير ذلك من الاخلاق التى دعا اليها الشرع او نهى عنها ، والعلم بهذه هو الذى يسمى الزهد وعلوم الآخرة )) .
واذا اطلق بعض العلماء على الفقه اسم الشريعة فباعتبار الاصل لان الفقه في حقيقته مأخوذ من الشرع أى من الكتاب والسنة , والفقه السني شرع صحيح ما دام مصدره الكتاب والسنة ، ومنصوصا على احكامه في القرآن والحديث .
فعلى هذا الاعتبار يمكن اطلاق لفظ الشرع او الشريعة او الشرعة على علم الفقه . الا ان التفرقة بين الفقه والشريعة ضرورة لتفادى ما يقع من الاجتهاد ، وليس الفقه في حقيقته مجردا عن المعتقد ، بل أصول الفقه ، والفقه النبوى كله قائمان على الايمان .
فالمسلم مؤمن بأن الصلاة والزكاة والصوم والحج فرائض فرضها الله وأمر بادائها ، واداء المسلم اياها طاعة لامر الله ، وكل ما يؤدي المسلم من الافعال سواء أكانت عبادة مصروفة لله وحده أم أعمال دنيا كالكسب والتجارة فانما هو مصدره الايمان .
والايمان حارس المسلم من داخل نفسه وان كانت عيون الناس غافلة عنه او غير ناظرة اليه ، فما دام المسلم مزودا بالايمان فهو منزه عن الحرام ، فاذا وقع فيه فمعنى ذلك ان الايمان ابتعد عنه حين ممارسة الحرام
يقول رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام : (( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس اليه أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن )) . ( البقية في العدد القادم ) ان شاء الله

