نشرت الجريدة اليومية - الشرق الاوسط - الصادرة بالعربية فى لندن وجدة بتاريخ الخميس 14 جوان 1979 فى نفس الوقت حديثا صحفيا اجراه مندوبها الخاص بتونس مع السيد محمد مزالى وزير التربية القومية تناول فيه كل المعضلات التعليمة والتربوية والحضارية التى يعيشها عالمنا العربى والتى وجدت الحل او هى فى طريق الحل او مازالت تبحث عنه ، ووصفت الجريدة هذا الحديث بانه صريح وادرجت الاسئلة والاجوية بعد المقدمة التالية
(( محمد مزالى الوزير التونسى للتربية القومية وعضو المكتب السياسى فى حزب الرئيس بورقيبة ورئيس اتحاد الكتاب التونسيين ونائب رئيس اللجنة الاولمبية الدولية قد جمع بين السياسة والادب والرياضة ، وتوفق الى حد كبير فى ان يجعلها تصب كلها فى مسار واحد هو مسار الحضارة العربية الاسلامية ، وان يحولها الى اداة قوية للكفاح من أجل ربط الناشئة التونسية بمبادىء دينها ودفعها للاعتزاز بمقومات ذاتها واقامة الصلة الدائمة بينها وبين حضارتها الاصيلة ، وتلك مساهمة قوية من تونس فى دفع الحضارة العربية الاسلامية الى الانبعاث المتجدد والاشراقة التى تمكنها من المساهمة الفعلية فى الحضارة العالمية باعتبار ان الحضارة كما يقول السيد محمد مزالى ليست شرقية ولا غريبة ولكنها اخذ وعطاء وزحف وامتداد مستمر ،
(( ومحمد مزالى هو بطل التعريب فى تونس ، والتعريب هنا معناه تحوير برنامج التعليم منذ المرحلة الاولى على أساس ان تكون اللغة العربية هى اللغة الوحيدة لتدريس المواد ، ، كل المواد ولا سيما التاريخ والحغرافيا والفلسفة ،، على ان تدرس اللغة الفرنسية كلغة حية لا كأداة لتدريس المواد ،،
تضاف اليها اللغة الانقليزية ، وهو عنوان تفتح التعليم التونسى على اللغات ، ورفض ذوبانه فى لغة اجنبية ،
مع هذا المفكر العربى والمسؤول الاول عن التربية القومية فى تونس كان جريدة - الشرق الاوسط - لقاء وسؤال وجواب ))
س : بوصفكم رئيس اتحاد الكتاب التونسين ،، ما هى المشاغل التى تشغل الكتاب فى تونس ،
لماذا لا تبلغ اصواتهم الشرق ؟ هل ان اصواتهم ضعيفة أم هناك عوامل أخرى ؟
ج : ان مشاغل الكتاب كثيرة وفى مقدمتها :
I) السعى إلى اعلاء منزلة الكتابة والرفع من شان الادب التونسى وجعله يصدر عن صدق هاحس وقوة ايمان ووضوح رؤية واضطلاع بالمسؤوليه ، ولا يمكن ذلك الا بغرس الثقة فى النفوس وتحرير العقول مما ران عليها من شعور بالحقارة ومركبات نقص زرعها المستعمر فى الاذهان زرعا وغذاها بشتى الوسائلا والطرق مما نتج عنه اعتقاد الكثيرين ان الفكر التونسى عقيم ، فلا خلق ولا ابداع وانه محكوم على التونسيين بان يبقوا مستهلكين لما يرد عليهم من الشرق بالنسبة لذوى الثقافة العربية وما يرد عليهم من الغرب بالنسبة لذوى الثقافة الغربية ناهيك ان ما كان يصدر من دواوين فى الخمسينات ، لم يكن يلقى رواجا كبيرا وان المجلات والدوريات التى ظهرت ما بين 1880 و 1955 لم تعمر الا قليلا فى حين كانت الكتب والمجلات الواردة من الشرف والغرب تجد لها سوقا نافقة واقبالا عظيما ، ولكن هذا الوضع قد تغير شيئا فشيئا منذ الاستقلال اذ اخذت الثقة ترجع الى النفوس ولقد ساعد على ذلك ديمقراطية التعليم وما قامت به الحكومة فى الحقل الثقافى وما انشاته او حفزت على انشائه من دور نشر وتوزيع وما سنته من قوانين واحدثته من جوائز لتشجيع الكتاب والمؤلفين ودفعهم الى الخلق والابداع ، وانه ليسعدنى بصفه شخصية ان اشير الى ان مجلة الفكر التى كان لى شرف تاسيسها سنه 1955 والتى تصدر بانتظام منذ ذلك التاريخ من دون ان تتخلف ولو مرة واحدة عن موعد صدورها الشهرى قد عملت هى الاخرى على تشجيع الكتاب الناشئين وفسح المجال امامهم وساهمت بقسط كبير فى غرس الثقة فى النفوس ،
غير ان هذا لا يعنى اننا تخلصنا تماما من رواسب العقلية القديمة ولا من بعض مرضى النفوس الذين يقاسون آلام التمزق فى متاهات الضياء .
2) ان اتحاد الكتاب يعمل كغيره من المؤسسات المختصة والى جانب بعض الرواد من كتابنا ومفكرينا ومربينا الافاضل على ان يكون الادب التونسى أوفر حظا فى برامج التعليم مما كان عليه فى كل مراحل التدريس ، واننا لنعتقد ان فى ذلك انصافا للادب التونسى وترويجا له وتشجيعا للمواهب الجديدة وتعريفا بذوى المواهب من الكتاب الاصيلين خاصة ،
3) ان من هم اتحاد الكتاب ايضا الذود عن الكاتب التونسى ماديا وادبيا وصيانه حرمته وحقوقه والدفاع عن حريته ونزعته الى الخلق والابداع ،
4) هو يعمل - كذلك - على دعم التعاون بينه وبين كافة اتحادات الكتاب في العالم العربى في جميع المجالات ولا سيما فى خدمة الثقافة العربية الاسلامية واحلالها المكانه اللائقة بها وفى خدمة القضايا المصيرية وفى مقدمتها قضية فلسطين المجاهدة ،
5) نحن نسعى الى ربط علاقات صداقة وتعاون مع كافة الدول ولا سيما الصديقه منها والتى تلتقى واياها على صعيد حضارى وثقافى واحد ونطمح الى نقل اثارنا الى لغتها ونقل ما نراه من روائعها الى لغتنا .
أما لماذا لا تبلغ اصوات الكتاب التونسيين الشرق ؛ فذلك راجع إلى عوامل تاريخية وسياسية شتى ،،، لعل اقساها واشدها الستار الحديدى الذى اقامه المستعمر طيلة عقود طويلة بين جناحى العروبة بغية عزل المغرب العربى عن المشرق العربى سياسيا وثقافيا وبالتالى حضاريا ،، ولئن اخفق المستعمر فيما رمى اليه اذ بقى المغرب العربى موصول الانباض بالمشرق العربى ،، أى بمنزل الوحى ، وبكل ما يصدر عنه من انتاج فكرى واديى فاننا نلاحط بكل مرارة ان اخواننا بالمشرق لم يبذلوا من انفسهم ما يجعلهم يطلعون - او يتطلعون - الى نتاجنا الفكرى والادبى رغم غزارة هذا الانتاج وروعة الكثير منه ، وانك لو سألت اخواننا عمن يعرفون من الشعراء والأدباء التونسيين مثلا لوجدت ان معرفتهم لا تكاد تتجاوز ابا القاسم الشابى الذى كانوا تعرفوا عليه عن طريق مجلة (( ابولو )) او محمود المسعدى الذى سمعوا به من خلال ما كتبه عنه طه حسين ،،
والغريب ان ظاهرة (( الحب )) فى اتجاه واحد ،،، شنشنة قديمة كان عبر عنها بكل مرارة ابن بسام حين اقدم على تأليف كتابه الذخيرة حيث قال :
(( ،، الا ان اهل هذا الافق ،، ابوا الا متابعة اهل الشرق ، يرجعون الى اخبارهم المعتادة ، رجوع الحديث الى قتادة ،، حتى لو نعق بتلك الافاق غراب ،، أوطن باقصى الشام والعراق ذباب ،، لجثوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما ،،، واخبارهم الباهرة واشعارهم السائرة ، مرمى القضية ومناخ الرذية ،، لا يعمر بها جنان ولا خلد ولا يصرف فيها لسان ولايد ،، وليت شعرى من قصر العلم على بعض الزمان وخص أهل المشرق بالاحسان ؟ ))
وحاشا ان نقول مع ابن بسام فيما يرد علينا من المشرق من كتب ادبية وانتاج فكرى : (( اما آن ان يصم صداها ، ويسام سداها ؟ )) اذ نحن نعمل بكل ايمان وصدق على القضاء على هذه العزلة وجعل التبادل بيننا حقيقة ملموسه ،، واننا ماضون فى هذه السبيل ومواصلون جهادنا لتحقيق هذه الغاية لاننا مؤمنون بعروبتنا ومدركون لتضامننا وواعون بوحدة مصيرنا ،
وعلى كل فانه لابد من ان نعترف بان الوضع الذى اشرنا اليه بدا يتحسن - وان ببطء كبير - نتيجة اللقاءات المستمرة بين اتحاد الكتاب التونسيين والاتحادات العربية المماثلة وبفضل الاسابيع الثقافية التونسية فى العواصم العربية التى من اوجه نشاطها عرض الكتاب التونسى والتعريف به وكذلك بفضل نشاط بعض ممثلينا فى الاقطار العربية ومبادرات ثلة من رجال الثقافة والصحافة العرب الذين يدفعهم وعيهم وعروبتهم الاصيلة الى البحث والتنقيب عن المواهب العربية حيثما وجدت وانه لمن الضرورى اولا وآخرا ان تنكب وزارات التربية والثقافة فى الاقطار العربية على اقرار اسس التبادل والتعارف الحقيقى بين الادباء العرب حيثما كانوا وعلى تعريف الناشئة العربية بمختلف ملامح الادب العربى المترامى الاطراف ،
س : فى كتابكم (( مواقف )) قلتم ان وحدتنا القومية تقتضى منا الإيمان باننا أمة قبل كل شئ ومعرفة مقوماتنا ثم العمل على تغذية هذه المقومات وجعل الاجيال الصاعدة تتعرف اليها وتتغذى منها وتعتز بها ثم تعمل بدورها الاجيال على اشاعتها وتنميتها وتبلغ الامانة الى الاجيال التى تاتى بعدها ، ، فهل تعتقدون أن تونس تكون بشعبها الصغير المتفاعل بحكم موقعه الجغرافى وتاريخه ولغته مع الشعوب العربية الاخرى ،، أمة براسها ؟
ج : ان الاجابه عن هذا السؤال يقتضى التذكير بظروف تاريخية معينة ،، لقد ابتليت تونس بضرب من الاستعمار بغيض يختلف كل الاختلاف عن الاستعمار الذى ابتلى به الشرق العربى ففى حين كان الاستعمار الفرنسى استيطانيا يرمى الى مسخ البلاد والقضاء على مقوماتها الثقافية والحضارية والروحية وطمس هويتها وجعلها مقاطعة فرنسية روحا ولغة وثقافة ومنزعا بل كان يقول : باننا نفاية من أفراد وكان اقطابه يدعون ان الفتح الاسلامى فى شمال افريقيا (( حدث )) فى تاريخه يجب وضعه بين قوسين وطيه طيا ،، وللتدليل على ذلك كان يشجع اللهجات ويتأول على التاريخ ويشكك الناس فى كيانهم ويتقدم اليهم بثقافته وبهرج حضارته واغراء امكانياته العصرية (( والفعالة )) كالمنقذ من الضلال ،، وامام هذه الموجة من التضليل فى النفوس كنا نصدع باننا امة متميزة لنا من المقومات ما يؤيد قولنا ويدحض زعم اعدائنا ،، فديننا واحد ولغتنا واحدة ،، وتاريخنا واحد ،، ومسيرتنا طيلة قرون واحدة ،، ونضالنا من أجل الحياة واحد ،، وعلى هذا الاساس كتب المرحوم الزعيم على البلهوان كتابه (( نحن أمة )) فى فترة حالكة وصعبة من نضالنا ضد الاستعمار الغاشم ،،
وما قصدنا قط ولادار يوما بخلدنا اننا امة براسها ،، بل كنا دوما نعتقد باننا جزء من الامة العربية ،، بل لقد كنا واعين تمام الوعى ونحن نجابه المستعمر بكوننا امة ، اننا كنا كاهل البلاغة نطلق الكل ونريد الجزء والعكس بالعكس ،،
ان ايماننا العميق بالامة العربية وانتسابنا اليها هو الذى كان يدفعنا الى الترنم فى نوادى الحزب الحر الدستورى وفى مخيمات الكشافة التونسية باناشيد العروبه التى الفها ولحنها تونسيون وهذه عينة منها ، وهى من نظم الشاعر الطاهر القصار وتلحين الاستاذ صالح المهدى ،
يا عرب يا عرب
يا كرام النسب
انتم للغلب
والحجا والادب
يا عرب
انتم للندى
انتم للفدا
يومكم فى العدا
قد غدا خالدا
يا عرب الخ ،،
وان انس فلن انسى يوم غادرنا مدارسنا رغم الحراسة الاستعمارية المشددة فى الواحد والعشرين من مارس 1947 - لمشاركة الشعب التونسى احتفاله بالذكرى الثانية لتاسيس الجامعة العربية وذلك فى الملعب البلدى حيث رفعت علام كافة الدول العربية والقيت القصائد والخطب وما زال طالع قصيد المرحوم مصطفى خريف يرن فى اذنى :
عيد العروبة عد فدتك دمانا
واقبل تحيتنا ومحض هوانا
(( ولقد كان نالنا من اجل ذلك ما نالنا من العقوبات المدرسية وغيرها ، ولم تكن تلك المناسبة الوحيدة التى احتفلنا فيها بالجامعة العربية فلقد نظمنا سنة 1948 مهرجانا بقاعة (( النورماندى )) بتونس شارك فيه نخبة من التونسيين امثال المرحوم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور والمرحوم الصحبى فرحات والمرحوم الشاعر الشاذلى خزنة دار الذى القى قصيدة رائعة مازلت اذكر طالعها :
عريق فى العروبة حنفى
يناضل عن حقوقه فى البلاد
وكذلك مازلت اذكر بعض ابيات قصيد الشاعر المرحوم مصطفى خريف اذ يقول :
لا تلمنى ان نبذت الادبا
وتقلدت حساما اشطبا
واعتزلت الذكر والذكرى الى
ذكر تنفى شباه الريبا
ابهذا العيد ،، يا رمز الوفاء
يا سراجا في الدنى يا كوكبا
يا نهارا ، فاخرت ساعاته
بجليل الامر ، مرحى ، مرحبا
انت فتح ، انت نصر ، انت من
دوحة الرضوان غصن شربا
عد لنا يا عيد عودا احمدا
فزت يا عيد ونلت الاربا
ايهذا العيد ، بوركت فخذ
قالة من شعب خضراء الربى
خذ من الريف ، ومن فاس ، وخذ
من تلمسان ، وعم المغربا
خذ الى المشرق آيات الولا
خذ الى العرب سلاما طيبا
وهل لى ان انسى اننا بينما كنا نحتج - اساتذة وتلاميذ - على ما دعا اليه الدكتور عبد العزيز فهمى باشا احد اعضاء مجمع فؤاد الاول للغة العربية من استعاضة عن الحروف العربية بالحروف اللاتينية ونقرأ ما رد به الاستاذ العابد مزالى والاستاد محمود المسعدى على هذه الدعوة فى العدد 25 من مجلة المباحث بتاريخ افريل 1946 - جمادى الاولى 1365 - كان اذ ذاك الرئيس الحبيب بورقيبة - وهو لاجئ فى القاهرة - يحتج هو الاخر لدى الدكتور طه حسين وزير التربية بمصر على استعمال كتب التاريخ والجغرافيا التى كانت مقررة رسميا فى المدارس المصرية عبارة شمال افريقيا الفرنسية (( عند الحديث عن اقطار المغرب العربى الكبير )) هذا بالاضافة الى ما بذله الرئيس بورقيبة من جهود مضنية فى ذلك الحين لاقناع عزام باشا وهو أول امين عام للجامعة العربية بضرورة الموافقة على ترسيم القضية التونسية مجرد ترسيم ان لزم الامر ! فى جدول اعمال مجلس الجامعة !
ورغم ما كنا نشعر به من خيبة امل ومن مرارة من جراء الصدمات المتكررة التى كنا نلقاها فاننا لم نتنكر قط لامتنا ولم يداخلنا الشك ابدا فى انتسابنا الحميم والمصيرى للامة العربية الاسلامية ،،
الا ان كل هذا لا يتنافى واعتقادنا ان لكل جزء من الوطن العربى الكبير مميزاته وخاصياته شانه فى ذلك شان الاسرة الواحدة التى يتميز افرادها بعضهم عن بعض ،، ومن ثم فان الاديب الحق فى نظرنا هو الذى يتفاعل ومحيطه تأثرا تأثيرا ويستلهمه استلهاما ، وبذلك نتحصل على (( سنفونية )) رائعة تنطلق من روافد متعددة ولكنها تلتقى فى مصب واحد هو مصب الحضارة العربية الاسلامية ،
س : كيف ترون المقتضيات الحقيقية للحضارة ؟
ج : سؤال يقتضى قبل كل شئ الوقوف على مدلول كلمة حضارة ،، ولو عدنا الى كتب اللغة لوجدنا ان : (( الحضر والحضرة والحاضر والحضارة والحاضرة والحضرى من المدن والقرى والريف : ضد البدو والبادى والبداوة والبدوى والبادية ، فالحضارة ضد البداوة ، هى الاقامة فى الحضر بل هى اخص من ذلك : الطباع المكتسبة من المعيشة فى الحضر وقد اطلق مجمع مصر اسم الحضارة على ما يسمى بالفرنسية civilisation واسم التحضر والتمدن على ما يسمى بالانقليزية Urbanisation
وعلى هذا الاساس يمكن ان نقول : إن الحضارة هى سلوك الانسان ونظرته للحياة وتكيفه بها وفلسفته فى الوجود وما يكتسبه ليتلاءم مع عصره ويندمج فيه وهى تتصل باحوال معيشته وثقافته واحوال مسكنه وعادات مجتمعه وتعامله مع الناس واختيار مسالكه فى هذا الكون ،،
ومن ثم فان المقومات الحقيقية للحضارة هى التى تقوم على اجلاء الذات والتأليف بين عناصرها فى تناسق وانسجام من لغة ودين وفلسفة وجودية وموقف تجاه الاحداث وهى بالتالى نتاج الفكر الخلاق وعصارة ما يفرزه العلم والتكنولوجية للرفع من شان الانسان والسمو به الى مدارج الادراك والعرفان ،، فالحضارة ليست اذن مقصورة على قوم دون قوم وهى من هذه الناحية لا شرقية ولا غربية لانها فى جوهرها أخذ وعطاء وزحف وامتداد ، وتحول مستمر واشراق ، ولذلك لا يمكن ان تسلط تسليطا او ان تفرض فرضا ،، بل لا يمكن تقبلها الا عن طريق الاستيعاب والهضم ، وهل فعل العرب غير ذلك حينما اقبلوا على فلسفة اليونان وعلومهم وآداب الفرس وعاداتهم فهضموها وغذوها ونموها وافرزوها فى اجمل صورة واشرق بيان ؟
س : ما هى فى نظركم اهم العوانق المعرقلة لنهضة العالم العربى ومشاركته الفعلية فى صنع الحضارة ؟
ج : ان العوائق فى ذلك كثيرة لعل اهمها : - انتشار الامية فى الامة العربية
- الفكر المتحجر الذى هو وليد تعليم تلقينى لا يبعث على الخلق والابداع ، - الاستعمار الذى خلق دويلات متعددة ومزق اوصال العرب شر ممزق - تكوين قادتنا ومفكرينا انماطا من التكوين لا تلتقى فى صعيد واحد ،،
وقد قاسينا حتى فى تونس من هذه الظاهرة خاصة قبل تأسيس الحزب الدستوري التونسى الجديد سنة 1934 اذ تعددت الحركات الوطنية وتضاربت فيها القيادات التى لم تكن تتجه الى الجماهير قدر ما كانت تتجه الى (( النخبة )) ! ولم تكن تنزع الى الفعل قدر ما كانت تتشبث بالنية الحسنة
- دخولنا دوامة : (( الايديولوجيات )) المستوردة ، فمن تقدميين الى رجعيين الخ ،
س : ما هى فى رايكم المسارات التى رسمتها الثورة الاسلامية فى ايران : والامكانيات التى كشفتها ونقط الضعف التى ابرزتها والابعاد التى قد تؤدى اليها ان كانت لهذه الثورة أبعاد؟
ج : لقد قيل حول هذه الثورة ما قيل ، فمن متحامل عليها مجدف بها ومن وتحس لها مدافع عنها ،، والواقع اننا لا نملك المعطيات الكافية حول هذا الموضوع اذ اكثر معلوماتنا واردة علينا من الوكالات الاجنبية المتحامله المغرضة فى اكثر الاحبان وان ما اطلعت عليه شخصيا فى المجلات الفرنسية التى طالعها أكثر من غيرها وما قراته لبعض رجال الفكر فيها يبعث على الاسى والحزن اذ الاحكام لم تسلم من الهوى بل تجاوزت ثورة ايران احيانا واكتست صبغة الحرب الصليبية اذ كانت هذه الثورة منطلقا من طرف اعداء الاسلام للتهجر عليه واظهاره فى مظهر مشوه بعيد عن الحقيقة ورغم ذلك فانه لا مندوحة من الاصداع بان هذه الثورة قلبت كل الموازين في المنطقة فهى ثورة لا كالثورات
الاخرى فلا هى ثورة عسكرية ولا هى انتفاضة عابرة بل هى ثورة شعبية انطلقت من اعماق الشعب كرد فعل على الاضطهاد الذى سلطه الشاه والمحظوظون من بطانته عليه ولا سيما ذلك الاضطهاد الدينى الذى استهدف المعتصمين بدينهم والمعتزين بالانتساب اليه ،، وتجاوز الحدود فبخس رجال الدين حقهم واعتدى على اقدس مقوماتهم بالتنكر للحضارة العربية الاسلامية وتشويهها والتاول عليها ولعل من مظاهر ذلك التذكير (( بقورش )) Cyrus والتاريخ به عوضا عن السنة الهجرية وتشجيع الشاه ((المزدكية)) و((المانوية)) و(( الزرادشتية )) واذكاؤه العصبية الفارسية ووصف الفتح العربى الاسلامى بالزحف الاستعمارى مما جعل الملايين من الايرانيين يعتقدون ان الشاه قد باع روح الشعب : (( واعتدى بالفاحشة )) على روح الامة الايرانية ، وقد اذكى هذا الاحساس شعور الشيعة بانهم كانوا منذ ان نال عليا وذويه ما نالهم ، من المعذبين فى الارض ، وانهم ينتظرون منذ قرون نهاية العذاب وتجاوز الحرمان فكأن هذه الثورة نضجت فى سويداء قلوب الناس واشتعلت بين ضلوعهم وانتظرت فى صمت رهيب ان تنتقم لنفسها وتسترجع حقها السليب وكرامتها فى الحياة وتثبت ان الخروج من التخلف والانحطاط لا يكون بتقمص شخصية الغير والذوبان فيه او باستعارة انماط غربية غريبة عنه وان التعاون مع الغرب والاقتباس منه لا يعنى الانبطاح امامه وتمكينه من امتصاص دمائه وثرواته واستغلالها لاغراضه الامبريالية والصهيونية ،
ان ثورة الشعب الايرانى من هذه الناحية لا يمكن ان تكون الا ايجابية لانها استرجاع للكيان ونحت للذات من جديد ونحن فى تونس من انصار العدل والتقدم وكرامة البشر وكل عمل يقدم مسيرة البشر نحو مزيد من هذه القيم فهو ايجابى ونحن معه ،، وان ما نلاحظه احيانا من تجاوزات ومغالاة وانخرام امن ان هى الا اشياء لم تخل منها ثورة ولكن املنا هو ان تبقى الثورة فى مسارها الحقيقى الاسمى اى ان تسعى الى تحرير الانسان الايرانى وان تسمو به إلى منزلة الخلق والمساهمة فى اثراء الحضارة الاسلامية وتطويرها ،، واعتقادى ان جوهر الاسلام توق ونظرة الى المستقبل وان المناداة بالرجوع الى الاصل لا تعنى الحنين الى السلفية ولا الدعوة الى الرجعية ولا التعلق بالقشور دون اللب ،، الاسلام حركية واجتهاد والمهم هو التعلق بتعاليمه السمحه المبنية على التسامح ونصرة القضايا العادلة ولا نظن أن قادة الثورة الاسلامية فى إيران على غير هذا النهج سائرين ولا بغير هذه المبادئ معتصمين ،،
س : انتقال مقر الجامعة العربية الى تونس ،، هل ستكون له انعكاسات على الحياة الثقافية فى تونس ؟
ح : اى نعم ،، ان انتقال مقر الجامعة العربية الى تونس سيمكن اخواننا العرب من الاطلاع عن كثب على حقيقة تونس العربية المسلمة وعلى اعتزازها بحضارتها وثقافتها ولغتها وانتسابها الى الامة العربية وسيزيل الكثير مما علق من أوهام وأكاذيب باذهان العديد من اخواننا الذين كانوا ضحية الابواق المغرضة التى سعت دون جدوى وخاصة فى الستينات الى التشكيك فى عروبتنا واخلاصنا لارومتنا عن جهل او سوء تقدير لمواقفنا ولظروفنا ،
س : التعريب كان هما من همومكم الثقافية ،، هل زال هذا الهم بعد ان اصبح التعريب فى تونس امرا بديهيا واخذ طريقه المؤدى الى غاياته المعروفة ؟
ج : لا اظننى فى حاجة الى التذكير بان دستور بلادنا قد نص على ان الجمهورية التونسية لغتها العربية ودينها الاسلام ،، وان أول اصلاح للتعليم شرعنا فيه بعيد الاستقلال قد نص هو ايضا على ان لغة التدريس ينبغى ان تصبح شيئا فشيئا اللغة العربية وفى هذا المجال لا بد من الاشارة إلى اختيارات ثقافية جعلتنا نجنح حالما استقلت بلادنا إلى تعميم التعليم والعمل على تكوين الاطارات التونسية الكفأة فى أسرع وقت ممكن وهذا اقتضانا مرحلة انتقالية جعلتنا نعتمد فى تدريسنا على اللغة الفرنسية ،، ولطالما قلت ورد ورددت ان التعريب فى حد ذاته فرع مما اسميه بالاصالة التونسية العربية الاسلامية اذ ان غاية التربية الاولى هى المساهمة فى تكوين اجيال تونسية بحق معتزة ومتمسكة بمقوماتها القومية وفى مقدمة تلك المقومات اللغة العربية وان التعريب ليس الا جانبا من جوانب أخرى تندرج جميعها فى تصور غائية التربية فى تونس ولذلك فاننى مازلت أؤمن بأن أى نظام تربوى ينبغى ان يكون صورة مسبقة لما يتعين أن يكون عليه المجتمع فى بلدنا ، واعتقادى هو ان مصير تونس هو مصير شعب عربى يمثل جزءا من المجموعة العربية وان التعريب بالنسبة اليه ليس مجرد شعار أو (( موضة )) عابرة ذلك ان تونس لا يمكن ان تكون لغتها غير اللغة العربية )) .
ولا يذهبن فى ظن البعض ان التعريب معناه التنكر للغات الاجنبية بل هو يقتضى فى نظره ان نكون متفتحين على العالم وان نحذق أكثر من لغة حذقا
كاملا نستطيع بواسطتها ان نطلع مباشرة على ما يجد فى البلاد الاخرى وان نتحاور ونتعامل مع شعوبها ،،
فالتعريب اذن بالنسبة الينا ليس انعزاا أو انكماشا أو تتوقعا أو دعوة الى الرجعية بل هو فى جوهره اختيار تقدمى ثورى وهو كما لا يخفى شرط أساسى من شروط (( الهوية )) القومية والشخصية الوطنية ،، واننا لسائرون فى ذلك ودائبون كما اننا سائرون فى طريقنا الى تعريب الادارة ودواليبها والمحيط الاجتماعى بصفة عامة ،
س : يرى البعض أن تركيزكم على الشخصية التونسية ومميزاتها خلق عقلية جديدة لدى الشباب قوامها الايمان بالاصالة بعد ان كاد التذيذب يسيطر على عقل الناشئة ،، واتجاها ،، فما هى الاضافة الممكنة وفى أى مجال تكون للقضاء نهائيا على التذبذب وازدواج الشخصية ؟
ج : إن الاصالة فى نظرنا تعنى فيما تعنيه استرجاع الكيان والايمان بمقومات ذاتيتنا والاعتزاز بماضينا والسعى الى نحت ملامح مستقبلنا ،، و (( التذبذب )) الذى أشرتم اليه فى شىء من المبالغة هو ظاهرة تكاد تمس الناشئة فى جميع بلاد العالم وذلك لتقلص المسافات وسرعة الاعلام وطغيان الوسائل السمعية البصرية ،، وتونس قد كانت دوما ملتقى الحضارات وهمزة الوصل بين الشرق والغرب وأرض الصداقات والتسامح التى تتعايش فيها الجاليات المختلفة هذا فضلا عن الظرف التاريخى الخاص الذى عاشته تونس أيام الاستعمار والذى سمح لجاليات أوربية فرنسية وايطالية واسبانية وغيرها من ان تقيم بتونس وتستقر ، وفضلا عما ينتج عن تطوير السياحة أحيانا من تمازج واختلاط بين الشباب ،
كل هذا له تأثيره لا محالة ولكننا نعتقد أن لاخوف على ناشئتنا من (( التذبذب )) أو : (( ازدواح الشخصية )) طالما غذينا فيها الاعتزاز بمقومات ذاتها وربطناها بمبادئ دينها ووصلنا بينها وبين حضارتنا وهو ما لا نزال نعمل جميعا من أجله ونكافح ،
س : قال الاديب المصرى المعروف يحيى حقى :(( ان الثورة الثقافية القادمة فى الوطن
العربى ستكون من المغرب العربى ،، فهو يعتقد ان دور المشرق فى المجال الثقافى انتهى ، وجاء الآن دور المغرب العربى ،، هل تتفقون مع يحيى حقى فى هذا المجال ؟
ج : لعل الذى حدا بالاديب يحيى حقى الى هذا القول اطلاع المشرق شبه المفاجئ على بعض الانتاج الادبى والفكرى الذى يصدر عن المغرب العربى وموت بعض الوجوه اللامعة من أدباء المشرق كطه حسن وأحمد أمين والعقاد وحسين هيكل وأحمد حسن الزيات وغير هؤلاء ممن لعبوا دورا فى النهضة الادبية المعاصرة ،،
وغاية ما يمكن ان نقوله هو ان لنا احيانا - فيما يخص قضايانا المصيرية - تمشيا فكريا يخالف ما درج عليه اخواننا فى المشرق ،، وهذا انما يؤكد ضرورة التكامل بيننا ،،
وعلى كل فان رأى الاديب يحيى حقى رأى محترم يلزم صاحبه ولكننا من ناحيتنا نؤمن بتكامل الامة العربية خلقا وابداعا ومصيرا ،،
س : كتب مؤخرا غالى شكرى فى مجلة (( الوطن العربى )) الصادرة بباريس يقول : (( ان التعريب الذى تشهده تونس لا يكفى ليكون عنوان اصالة وعروبة ما لم يكن قائما على فكر تقدمى ورؤية حضارية محددة وواضحة ، ما هو ردكم على غالى شكرى ؟
ج : اننا ما كنا ننتظر من السيد غالى شكرى غير الذى قال ،، فمن شأن السيد غالى ان يغالى فى الحكم وان يهرف مما لا يعرف اذ قد غشى على عينيه الهوى فأصبح يرى الاشياء مقنعة ،، لا يستطيع النفاذ اليها الا من زاوية نظريته الضبابية آلماركسية وما تمليه عليه من تعصب وتحجر وقسر والا فما معنى قوله : (( ان التعريب الذى تشهده تونس ليس عنوان اصالة وعروبة ما لم يكن قائما على فكر تقدمى ورؤية حضارية محددة وواضحة ؟ )) ،،
فما هو الفكر التقدمى الذى يقصده ، والتقدمية انماط واشتات وملل ونحل ومذاهب وفرق ؟ وما هى الرؤية الحضارية المحددة والواضحة التى يشير اليها؟
ان السيد غالى لو مزق سجف الهوى وتخلص من مركباته وتحرر من اغلال (( ايدولوجيته )) او ايدولوجياته التى تتكيف مع الظرف ،، لثاب الى رشده ورأى ان محتوى التعليم بتونس تقدمى الى اقصى حدود التقدمية وانه يقوم على علاقة جدلية بين الظرف والمظروف ،، بين اللغة والمحتوى بين المنزلة العلمية التى نصبو اليها والانسان الذى نريد ان نغرس فيه مثلنا العليا والقدرة على حسن التمييز وذلك بتحريره من جميع عقده وصقل فكره وتهذيب ذوقه وجعله فى مستوى الشعور بالمسؤولية والاضطلاع بها ،،
ولكن السيد غالى ومن لف لفه من شرذمته لا يبصرون ،، ولا يمكن ان ننتظر منهم ، (( شهادة استحسان )) ما لم نلتق واياهم على صعيد الماركسية المجحفة ،
س : التكنولوجيا تتطور بسرعة وتظهر اختراعات فى كل يوم ،، والفلسفة لم تعد تستطيع مواكبة هذا التطور مما جعل بعض النقاد يعتبرون ان الفلسفة اصبحت عاجزة عن تفسير الظواهر الحديثة ،، بل هناك من يزعم ان الفلسفة ماتت نهائيا ! هل تعتقدون ان هذه الظاهرة التى هى من مميزات العالم المتقدم يمكن ان تؤثر على بلدان العالم الثالث التواق الى فلسفة تساعده على التحرر والوصول الى ما يطمح اليه ؟
ج : تلك (( شنشنة من اخزم )) كما يقول المثل العربى اذ كلنا يعلم ان هذا سؤال ما زال يتردد ويتجدد ويطرح نفسه منذ أجيال وأجيال ،، وكلنا يتذكر مواقف : (( أوغست كومت )) فى القرن التاسع عشر الذى سعى الى نبذ اللاهوت واستبدال الفلسفة بموضوعية المعرفة العلمية مما انجر عنه ايمان - فيه من الغلو ما فيه بالقيمة المطلقة للعلم ،، هذا العلم الذى يطمح الى ان يجعل الانسان سد نفسه وسيد الكون ،، بلا منازع !!
والواقع ان كل النظريات من (( موضوعية )) و(( ماركسية)) و(( نيتشية )) حينما جهرت ((بموت اللاله)) في الانسان واعلنت عن نهاية الفلسفة انما كانت ترمى الى ان تصبح لها بديلا وان تدفع بالانسان الى ان يتخذ له نظاما جديدا مبنيا على منهجية علمية مجردة ،،
ولكن رغم المآثر العلمية العديدة والاكتشافات الباهرة الملموسة والتى لا يمكن بحال انكارها فان العلم لم يجد الحلول لكل المعضلات القائمة ، فالبون شاسع والهوة عميقة بين العلم من حيث هو علم والعلم الذى يدعى الانفراد بالحقيقة الكاملة ويغنى عن دروب المعرفة الاخرى ،، ان آفاق العلم قد اتسعت - لا محالة - وامتدت ولكن هيهات ان يحصل العلم المطلق وهل له ان يحصل فى يوم من الايام ؟ ان العلماء أنفسهم ينكرون بكل شدة ،، ان يوفر العلم الجواب عن المسائل الميتافيزيقية أو الدينية ،، اذ ان العلم لا يملك هذا الجواب ولا يدعى ذلك فى حين يظل الانسان ، ، يومه كأمسه ، ، متعلقا ببعض التساؤلات الكبرى كعلة الوجود ،، ولغز الموت ومعنى الحرية وابعاد القيم ، هذا من جهة ، اما إذا أردنا أن نتعمق أكثر فانه ينبغى أن نعترف بأن البحث فى أصول العلم وتوضيح حقيقته لا يتم الا بالتأمل الفلسفى ، ومن هنا فان العلم لا ينافس الفلسفة بل يثيرها ،، وهو حين يثيرها فلانه يعتمد عليها لينظر فى أسسه وليوجد سنده ويبرهن على شرعيته ويكمل انغراسه فى الواقع وبتعبير آخر فان الفلسفة تهيئة للعلم وشرط سابق له والا فكيف ينبغى ان نفهم مجهود : (( البحث الابستمولوجى )) المبذول منذ عقود بصورة تثير الاعجاب هذا المجهود الذى هو بمثابة بحث مطرد من قبل العلم - أو باسمه - ليضمن لنفسه القيمة أو على الاقل حق الوجود ،
فليس من خوف اذن على الفلسفة وحتى على الدين ويكفى ان نتذكر ان الاحداث الكبرى التى أثرت من ربع قرن فى العالم الثالث ليست ليست من آثار التقنية والعلم ،، فالمسيرة الكبرى لـ (( ماو )) واستقلال المغرب العربى وافريقيا والسلم فى الفيتنام وحتى الثورة الاسلامية بايران وهى أقرب الاحداث منا ، كلها كانت فتوحات الانسان الاعزل ضد التقنية وضد القوة وضد العلم فى مظهره المجرد ،،
لقد كان سلاح كل ذلك الايمان والارادة والتوق الى الحرية والى حياة أفضل ،،
فالفلسفة اذن لم تمت حتى فى العالم المتقدم اذ ليست هى نظرية متحجرة بل هى تنزع الى تحرير العقول وصقل مادة التفكير واكسابنا ما نحن فى حاجة اليه من بصر بالاشياء وبماهيتها ومداها ،، وتعيننا بالتالى على تحليل أنفسنا واستقراء ذاتنا وانتهاج مسلكنا فى الوجود ،،
س : بعد التعاون الاقتصادى مع المملكة العربية السعودية ما هى امكانيات التعاون الثقافى معها ولا سيما فى المجالات التربوية والاسلامية وما هى الاضافات الضرورية ؟
ج : مجالات التعاون بيننا وبين المملكة العربية السعودية متعددة لا يمكن حصرها فى ميدان دون آخر ولكنا نكتفى بالاشارة فى اختصار الى بعض أوجه التعاون الذى من شأنه أن يزيد علاقاتنا وثوقا ويولد الاخوة بين بلدينا ففى المجال الثقافى يمكن ان نقيم معارض للكتاب التونسى والسعودى على السواء ومعارض للفنون التشكيلية وان نتبادل الاساتذة والخبرات فى مختلف مجالات البحث العلمى ،، وان ننسق بين مواقفنا واتجاهاتنا فى مجالى الثقافة والتربية ولا سيما فى المحافل الدولية ،، وبكلمة أدق فانه يجب علينا أن نحطم ذلك الطوق الحديدى الذى ضربه الاستعمار على شعبينا ليكون الحضور التونسى فى السعودية والحضور الثقافى السعودى فى تونس دائمين مستمرين مما يقتضى حل بعض المشاكل الجزائية التى لا تقف عندها عزيمة الطرفين ان شاء الله ،،
س : كيف ترون مستقبل التعليم والتربية فى العالم العربى وما هى قواعد تعاون الدول العربية فى هذا القطاع الحيوى البالغ التأثير على المستقبل ،، وماذا تقترحون بوصفكم خبير هذا الميدان وصاحب تجارب ثرية ؟
ج : سؤال تطول الاجابة عنه ولكنى سأجنح الى الايجاز والتلميح واكتفى بالاشارة إلى الخطوط العريضة المتعلقة بهذا الموضوع دون الدخول فى التفاصيل ولعله من المفيد فى هذا المجال انطلق من الاختيارات الاساسية التى تقوم عليها سياستنا التربوية منذ ان استقلت تونس سنة 1956 ،،
لقد ركزنا سياستنا - وما زلنا على ما يلى :
- تحقيق التنمية فى البلاد عن طريق النهوض بالانسان التونسى ورفع مستواه ،
- تحقيق ديمقراطية التعليم وتوسيع نطاقه ،
- فتح الفرص المتكافئة للتعلم امام الشباب خصوصا بواسطة المساعدات الاجتماعية .
- العمل على دعم الاصالة العربية الاسلامية ودعم القيم الثقافية القومية ،
- التفتح على الحضارة العصرية والسعى الى الالتحاق بركبها عن طريق امتلاك العلوم والتكنولوجيا الحديثة ،
- اعداد ما تحتاجه البلاد من الاطارات فى مختلف الاختصاصات وفقا لتقديرات المخططات الانمائية المتتالية ،
والحق انى وان كنت لا أرى فائدة فى ذكر النتائج الباهرة التى انتهينا اليها بانتهاجنا هذه السياسة فانى أشير الى ان تمرسنا بالميدان التربوى ومعالجة قضاياه هو الذى حدا بنا فى المؤتمر الرابع لوزراء التربية والتخطيط فى الدول العربية المنعقد فى (( أبوظبى )) من 7 الى 18 نوفمبر 1977 لكى ندلى بتصورنا لقواعد تعاون الدول العربية فى قطاع التربية ولقد قلت اذ ذاك : (( ان ما يتوفر فى اقطارنا من الطاقات البشرية والامكانات المادية كفيل بأن يمكننا من مواجهة تحديات العصر التى تداهمنا ،، اذ القضية الجوهرية التى يجب أن نضطلع بها لا تنحصر فقط فى تطوير الأنظمة التربوية بكل قطر على حدة وانما هى قضية مصيرية يجب ان نضعها فى مستوى المسؤولية التاريخية ذلك ان الواجب المؤكد أصبح يتمثل بالنسبة الينا جميعا فى تحقيق المناعة الحضارية لامتنا وفى العمل على استرجاع مجدنا التليد الذى عم الدنيا فى العصور الذهبية من تاريخنا ،
هذه هى القضية الكبرى التى يجب ان نضطلع بمسؤوليتها وان نعمل مخلصين على ان تتعلق همة اجيالنا الصاعدة بتحقيقها ،، وبهذا الاعتبار فان معالجتها يجب ان تصدر عن ارادة سياسية مشتركة بيننا تهدف الى اقامة خطة تعليمية ومحتويات تربوية تستجيب لجملة من المبادئ الاساسية ، ومن أهمها فى نظرنا :
- ان يحصل بيننا اتفاق على استجلاء ملامح الشباب العربى الذى نريد ان نعمل على تنشئته وفقا لقيمنا الحضارية المشتركة ،،
- ان نسعى الى تحقيق الاستقلال الذهنى لشبابنا ،، وان نعمل على تغذيته بمحتويات تربوية مبرأة من التلوث العقائدى ،، فيتم بذلك تحرير العقول ويتوفر ضمان السلامة للثقافة الاصيلة ،،
- وان نحرص على تحقيق الديمقراطية الشاملة فى التعليم وتمكين شبابنا من حظوظ متعادلة فى الرقى بحيث تنطلق فى حياة شعوبنا حركية اجتماعية واسعة تمكن الطاقات الخلاقة من البروز والاشعاع ،
- ومن ذلك فانه لا بد من الحرص الدائم على ضمان الكفاءة العلمية والصناعية المتينة ومن السعى المتواصل لرفع المستوى فى تنشئة الشباب وتأهيل الاطارات والا فانه يخشى عليهم من التعجل والتساهل واللامبالاة فى اعدادهم ان يكونوا بمثابة الاوراق النقدية التى تخرج الى الناس وليس وراءها رصيد فتنهار الانظمة المالية التى يستشرى فيها داء التضخم ،،
- ومن تلك المبادئ الاساسية أيضا ان نسعى بجد الى تمكين شبابنا من التضلع فى العلوم واللغات الحية ،، ففى ذلك ضمان مستقبل حياة أمتهم بين أمم العالم وفى ذلك أيضا وفاء للاصالة العربية الاسلامية اذ قد كان العرب أسياد العالم بما وصلوا اليه من التضلع فى العلم والمعرفة ،،
- وفى نفس الاتجاه فانه من واجبنا ان نسعى لخلق عقلية الابتكار فى نفوس شابنا وان نخرج من منزلة المستهلك لكل ما ينتجه ويبتكره غيرنا ولذلك يجب ان يقبل الشباب بأكبر نسبة ممكنة ،، مثلما هو موجود فى عديد من الدول الديمقراطية على العلوم الصناعية والمهارات الصناعية والتكنولوجيا بوجه عام حتى يخرج بأمته من وضعية التبعية وما يحيط بها من المخاطر ،،
- كذلك يجب الا ننسى الدور الذى ينبغى ان تلعبه التربية البدنية والرياضية فى تكوين جسم الانسان وتفتح شخصية الفرد ودعم خصاله البدنية والاخلاقية ومن ثم فانه يتعين ان تحتل التربية البدنية والرياضية مكانة لا تقل أهمية على مكانة المواد الاخرى فى برامج التعليم ،،
هذه بعض الخواطر سقتها دون افاضة فى القول وعسى ان نوفق الى ما فيه خير أمتنا العربية الاسلامية وذلك بانكبابنا على شؤوننا المصيرية الجوهرية ونبذ خلافاتنا والابتعاد عن كل ما من شأنه ان يفرق صفوفنا ويمزق وحدتنا ولا أظن ذلك على ذوى العزائم الصادقة من أمتنا العربية بعزيز .

