في اليوم الاول من شهر ذى القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة المنورة في أربعمائة وألف من أصحابه محرما بالعمرة قاصدا مكة لأول مرة بعد أن خرج منها عندما أخبره الله تعالى بتلك المكيدة التى دبرتها قريش اثر انتشار الاسلام في يثرب بين الانصار (( واذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتللوك أو يخرجوك ويمكر الله والله خير الماكرين )) ( ٢ ) . .
يتوجه الرسول تلقاء مكة اثر تلك الرؤيا التى رآها وأخبر بها أصحابه بأنه سيدخل مكة وسيطوف - مع أصحابه - بالبيت آمنين محلين رؤوسهم ومقصرين .
وفى أثناء المسيرة المباركة يرسل من يتحسس له أخبار مكة . . فينطلق رسول الله مسرعا ليعلم ما دبرته قريش فيعود راجعا ليلتقى بالرسول صلى الله عليه وسلم في عسفان ويخبره بكل ما أعدته قريش للقائه وأنها مصممة على صده بالقوة .
ويخرج الرسول بأصحابه عن الطريق المعهودة ليتفادى الصدام المباشر وينزل في الحديبية ليكتب ذلك الصلح الذي استطاع به أن يكسب الموقف لا مع قريش وحدها بل في الجزيرة العربية كلها ليحقق أهدافه وينشر دعوته فقد دارت المفاوضات في الحديبية بين شد وارخاء وأخذ ورد ، حتى خرجت بتلك الوثيقة التاريخية ذات الاهمية العظمى في التاريخ الاسلامى والتى تعتبر الدرس العملى الذي يجب أن نبنى عليه حياتنا السياسية فى هذه الايام الحرجة من تاريخنا : بعد عن الشكليات وتقدير للمستقبل وتمسك بالجوهرى من الامر .
فلنقرأ الآن نصوص الوثيقة ، ولنستخرج منها الشروط التى تمت في تلك المعاهدة وندرسها دراسة تحليلية موضوعية ، لنتبين أهميتها التاريخية ولتكون نموذجا فريدا المعاهداتنا ، وهذا هو نص الوثيقة كما أورده جميع المؤرخين المسلمين وكتاب السير ، ما عدا الواقدى الذى خالف في النص وبعض الشروط ، ولأهمية الواقدى اذ انه من كتاب السيرة والمغازى الاقدمين ان لم يكن أولهم ( ٢٠٧ ه ) يحسن بنا أن نورد نص المعاهدة
عنده ونقارن بين النصين لنعرف وجه الصواب :
(( باسمك اللهم ))
هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ، سهيل بن عمرو ، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض ، على انه من أتى محمدا من قريش بغير اذن وليه رده عليهم ، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه . وان بيننا عيبة مكفوفة ( ٣ ) وانه لا اسلال ولا اغلال ( ٤ ) وانه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها دخل فيه ، وانك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وانه اذا كان عام قابل خرجنا عنك . فدخلتها بأصحابك فاقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب ، السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها )) ( ٥ )
النص عند الواقدى
ان يخلوا له مكة عاما قابلا ثلاثة أيام ، وعلى محمد لأهل مكة ، لا يدخل أحد منهم بسلاح الا سلاحا يجعل في قراب وهو السيف )) ( ٦ ) ثم ختم الصحيفة .
وبمقارنتنا لنص الوثيقة كما رواه جمهور المؤرخين والنص الذى أورده الواقدى في مغازيه ، نلمس الفروق الآتية :
١ - اختلافا في الصياغة والاسلوب ٢ - اختلافا في مدة الهدنة فالجميع على أنها عشر سنين والواقدى نص على أنـهــــــــــــــــا سنتان .
٣ - الواقدى لم يتطرق في النص لحرية القبائل العربية في التحالف مع من شاءت والتزامها بما التزم به حليفها .
٤ - ذكر المؤرخون أن قريشا سمحت للمسلمين بزيارة المسجد الحرام والاعتمار فى العام التالى لوقت الصلح أى السنة السابعة من الهجرة ، حالما أن النص عند الواقدى بأن العام الذى يزورونه فيه مطلق غير مقيد . حيث قال : ( وعلى أهل مكة أن يخلوا له مكة عاما قابلا ) فأورده منكرا والنكرة تفيد الاطلاق لا التعيين .
وبهذه المقارنة يظهر لنا أن الواقدى لم يهتم باثبات نص الوثيقة كما كتبت عندما دون مغازيه بل كتب مجمل الشروط التى فهمها من الرواة ، وبنى قوله على أن مدة الهدنة سنتان على المدة الفعلية التى كانت بين الصلح وفتح مكة . . هذا ما نراه والله أعلم .
لقد استطر دنا فى البحث حتى خرجنا عن القصد من الموضوع . ولنحاول الآن تلخيص الشروط التى تمت في صلح الحديبية لي نص الوثيقة التاريخية :
١ - رجوع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا العام الى المدينة دون أن يدخلوا مكة ويعتمروا .
٢ - التخلية بينهم وبين البيت ليعتمروا عمرة القضاء في العام المقبل . ٣ - التزام قريش بعدم التعرض للرسول
وأصحابه عند دخولهم مكة في عام قابل
٤ - على المسلمين أن يتجردوا من السلاح عند دخولهم الحرم الا سلاح الراكب : السيف في القراب
٥ - تحديد مدة اقامة المسلمين في مكة بثلاثة أيام فقط
٦ - التزام الطرفين بوقف الحرب بينهما مدة عشر سنوات حيث يأمن الناس ويتنقلون من مكان لآخر بكل حرية .
٧ - التزام الرسول صلى الله عليه وسلم بارجاع من يأتيه من ابناء مكة بدون أذن وليه ٨ - ليس على قريش أن ترجع من أتاها من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
٩ - ترك الحرية المطلقة للقبائل العربية بالدخول في أحد المعسكرين وأن تلتزم كل قبيلة تدخل في الحلف بنصوص المعاهدة .
ولو دققنا النظر فى هذه الشروط لرأينا أنها محددة واضحة مكتوبة بعبارات صريحة لا التواء فيها ولا احتمال لعدة معانن أو تفسيرات ، ولا تحتاج لزيادة تفسير أو تعديل من جديد ، ولا تترك المجال للاختلاف والغش ، كما هو شأن المعاهدات العصرية .
هذا من ناحية الشكل العام والتعبير الذي كتبت به المعاهدة .
أما من ناحية المضمون فالناظر فيها لأول وهلة يرى أن جانب المسلمين هو المغبون والمهضوم الحقوق ، ولذلك لاقى الرسول عليه السلام معارضة شديدة من اصحابه ولكنهم لشدة احترامهم وهيبتهم له يجرؤ أحد منهم على مواجهته بذلك الا أن عمر بن الخطاب بما عرف عنه من الجرأة لم يستطع كتمان رأيه في المعاهدة فسار الى النبى وقال : يا رسول الله ، ألست برسول لله ؛ قال : بلى . . قال : أو لسنا بالمسلمين قال : بلى . .
قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى . . قال : فعلام نعطى الدنية فى ديننا ؛ قال أنا عبدالله ورسوله ، ولن أخالف عن أمره ، ولن يضيعنى ( ٧ ) . . اجابة شافية وحكيمة سدت عليه كل الطرق والوساوس التى داخلت عمر وكان قد تلقى مضمونها من صاحبه أبى بكر الصديق حيث قال له أبو بكر : يا عمر الزم غرزه ( ٨ ) فأنى أشهد انه رسول الله ( ٩ )
وانما كره أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الصلح لما رأوه بالنظرة السطحية المجردة من أنه غبن لهم .
قال أبو سعيد الخدرى : وقد كان أصحاب رسول الله يكرهون الصلح لأنهم لا يشكون في الفتح برؤيا رسول الله أنه طاف بالبيت وحلق رأسه ، ولكن الرسول قد نظر في ذلك بمنظار النبوة الكشاف الذى يقرر المستقبل ويحسب للعواقب كل حساب . . انه منظار النبوة الذى لا يخطئ الهدف ، وحيث انه لم يتهيأ له أن يفهم أصحابه فى نفس اللحظة بالمكاسب التى سينالها الاسلام والدعوة مستقبلا فقد بت في الامر بنفسه ولم يرجع لرأى صحابته كما هو المعهود عنه صلى الله عليه وسلم .
وقد حلل هذه الحادثة الاستاذ محمد الغزالى في كتابه (( الاسلام والاستبداد السياسى )) وأبان أن تقدير الامور لم يتركه هذه المرة للنظرة المعتادة ، بل كان للالهام الأعلى توجيهه الصائب .
ولو تتبعنا شروط المعاهدة لوجدنا بعض التكافؤ في بعض شرو طها كالشرطين السادس والتاسع ، لكن هناك شروط لا يلحط فيها
هذا التكافؤ كالشرطين الاول - وهو رجوع المسلمين عذاب العام بدون عمرة ، والثامن : وهو عدم التزام قريش باعادة من يأتيها من اصحاب رسول الله مع أن الرسول قد التزم باعادة من يأتيه من قريش بدون اذن وليه ولكنه في مقابل ذلك كسب الاعتراف من أكبر أعدائه بكيان الدين الاسلامى ، وان الاسلام دين يجب أن تتوافر له الحرية التامة حتى ينتشر بين محبيه ومعتنقيه . وهذه المعاهدة قد فتحت الباب على مصراعيه لمن بريد الدخول فى الاسلام وتمكن الرسول فى أثناء فترة الهدنة من نشر الاسلام بين القبائل العربية وراسل ملوك الارض وحكامها يخبرهم بدعوته ويدعوهم للاسلام ولم يكن الرسول فى موطن ضعف في هذه الفترة والا ما خاطب كسرى بقوله : (( أسلم تسلم ))
وفي نتيجة المصالحة ضمان حرية الانتقال بين مكة والمدينة ، فاختلط الناس بعضهم ببعض ، وسمعوا أمر الرسول ومعجزاته على حقيقتهما بدون تشويه ، واستطاع أن يجهر بالاسلام من كان يخفيه .
دخل الاسلام فى هذه الفترة رجال عظام كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ، ومال غيرهم للاسلام ، ولكنه لم يجهر به ، ويؤيد ذلك دخولهم فى دين الله أفواجا يوم فتح مكة فى السنة الثامنة من الهجرة .
وانه لدرس عظيم فى السياسة يلقنه النبى صلى الله عليه وسلم للمسلمين فقد أجاب سهيل بن عمرو المفاوض القرشى الى ما طلب من الامور ولم يدعها توقفه عن مقصده الاول وهو موادعة قريش ، وكثير من الناس المفاوضين تضيق سياستهم فيقفون عند أمور ويضعون فى سبيلها غاياتهم ومقاصدهم
الكبرى وذلك من جمودهم في سياستهم وتعصبهم لأمور سيحققونها لو لم يتعصبوا لها ساعة التفاوض . وقد كان هذا امتحانا عظيما فى ميدان السياسة ومن الفتح في السياسة ما يكون أعظم أثرا من الفىــــــح في الحرب .
ولهذا نوه القرآن الكريم بهذا الفتح المبين فقال تعالى : (( انا فتحنا لك فتحا مبينا )) ( ١٠ )
وثم شرط اعطاه الرسول لقريش ظن المسلمون أنه غبن لهم ولكن ما ان رجعوا للمدينة حتى عرفوا أنه فى صالحهم وان قريشا هى الخاسرة في هذا الشرط : وهو عدم قبول الرسول من يأتيه من قريش بدون اذن وليه فلما جاءه أبو بصير فارا من قريش قال : انا اعطينا القوم على ذلك عهدا ولا تجوز الخيانة في ديننا . .
ثم رجعه مع الرجلين الذين حضرا من مكة يطلبان ذلك ، ولكن أبا بصير استطاع أن يفتك بأحد الرجلين فيقتل أحدهما ويفرج عن الآخر فيتجه الى الطريق الساحلى حيث التف حوله عصابة من الشباب المسلم الذى يهرب من عذاب قريش في مكة وجعلوا من منطقة العيص مركزا لهم . وقد استطاعوا أن يقطعوا على قريش الطريق التجارى مع الشام مما أدى الى ضعف اقتصادها ، مع انها كانت تؤمل أن تبنيه في فترة الهدنة مما اضطرها في النهاية الى التنازل عن هذا الشرط والسعى لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطلب الثوار اليه بالمدينة .
فهكذا تكون السياسة الحكيمة : تضحية وفداء ، وصبر وجلد حتى يصل المرء في النهاية الى ما يريد .
( الرياض )

