الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

وحدة القصيدة، في الشعر العربي

Share

-٤-

يعلل ذلك بعض الباحثين بأن العربي  ينظر الى العالم نظرة عامة وشاملة واذا نظر  الى الشيء لا يستغرقه بفكرة واحدة بل يقف  فيه فى مواطن خاصة ويرى أن هذه الخاصة  في العقل العربي هي السر الذي يكشف ما  ترى في أدب العرب من نقص وما نرى فيه  من جمال ، فأما النقص فما تشعر به حين  تقرأ قصيدة عربية أو قطعة أدبية من ضعف  المنطق وعدم تسلسل الافكار تسلسلا دقيقا  وقلة ارتباط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا

حتى لو عمدت الى قصيدة وخاصة في الشعر  الجاهلي فحذفت منها جملة أبيات أو قدمت  متأخرا أو أخرت متقدما لم يلحظ القارىء  أو السامع ذلك وان كان أديبا ما لم يكن قد  قرأها من قبل وهذا النقص تلمحه فيما  يكتب في الموضوعات الادبية فأنت اذا قارنت  بين ما يكتبه الجاحظ أو ابن عبد ربه أو أبو  هلال في الخطابة أو الوصف وما يكتبه

أرسطو في ذلك رأيت الطبعتين مختلفتين وفيما ذكره من نقص في ادبنا العربي منشؤه أن العرب لم تكن من قبل ، أمة ذات حضارة وعلم وثقافة انما أخذت تنشئ هذه الحضارة والثقافة على مر الايام .

ويقول باحث آخر في وصف القصيدة  في الشعر الجاهلى وفي تعليل ذلك : يمتاز  الشعر الجاهلي بقلة العناية بسياق الفكر  على سنن المنطق واقتضاء الطبع فعلائق المعاني  ضعيفة واهية ومساق الابيات مفكك  مضطرب فاذا أخذت أو قدمت أو أخرت ...  لا تشعر في القصيدة بتشويه أو نقص وذلك  لان البدو بطبيعتهم ينقصهم النظر الفلسفي -  فلا يرون الحوادث والاشياء الا مجردة لا  ينظمها سلك ولا تجمعها علاقة ومن ثم كانت  وحدة النقد عند أدباء العرب البيت لا القصيدة.

ويقول بعض ادبائنا المعاصرين في وصف هذه الظاهرة وتعليلها : ومن النادر ان نجد

قصيدة عربية تتناول موضوعا واحدا من  أولها الى آخرها لا تخرج عنه الى موضوع  سواه ولا شك أن بناء القصيدة نفسه يساعد على تعدد الموضوعات لان كل بيت وحدة  قائمة بذاتها وكثيرا ما يكون كل بيت  مستقلا عما قبله وما بعده ومن المكروه في  الشعر العربى أن يكون في بيت كلمة مرتبطة  ارتباطا نحويا بكلمة أخرى في بيت سابق  أو لاحق وليس معنى هذا أن يكون كل بيت  يتناول موضوعا جديدا بل معنى هذا أن  الشاعر الذى يريد الانتقال أو التخلص من

موضوع الى موضوع يرى طبيعة الشعر  العربى تساعده على هذا كثيرا أضف الى ذلك  أن التزام موضوع واحد لا يتناسب تماما  مع التزام القافية فان تغيير الموضوع يجعل  من السهل ايجاد قواف جديدة تناسب  الموضوع الجديد أما اذا التزم الشاعر  موضوعا واحدا فانه لا يلبث أن يستنفد  القوافي في أبيات قليلة ولذا فان تنويع  الموضوع يتناسب مع التزام القافية . كما  يعزو بعضهم ضعف وحدة القصيدة في الشعر  العربي الى عجز الشعراء عن الابتكار وغلبة التقليد عليهم .

الوحدة العضوية في شعر ابن الرومي وكثير من الشعراء القدماء :

ابن الرومى خالف في أكثر قصائده نهج  الجاهلية في القصيدة فقد كان ينظر الى  قصائده نظرة فنية خالصة ويقيمها على  أساس متين من الوحدة العضوية والبنية  الفنية ومن ثم راج شعره عند النقاد  والمعاصرين وكأنه فهم وحدة القصيدة كما  يفهمها النقاد والشعراء المعاصرون من حيث  وحدة الموضوع ووحدة المشاعر التي يثيرها

الموضوع وما يستلزم ذلك من ترتيب الافكار والصور على أن تكون أجزاء القصيدة كالبنية الحية لكل جزء وظيفته فيها ويؤدى بعضها الى بعض عن طريق التسلسل الفكرى والشعورى.

فالعلامات البارزة في قصائد ابن الرومي  هی طول نفسه وشدة استقصائه المعنى  و استرساله فيه وبهذا الاسترسال خرج عن  سنة النظامين الذين جعلوا البيت وحدة  النظم وجعلوا القصيدة أبياتا متفرقة يضمها  سمط واحد قل أن يطرد فيه المعنى إلى عدة  أبيات وقل أن يتوالى فيه النسق تواليا يمنع  عن التقديم والتأخير والتبديل والتعديل  فخالف ابن الرومى هذه السنة وجعل  القصيدة « كلا » واحدا لا يتم الا بتمام  المعنى الذي أراده على النحو الذي نحاه  فقصائده موضوعات كاملة تقبل العناوين  وتنحصر فيها الاغراض ولا تنتهى حتى ينتهى  مؤداها وتفرغ جميع جوانبها وأطرافها ولو خسر في سبيل ذلك اللفظ والفصاحة .

ولقد اختلف الشعراء أنفسهم في أسلوب  اة النظم وفي وحدة الموضوع في القصيدة وتشابك  المعاني في أبياتها وبين جعل المعنى مستقلا  في البيت بحيث تتألف القصيدة من أبيات  متعددة كل بيت يحمل معنى مستقلا كاملا  لا يربطه بالمعنى الذى يأتى في البيت السابق  أو اللاحق الا المناسبة والظرف والمصادقة  بحيث لو اقتصرت على حفظ بيت واحد  لأمكن الاستغناء به عما سواه من أبيات  القصيدة وقد رأينا وحدة الموضوع في القصيدة  الواحدة عند أمم الغرب ورأينا استقلال  البيت عن بقية الابيات عند العرب واعتبروه  دليلا على الارتجال وعدم الانسجام مع  موضوع القصيدة والاعتماد على الفكرة

الطارئة والمعنى الملهم واعتذر أصحاب البيت  المستقل بأن التفكير العربي وجد هذه   الصورة المقطعة المفصلة وان جو القصيدة  الواحدة يمكن أن يجمع المعاني المتناثرة في  الابيات المتفرقة بين سطور ولو لم يتحد المعنى.

على أن المدرسة الرمزية الحديثة تجيز للشاعر الغنائى الخروج على الوحدة العضوية في بعض أجزاء القصيدة :

وقد أجاز الرمزيون لأنفسهم الانتقال في  قصائدهم من فكرة الى فكرة على أساس  الاحساس والشعور النفسي مع ضعف  الرابطة المنطقية بين الفكرتين وان حرصوا  مع ذلك على الوحدة العضوية في مجموع  القصيدة وهذا الانتقال انما قصدوا به اثارة  عنصر المفاجأة والرغبة في تقوية جانب الايحاء.

ضرورة الوحدة العضوية في القصيدة وأثرها فيها :

والوحدة العضوية للقصيدة غيرت بناء  القصيدة تغييرا كاملا فقد ذهب منها  الاستطراد والحشو والتفكك والاضطراب  والانتقال من موضوع إلى موضوع ومن غرض  الى غرض وخلت من اقتضاب المعاني  وتناقضها وامحى منها اضطراب العواطف  والمشاعر النفسية وأصبحت عملا فنيا كاملا  مرتبط الاجزاء ، ملتحم المشاعر والافكار  والعواطف متناسق الدلالات والاشارات  وصارت القصيدة كأنها تمثال حي نابض  بالحياة الأفكار صاحبها وأحاسيسه ومشاعره  وألح النقاد المحدثون على الدعوة الى الوحدة

العضوية للقصيدة الحاحا شديدا وأصبح  النقد ينظر الى القصيدة جملة وندر في النقد  القديم ذلك الا ما نجده عن الباقلاني في نقده  المعلقة امرىء القيس في كتابه « اعجاز  القرآن . وعند ابن الأثير في كتابه « المثل  السائر » الذي وازن فيه بين ثلاث قصائد  لأبي تمام والبحتري والمتنبى وان كان ينظر  اليها في نقده من زاوية تخالف بعض المخالفة  نظرة النقاد الى القصائد من حيث توافر الوحدة العضوية فيها .

وقد انتقلت القصيدة الشعرية من وحدة  البيت كما كان سائدا عند أغلب الشعراء  والنقاد العرب القدماء الى وحدة القصيدة  گلها باعتبارها بنية حية واحدة وعملا فنيا  متكاملا بحيث لم يعد في امكان أحد أن يحذف  بعض أجزاء القصيدة الحديثة حذفا ولا أن  يقدم بعض أبياتها على بعض ولا أن يزيد  فيها ولا أن يخرج أبياتها عن نسقها الفني ،

وعلى أساس الوحدة العضوية يقوم النقد  الحديث الذي ينظر الى القصيدة جملة  باعتبارها عملا فنيا واحدا من حيث كان  النقد العربي القديم يقوم على البيت الواحد  من القصيدة من حيث لغته أو اعرابه وصرفه  أو أساليبه البيانية أو صوره وأخيلته أو  معانيه وأفكاره . الا أن الدكتور محمد   نايل يرى أن هذه الدعوة أدت الى اضعاف  الشعر لا تقويته ودفعته إلى الخلف لا الى   الامام حيث اعتبرها قيدا ترسف فيه القصائد  العربية التي حاولت تطبيق هذه الدعوة .

( تم البحث)

اشترك في نشرتنا البريدية