الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

وذكر ...!

Share

احتفل الشعب التونسي يوم عشرين مارس الفارط بالذكرى العشرين لنيله الاستقلال وفوزه بالحرية ، واستعرض المكاسب المعنوية والمادية التى  تحققت وجعلت البلاد التونسية تنتصر - أو تكاد - (1) على ما أورثته عصور  الانحطاط وخلفه سرطان الاستعمار الفرنسي من تخلف اقتصادى وتدهور  اجتماعى وجدب ثقافى وعزلة حضارية ، وتقطع أثناء مدة قصيرة نسبيا مراحل عملاقة فى درب  المسؤولية والتطور والنمو والازدهار والكرامة ، ناهيك أن  وثائق الامم المتحدة تشهد بأن الدخل الفردى المتوسط نما من 173 دولار سنة  1958 الى 550 دولار سنة 1975 ، وأن تونس أصبحت تحتل المرتبة الخامسة  فى أهمية متوسط الدخل الفردى (2) ، وهو ما يشاهده بأنفسهم التونسيون ،  وكل الضيوف الذين يتجولون فى كامل أنحاء البلاد ، ومن خلال ما يشيد  بأطراد من مدارس وكليات ومعاهد علمية وتكنولوجية ومستشفيات ودور  شباب ونوادى أطفال وملاعب رياضية ونزل سياحية وسدود ومعامل وما  يعبد من طرقات ويستجلب من مياه ويوفر من طاقة كهربائية ويبعث من  مشاريع اقتصادية وزراعية وعمرانية ، وهو ما يقر به التونسيون وخاصة  الكهول والشيوخ - ربما أكثر من الشباب الذين لم يعرفوا الاستعمار وفتحوا  أعينهم فى عهد النور والمساواة والحرية - ويستجلب الملاحظون والدارسون  الاجانب عندما يشاهدون الثورة العميقة الاصيلة المتجلية ، لا فى الشعارات الجوفاء والنظريات البراقة التى قلما يدعمها الواقع ، بل فى تحول العقليات  والذهنيات وتخلصها من اغلال العجز والخوف والانهزامية والتصور الخاطئ لمفهوم القضاء والقدر ، وفي تحرر المرأة - وتحرر الرجل بالمعنى الكامل  الشامل بفضل تحرر المرأة الزوجة والأم والأخت والمربية والعاملة

والمواطنة . . ورعايتها صحيا ونفسيا واجتماعيا ، وممارسة حقوقها واضطلاعها بواجباتها ، وفي الاطاحة بنظام البايات الاقطاعى الرجعى المتواطىء مع الاستعمار ، والاعلان عن الجمهورية وتمكين المواطنين من سياسة أمرهم  بأنفسهم واختيار نواب عنهم بكل حرية ، وفي توحيد القضاء وتعميم التعليم ودمقراطيته وفيما نتج عن كل ذلك من حركة اجتماعية وحركية ثقافية وطموح شعبى عارم عميق لا يزال يحدو بالجماهير الى الأحسن والأعدل والأعلى والأجمل . . . وكذلك فيما أبرزته هذه المنزلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجديدة من مضاعفات ومشاكل وإفراط فى الطموح أو تعجل للوصول . . . ما كانت لتحدث لو بقى الشعب مكبلا ، راضيا بحاله ، مخدر الذهن ، مسلوب الارادة ، مهيض الجناح ، مرددا أنه ليس فى الامكان أبدع مما كان ! أى لو لم توفق الحركة الوطنية بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة - إبان الكفاح وفي طور البناء والتشييد -الى توعية الجماهير وتربيتها وإيقاظها الى حقيقة منزلتها وتبصيرها بأبعاد الكرامة واحترام الذات ، ومجاهرتها بالحقائق ولو كانت مرة وتجنيبها خدعة المزايدات ومغبة الغوغائية ، ورياضتها على التفكير السليم والعمل الصالح المستقيم . ويحسن بنا ونحن نعيد الى الاذهان المكاسب ونقدر الخطوات التى سجلناها فى طريق الكفاية والحضارة أن نذكر الاجيال الصاعدة خاصة ببعض الحقائق حتى يضعوها دائما نصب أعينهم لا يحيدون عنها لا ذات اليمين ولا ذات الشمال ، بل يرجعون اليها فيما هم بصدده من عمل وجهاد ، حفاظا على شخصية هذه البلاد ودرءا لكل أنواع الامبريالية والتسيطر التى تتهددها شرة وغربا .

- إن الاستقلال ليس هبة منت بها الأقدار أو أتت بها رياح التاريخ أو تبرعت بها علينا بعض الدول الاجنبية ، بل هو غزو وفتح وثمرة جهاد قاس طويل مرير تعاقبت عليه وساهمت فيه أجيال وأجيال من القادة والمواطنين منذ أواخر القرن التاسع عشر ، ثم اطره ونظمه وضبط محتواه واستراتجيته الحزب الحر الدستورى منذ نشأته يوم 2 مارس 1934 بفضل ايمان الرئيس الحبيب بورقيبة ووطنيته وكفاءته وعبقريته السياسية ، اذ هو أول من أتجه للجماهير وخاطبها ونظم صفوفها وعلمها كيف ترفع الرأس وتفضل الموت الكريم على العيش الذليل .

- ثم إن هذا الكفاح من أجل الاستقلال كان وما زال نضالا من أجل عودة الروح الى هذه الأمة والحفاظ على مقوماتها العربية الاسلامية وصيانتها من شتى انواع المسخ والابتلاع والاحتواء ، ونحن لئن قتلنا في المهد منذ 1933

حركة التجنيس الاثمة وأصبحنا نمسك بأيدينا مفاتيح نهضتنا الثقافية وازدهارنا الحضارى فان اليقظة واجبة بازاء المحاولات الخبيثه والمتعددة التى تستهدف السيطرة الروحية والاديولوجية والثقافية على هذه الامة بعنوان الاشتراكية والتقدمية او الانفتاح والتعاون او الوحدوية الرجعية الضالة التى تردد كلمات حق وتريد بها باطلا . .

واذن فانه من حق الوطن علينا ومن الوفاء لأرواح آلاف الشهداء الذين ماتوا لتحيا تونس حرة عزيزة كريمة ، وحرصا على ألا يدخل الاستعمار - مهما كان نوعه - من الشباك بعد ان خرج من الباب ، ألا نكتفى باقامة الحفلات والشعور بالنخوة والمباهاة بالانجازات بل - الى جانب ذلك - ان نحافظ على عروتنا القومية الوثقى ونصون مقوماتنا الاصيلة ونجتنب أسباب الشحناء والبغضاء والفرقة ، ونرهف السمع الى أشواق الشباب ونفتح أمامهم مزيدا من الإمكانات كي يساهموا في ملحمة البناء والتشييد والمناعة .

ولئن كان فاليرى يقول عن أوروبا قاطبة إنها " رأس صغير كائن فى طرف القارة الآسيوية " فانه يحق لنا- ايمانا بطرافة الشعوب وأصالتها وخصائصها الذاتية واحتراما لانفسنا - القول بأن تونس الصغيرة الكبيرة واجبة الوجود والتقدير ، لن تخشى إذاية التافهين ومكايد الحاسدين ونوائب الدهر وطغيان الإحداث ما دام شعبها واعيا متضامنا وفيا للماضى الروح لا الماضي اللفظ ، متفتحا بالمعنى الفاعل لا بالمعنى القابل .

إن المذاهب التوسعية لن تتخطفنا والمطامع الاجنبية لن تنال منا وانياب النقد والحقد لن تكظم الا الاوهام ما دمنا نحن واثقين من أنفسنا مؤمنين بوطننا واعين لرسالتنا ، سائرين فى المنهج الذي اخترناه وحققنا به الاستقلال السياسي والتحرر الإنساني والنهضة الاجتماعية والاقتصادية . . .

إن الجهاد متواصل ، وجهاد النفس ، الفردية والجماعية ، لهو انبل أنواع الجهاد وأضمنها لبقاء الوطن وألصقها بعزة النفس وأوفاها الى ذات الانسان يحيا ويموت ، فيحيا ، من أجل الوطن وفي سبيل المبدأ ويعمل ليملى على المستقبل طموحه !

هذه حقائق مستوحاة من الذكرى العشرين لاستقلال تونس أردت أن أذكر بها بعضنا بعضا . وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين !

اشترك في نشرتنا البريدية