أتيح لى فى صيف عام ١٣٥٦ هـ أن اقوم برحلة الى الفرع فى جبال الشفا ، وهو أعلى مصيف حجازي اذ يبلغ ارتفاعه عن سطح البحر حوالى ٢٥٠٠ متر (١) وهو سلسلة هذه الجبال من أعلا الجبال فى الحجاز ان لم تكن أعلاها على الاطلاق.
وللوصول إلى الشفا طريقان احدهما يبدأ بالمثناة فالوهط فالوهيط فعقبة امط (٢) التى هى أول قرى الشفا ، والطريق الثاني من الطائف الى شهار فالسداد فامط، والطريق الاول رملى فى اغلب اجزائه وهو صالح لسير السيارات الى الوهيط، اما الطريق الثاني فصخري خشن وتصل السيارة منه الى سداد وقد تبين لى بعد أن سلكت كلا الطريقين ان الطريق الاول أصلح لراكب الدابة والسيارة.
وأمط اولى قرى الشفا وهي تقع في واد يدعي بوادى ابن عمار ويقال له وادى أمط، والنسبة الاولى للمالك فابن عمار هو اكبر مالك في القرية بل هو مالكها الوحيد، والقرية تتكون من منازل قليلة وبستان وقليل من الآبار ويلي امط قرى كثيرة متفرقة منها السيل وهي فى موضع تمر به السيول المتدفقة من جبال الشفا الهابطة منها، ومنها قرية الضيق وقرى كثيرة غابت عني.
وهذه القرى متشابهة فى كل شيء وهي دائما تقع في سطوح الجبال التى تكون فى الوقت نفسه واديا بالنسبة لسلسلة الجبال المحيطه بها من كل جانب.
ولا يضاح الفكرة نقول ان الصاعد فى جبال الشفا لا يرى الأرض بتاتا فهو يودع السهول حين يصل الى امط ويبتدئ في التصعيد فلا يكون امامه لا الجبل يرقاه فإذا ما وصل الى سطحه وجد جبلا آخر يتسلقه فاذا انتهى الى ذروته وجد جبلا آخر فى انتظاره وهكذا وفي بعض سطوح الجبال التى تتسع بعض الشيء يتكون واد ضيق تقع فيه بعض القرى وأول ما يظهر لك من القرية حصنها ثم منزلها وبستانها ، والحصن بناء من حجر متين قوي كان يتحصن به أهل القرية ضد أهل القرى المغيرين عليها ، وقد بطلت اهمية الحصون الآن فيما اظن والمنازل قليلة قلة نادرة وهي مبنية من حجر قوي متين وبعضها لا توجد به نوافذ للهواء وخصوصا ما كان فى الاماكن المرتفعة منها.
والفرع آخر قرى الشفا ويحاذيها قرنبط وتسمى بلاد صبحي، وهي نسبة الى المالك فمالكها رجل اسمه صبحي يقال انه اكبر الملاك في تلك النقطة، والفرع سطح جبال الشفا وهو سطح متسع تكتسي جباله وأرضه خضرة رائعة تشبه ما تكتسبه جبال لبنان كما وصفها من شاهدها، وهو على ارتفاع ٢٥٠٠ متر عن سطح البحر وهو ارتفاع أعلى القمم في سويسرا كما يقول الامير شكيب والعهدة عليه.
وعلى طول الوديان السحيقة التى تكونها سلسلة جبال الشفا تنمو أشجار العرعر والطلح ذات الأريج العبق والنظر السرى الفتان، وتغمر هذه الأودية فى مواسم الامطار المياه المتدفقة مما يجعل المنظر للمار بها فاتنا جميلا.
وليس لمواسم الامطار قاعدة فكثيرا ما تجود السماء بالغيث فتنعش الأرض ويرق الهواء وتموج المزارع ريانة بالخضرة والثمر، وكثيرا بل وأكثر من كثير - في الأيام الأخيرة على الاقل - ما تكف السماء مثلا فلا تبض بقطرة ويمر العام تلو العام وتمر مواسم الامطار وكأنها مواسم قحط واجذاب.
وأهل الفرع بل اهل الشفا عامة يستقون من الآبار- التى تكون ريانة ثرة فى مواسم المطر، وضحلة فاضبة فى مواسم القحط - ان صح ان للقحط مواسم وأياما كما للغيث مواسم وأيام -
وفي نهاية سطح الفرع هاوية سحيقة هى هاوية تهامة - أو التهم -كما يسميها أهل الفرع حين يقولون بلغتهم الظريفة الفصيحة - نوايق على التهم- ومنظر هذه الهاوية من المناظر العالمية الفريدة فهي هائلة الانحدار قدر الامير شكيب عمقها بالف متر (١) والناظر اليها لا يملك نفسه من الدهشة والعجب بل والرهبة التى تتملكه حينما يرى نفسه مشرفا عليها.
ومن الغريب ان هذه الهاوية متسعة فى الوقت نفسه اتساعا يحاذى اتساع سطح الفرع نفسه اذ هى تقع فى نهاية السطح وتشرف عليها من أعاليها جبال الفرع ذاتها من الجانبين فكأن هذه الهاوية واد سحيق منحدر عميق الانحدار .
وأهل الشفا يهبطونها أيام الشتاء -وهم يدعونه الربيع - الى تهامة ليشتوا بها فالفرع لا يسكن بالشتاء وهو بالصيف بارد قارس البرودة ، ولكي يدرك القارئ مقدار ما نعنيه من انخفاض درجة الحرارة هناك ايام الصيف نصف له مساكن الفرع، أو منازله، ويتألف البيت الواحد من غرفة واحدة فقط من الحجر الصلد القوي المتين لا أعرف كيف رصت على بعضها فلم اجد بينها مادة تمسكها لا من الطين، ولا من الآجر وقد علمت ان البناء هناك من - الرضم- كما يقولون وهو وضع الاحجار فوق بعضها بطريقة يعلمها اهل القرية نفسها والحجار غليظة خشنة متينة ولست اتصور كيف يمكن حمل حجر واحد منها ووضعه على الآخر وتدعيمه بها، ولا يبعد ان يتعاون اهل القرية جميعا او بعضهم فى بناء منازلهم، وارتفاع البيت او الغرفة على الاصح لا يزيد عن متر ونصف الى مترين
وليس فيها أية نافذة أو حتى ثقب تظهر منه السماء، او يدخل منه الهواء، اللهم الا باب الغرفة ان كان مفتوحا، وهو مفتوح فى النهار، والنهار فقط.
والباب من خشب غليظ سميك، أظنه خشب الطلح ولكنه طبقات بعضها فوق بعض وله - قفل خشبى أو - ضبة - لا يحسن فتحها ان أغلقت الا المختصون البارعون حتي اهل الفرع انفسهم فيهم من لا يحسن معالجة هذه - الضبب الغليظة المعقدة :-
وفي الليلة الأولى التى بتناها بالفرع عن لاحدنا ان يقفل الباب خشية من البرد ثم بدا لي ان افتحه لشعوري بالسجن بعد اغلاقه وانحباس الهواء داخل الغرفة فعالجته فاستعصى على فاستنجدت باخواني فلم يفلح أحد منهم، فاستنجدنا جميعا بصاحب الدار واسمه عالي على ما اذكر- وعلى كل فان اسمه لا يقدم او يؤخر كثيرا ولا قليلا فيما أظن - وجاء - عالي - فعالج الباب بمفتاح من الخشب يشبه - الآلة الحديدية التى تتحرك بها السيارة حينما تدار بالبطارية فقط - هندل - ولو كنت أعرف اسمها بالعربية لذكرته فلا حاجة الى التقعر .
ولكن عالي لم يكن حظه احسن من حظوظنا جميعا وظل يعالج الباب ساعة وساعة حتى اعي وأعيينا معه وهو من الخارج ونحن فى الداخل نظن ان قد حكم علينا بالحبس في هذا البيت ولكن عالي لم يشأ أو لم تشأ له زوجه على الاصح هذه الهزيمة فاستدعاها أو حضرت متطوعة وعالجت الباب بعض الوقت فانفتح وقد ابقيناه مفتوحا طول الليل مؤثرين تحمل البرد على الوقوع كرة أخرى فى ذلك السجن الرهيب.
وأهل الفرع بل اهل الشفا جميعا يتكلمون العربية الفصيحة الصحيحة الاماندر وقليلا ما تطرق سمعك الكلمة الاعجمية او العامية النابية ، وقد لاحظت أنهم لا يسكنون أواخر الكلمات او الجمل كما يفعل حتى من يتكلم العربية الفصحى من
أهل المدن بل يحركونها ولا يستثنى فى هذا كبير ولا صغير الا ما كان من الكلمات مسكن الآخر بطبيعة نطقه كحروف المد مثلا وكثيرا ما تسمع - قلت لك (بفتح الكاف) .
وقد وجدنا فى أمط طفلا صغيرا لا يبلغ الرابعة فيما أقدر يتكلم الفصحى بطلاقة وكان هذا هو اول ما لقينا من العجب فقضينا الوقت معه لا نريد ان يسكت وهم يستعملون من الالفاظ الصحيحة مالا يستعمله الكتاب اليوم كالخصر - للبارد ويعالم- بمعنى يتكلم أو يحكى- وتردى فى حكاية عن زميل لهم سقط فى هاوية تهامة وغير ذلك الى آخر هذه الكلمات وما جرى مجراها ولم المح على وجوههم أو فى أجسامهم من الجمال ما يتفق مع حالة الجو الذي يعيشون فيه ، وربما عاد هذا الى الجفاف الشديد في حالة الأرض والجو الذي يعيشون فيه والى المعيشة الخشنة التى يعيشونها .
وأغلب الظن ان لو كانت الأرض خصيبة والمطر كثيرا ودائما، والمحصول وافرا والحياة رضية ندية لعاد هذا بالجمال فى وجوههم وابدانهم وبالنعومة فى اطرافهم، ولكن هذه الخشونة اكسبتهم الصحة والرياضة معا على كل حال .
وقد لاحظت ان أغلب سكان الفرع أو من رأيت منهم -وهم قليل على كل حال - اذ كياء بارعو الذكاء يعرفون الفكاهة ويستملحونها ويمارسونها فى بساطة وسذاجة بدوية محببة مقبولة .
وقد كنا جلوسا مرة خارج البيت وكان الى جانبي طفل صغير احادثه، وينبح كلب عن بعد، فقال انه كلب يعوى -وهو يأكل الناس- قلت الا تخافه قال كلا قلت وانا كذلك فضحك ، وقال ان رجلا من أهل مكة جاءنا فى العام الماضي وأراد أن ينام على سطح البيت فلم نجد ما نثنيه به عن عزمه الا تخويفه بالذئب فنزل مسرعا وصار يرتعد كلما سمع كلبا ينبح.
ووجدت شيخا عجوزا اخني عليه الدهر الا انه ما زال صلب العود ، قوى الامل فحدثنا عن رجل اسمه -زينيل- يعني سعادة الحاج عبد الله على رضا قائمقام جدة رحمه الله ، زارهم فى الفرع وقدم الهدايا والنقود والارزاق وصار يتفقدهم ويعني بامرهم ويهبهم الهبات السخية كلما وفدوا اليه ، وكأنما أراد بهذا أن نكرمه كما فعل مواطننا الكبير.
وفي الشتاء -كما سبق القول تتعذر الاقامة فى الفرع وما حوله لشدة برودة الجو فيها جر أهل الشفا من قريتهم ويهبطون الى تهامة فيشتون بها وحسبك بالقرية التى تبنى بيوتها وصفنا للاقامة فى الصيف ثم يكون فى وسط كل بيت موقد للنار يتدفأ به السكان فى فصل الصيف والحرور.
وقد حدثني بعض أهل القرية ان الضباب يحول بين من يكون فى القرية وبين النظر الى ما أمامه على بعد قليل فى أيام الشتاء، فكانما يعيش المرء هناك في بلد أوروبي ليس هو من جزيرة العرب.
وسكان الشفا كلهم من البادية وهم من بني سفيان وهم بطن من ثقيف كما حققه الامير شكيب (١) ولعل سر احتفاظهم بالعربية الفصيحة حتى اليوم تعذر وصول الاعاجم الى بلادهم في الزمن الذي كان الحجاز فيه مهبطا لهم، حجاجا أو غزاة أو مهاجرين ، ولهذا فقد عاشوا فى جبالهم الساحقة بمعزل عن غيرهم حتى من عامة الناس فى الحجاز فسلمت لغتهم وسلمت لهم نفوسهم بسيطة صافية نقية .
وقد وددت ان لو كان في جبال الشفا مدارس وأرجو ان تصل هذه الكلمة الى أذن أعضاء مجلس المعارف وهم من خيرة الرجال في هذا البلد ثقافة وعلما فيقرروا افتتاح مدرسة أولية فى هذه القرى أو فى بعضها حسبما تدعو اليه
الحاجة ويفرضه الواجب المحتوم . وقد رأيت حينما كنت بالفرع جبل ذكاء أوزكا كما يسمونه وهو الجبل الذي يقال ان المشرف عليه يرى ساحل الليث أو جدة أو الهند فالاشاعات كثيرة ولست ادري حتى الآن ايها اصح وان كان ما يخطر ببالي ان من كان بيده منظارا ينظر به من قمة هذا الحبل الذي يقع فى نهاية مرتفعات الشفا لا يبعد ان يرى ساحل الليث وهو أقرب السواحل التهامية الى الشفا إذ يهبط اليه من هذه الهاوية السحيقة، التى يقال انها مليئة بالحيوانات الكاسرة والأفاعي السامة حتى قال لى بعض أهل الديرة انه يوجد بهذه الهاوية - النمر- وهو أشد الحيوانات فتكا بعد - الأسد - ولا أدري صحة ذلك حتى الآن وأرجو أن لا أدريه فلست احب لقاء الحيوانات على كل حال ...
وقد علمت ان أهلى الفرع حينما يهبطون الى تهامة يحملون معهم فى طيات عمائمهم نبتا يسمي -بعيثران- رأيته وكانت الحمير التى جئنا عليه تأكله فزجروها فسألتهم عن ذلك فقالوا ان هذا النبت يحمل معهم حينما يهبطون إلى تهامة لان الافاعي تتأذى من رائحته فتبعد عن طريقهم، والشفا كما لست في حاجة الى أن اقول هو آخر كل شيء أو حرفه أو طرفه، وقد قال الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم : (على شفا جرف هار) ومن وقف كما وقفت على هاوية تهامة أدرك معنى هذا التعبير البليغ الحكيم.
والشفية تصغير الشفاة وهي فى طريق المدينة المنورة وهي الارتفاع الذي يشرف طرفه على هوة أو جرف منحدر، والفرع هو شعر الرأس وهو اعلى ما فى الانسان فكان الفرع هو شعر الشفا وهو نهاية ما فيه واكرم ما فيه على ما أظن. وقد حاولت ارتقاء هذا الجبل الذي في نهاية الفرع لأرى أى ساحل من
سواحل البحر فقد كان شوقي اليه عظيما وانا هنالك وحينما اشرفت على نهايته اظلم الجو وكنت قطعت وقتا طويلا فى التصعيد فخشيت أن يدركني الليل ولما اهبط بعد وفي اثناء ذلك رأيت ثعبانا اسود ينساب بين - الصخور الى جانبي فتحلل ما بقي لى من عزم وانحدرت مرة أخرى، وقد رأيت وانا انظر الى هاوية تهامة خطا أزرق ضليلا فى نهاية الأفق عند التقاء السماء بالأرض فيما يخيل للرائى فقيل لى ان هذا هو البحر ولكنى لا استطيع الجزم بذلك على كل حال .
وقد قيل لى ان المستشرق المعروف الحاج عبد الله قلبى رقي الى جبل عال لا يستطيع رقيه أهل الديرة فى قرنيط فربط بالحبال وشد به الى أن وصل إلى قمة الجبل ورأى من هنالك سواحل الهند أو الليث. لا أدرى فالرواة يختلفون كثيرا فى الساحل المرئي.
وقد بالغ لنا من ذهبوا الى الشقا قبلنا عن مقدار جودة الهواء هناك ولكنا لم نجد شيئا من ذلك بل رأينا الطائف اصح هواء حينما عدنا إليه ولعل جدب الارض وقحطها فى ذلك العام هو السبب فيما رأيناه من فساد الجو حتى ان الهواء لم يكن باردا الى الدرجة التى صورت لنا والتي يقصها الامير شكيب فى كتابه، ومن المؤكد ان هذه المرتفعات والطائف من ضمنها لا تصح هواءاً ولا تصلح مصيفا الا اذا تندت نسماتها بالمطر وحفلت أرضها بالخضرة والثمر وهذا لا يكون الا بالماء ، الذي جعل الله منه كل شيء حي.
والواقع ان الشفا يصلح أن يكون مصيفا عاليا كما يصلح غيره من ضواحي الطائف ذاتها لمثل ذلك اذا أدخلت اليه التحسينات العظيمة وحفرت فيه الآبار الارتوازية وشجرت ارضه ونثرت فى صحراواته للغابات الكثيفة وتمهدت فيه وسائل النقل السريع والراحة التامة وهذه أمور تحتاج الى كثير من المال.
