Share

(المنهل) : قرأت كلمتك النفيسة التى استعرضت فيها ما دار بينكم من نقاش ادبى حول موضوع الكتابة والكاتبين ، وانى نزولا عند حسن ظنكم اقول : تنقسم الكتابة من حيث الموضوع - الى نوعين . احدهما ما كان أمت صلة بالانشاء والأدب المحض وهو الموضوع الذي يبدو لى انه تناولته مباحثتكم هذه ، وما كان أمت صلة بالعلم فى مختلف شكوله فاما ما كان ادبيا وانشائيا فان الكاتبين لهم طرائق قدر فيه كل يسير بحسب تكيف طبيعته وطريقته الخاصة وطراز مزاولة لفن الكتابة بادئي ذى بدء  فمنهم من لا يكتب اى موضوع الا بعد ان تتجمع عناصره وملابساته فى ذهنه ، ثم بعد ذلك يخط بالقلم ما خطه الفكر بالاستقراء . وهذا النوع من

الكتاب اعمق اثرا فى الأدب والانشاء ، وقد ينتجع هذه الطريقة من طرق الكتابة منذ البداية وقبل ان يصبح مقتدرا فى الانشاء ويتمرن عليها حتى يوفى على الغاية فيها ، وحينئذ يسمى كاتبا مقتدرا .

والقسم الآخر من زاول طريقة الكتابة فى الموضوعات رأسا وقبل تجميع العناصر لديه ، بحسبه ان يتخيل فى رأسه موضوعا ما ، فيجيل فيه القلم فى التو واللحظه وبدون سابق ترتيب وتتسلسل التعابير عنده مع تسلسل الأفكار ، وهذا اللون من اسلوب الكتابة يزاوله فريق كثير من الكتاب وقد يفضى بهم الى شىء من اضطراب العبارات والحك والشطب والتعديل الكثير فى أول الامر وفى هذه الطريقة ارهاق للفكر وللقلم وقد يريد الكاتب بهذه الطريقة ، الكتابة فى موضوع معين واذا بالفكر والقلم يجرانه الى موضوع او موضوعات اخرى ، ولذلك فان هذه الطريقة كثيرة الوعور وموجبة للبلبلة والاضطراب فى مبادئى الأمر حتى اذا استوى الفكر ونضج القلم حينئذ تكون فى نتائجها أسهل وتكون فى مزاولتها اربح واخصب واسرع من الطريقة الاولى ، فاذا ما وصل الكاتب الذى اعتاد سلوك هذا السبيل فيما يكتب - الى درجة الاقتدار فيها فلا يشق له غبار .

اما كتابة البحوث العلمية . فلابد لها من تجميع العناصر والمتعلقات اول ، ثم تبدأ الكتابة ، لان الكتابة فى هذا اللون من البحوث عبارة عن بناء "كل" ، من "أجزاء" معينة وعناصر محددة ، وهذه البحوث مثل البيت الذي يسكن :

والبيت لا يبتني الا على عمد        ولا عماد اذا لم ترس اوتاد

فان تجمع اوتاد واعمدة              يوما فقد بلغوا الامر الذى كادوا

اشترك في نشرتنا البريدية