Share

من تراثنا الاسلامي الخالد

دار الكتب الوطنية الظاهرية

ليس من أحد في عالم الثقافة يجهل دار الكتب الوطنية الظاهرية في دمشق ، تلى المؤسسة الثقافية المشهورة في الشرق والغرب .

كانت تعرف بالمدرسة الظاهرية الجوانية - ( تمييزا لها عن الظاهرية البرانية على نهر بانياس خارج باب النصر بدمشق)- وتقع داخل بابي الفرج والفراديس ، بينهما ، قرب الجامع الاموي ، وشملى باب البريد .

وشرقي المدرسة العادلية الكبرى - ( مقر المجمع العلمي العربي الآن ) - باباهم متواجهان ، يفصل بينهما امتداد طريق باب البريد .

كانت دارا لأحمد بن الحسين بن احمد بن على العقيقى صاحب الحمام المجاور لها والمعروف بحمام العقيقى - واسمه الآن حمام الملك الظاهر - اشتراها من ورثته الملك الافضل نجم الدين أيوب بن شادي والد صلاح الدين . ثم اشتراها الملك الظاهر بيبرس ، وقيل ولده الملك السعيد بثمانية وأربعين الف درهم . وأمر ان تبني مدرسة للشافعية والحنفية وقبة للدفن وفيها دفن هو وابوه الملك الظاهر وقد درس فيها نائب السلطنة ايدمر الظاهرى ، كما درس فيها جماعة من العلماء أبرزهم اليونيني وأبو حفص عمر الفارقى الدمشقى ، وعلاء الدين ابن بنت الاعز ، والصفي الهندى وكمال الدين ابن الزملكاني ، والجمال القلانسي . وجمال الدين ابن قاض الزبداني وابو بكر محمد ابن النابلسى المعروف بابن الشهيد ، ونجم الدين ابن الجابي ، وشهاب الدين الأذرعي . وشمس الدين الاخناني وتاج الدين السويدي ، وصدر الدين الاذرعي ، وجمال الدين الطباني ، ونجم

الدين حجى . والاسدى ، وابو اسحق اللورى الرعينى ، وشرف الدين الغزاوى . وركن الدين السمرقندي ، واسحق بن يحيى الآمدى شيخ الظاهرية وسوى هؤلاء من الفضلاء .

هذه المدرسة لا تزال تجثم شامخة الرأس حيث هى بالقرب من مسجد بني أمية في دمشق وبابها بناؤه من العجائب - على حد قول ابن بدران صاحب منادمة الاطلال _ يدخل منه الى ساحتها ( انظر الصورة رقم "١" )، فيكون على يمين الداخل التربة الظاهرية حيث وورى الملك الظاهر وابنه الملك السعيد ( هي اليوم قاعة المخطوطات الصورة رقم " ٢ " ) . وهي في قبة شاهقة

جدرانها من الرخام الابيض والملون المتداخل بطريقة هندسية بديعة وشكل زخرفي اخاذ ( انظر الصورة رقم " ٣ ، ورقم " ٤ " ) ولا سيما المحراب فهو آية في جمال البناء ودقة الزخرفة .

وفي أعلى الرخام اطر مزخرفة بنقوش عربية مذهبة تعلوها أطر عريضة تحيط بجدران التربة الأربعة مزركشة بالفسيفساء يتيه فيها قصور مذهبة ورياض فينانة ونخيل باسق غاية في الروعة ودقة الصنع . وتتوسط باحتها الخارجية بركة واسعة وفي الوجه القبلى منها ايوان كبير للحنفية ( الآن مستودع المطبوعات ) ، وفي الوجه الشرقي آخر للشافعية .

وفي سنة ست وعشرين وثلاثمئة والف . غيرت بلاطتها ، وبركتها الكبيرة وابدل ذلك بطراز لطيف . وقد استمر تدريس الحديث فيها حتى عام ١٢٩٤ ه وفي ذلك العام جعل قسم منها مدرسة ابتدائية ، بقيت فيها حتى عام ١٣٤٧ ه .

أما القبة الظاهرية ، فقد جعلت دار كتب ، ووضعت معظم الكتب فيها في خزائن على ضريحى الملك الظاهر وابنه الملك السعيد .

وفي عام ١٢٩٤ قام فريق من العلماء العاملين وعنهم الشيخ طاهر الجزائرى ( تبدو صورته في اللوحة رقم " ٤ " ) والشيخ سليم البخارى الذى كان مفتش معارف ولاية سورية فشكا ضياع كتب الوقف الى رئيس الجمعية الخيرية الشيخ علاء الدين عابدين وأخذا في جمع الكتب الموقوفة في مدة ولاية مدحت باشا . وولاية حمدى باشا خلفه .

وفي عام ١٢٩٥ تقدم محمود حمزة مفتي الشام مع طائفة من الاجلاء بطلب الى الوالي

٣ - مكتبة سليمان باشا : ومقرها في باب البريد في المدرسة السليمانية .

٤ - مكتبة الملا عثمان الكردى ، وكانت في المدرسة السليمانية المتقدمة الذكر .

٥ - مكتبة مدرسة الخياطين : وقد وقفها أسعد باشا العظم . وكانت في مدرسة والده اسماعيل باشا العظم في سوق الخياطين قرب المدرسة النورية المنسوبة لنور الدين الشهيد .

٦ - المكتبة المرادية : وكانت في مدرسة الشيخ مراد المرادى النقشبندي .

٧ - مكتبة المدرسة السميساطية : لصيق الجامع الاموي من الجهة الشمالية .

٨ - مكتبة الياغوشية : وهي مجموعة كتب موضوعة في مدرسة سياوسن باشا في محلة الشاغور .

٩ - مكتبة الاوقاف : وهو من دور كتب متفرقة تشتت امرها فوضعت في ديوان الاوقاف حفظا لها .

١٠ - مكتبة بيت الخطابة : وهي كتب كانت موضوعة في حجرة الخطابة من الجامع الاموى

هذه المجموعة الضخمة من الكتب تضم عدة نسخ من القرآن الكريم ، وكتبا في علم القراءات . وعلم التفسير . وعلم الحديث والمجاميع ( وهي رسائل مجموعة في علوم شتى ) وكتبا في الفقه الحنفي . والشافعي والحنبلي ، والمالكي . وكتبا في اصول

حمدى باشا ، يطلبون فيه حصر الكتب الموقوفة في خزانة مخصوصة في تربة الملك الظاهر . وهو المحل المخصص المعمر لأجل ذلك ، وبذا تتأسس دار كتب عامة . فصدر امر الوالي بذلك ، وبأن تكون تحت اشراف الافاضل الذين قدموا الطلب اليه باسم - جمعية المكتبة العمومية " . فجمعت الكتب من عشر محلات :

- المكتبة العمومية : وكان مقرها مدرسة شيخ الاسلام ابن ابي عمر الحنبلي في صالحية دمشق .

٢ - مكتبة عبد الله باشا العظم : وكان مقرها في مدرسة والده محمد باشا العظم .

نظاما داخليا حدد فيه فترات المطالعة والعطل وترتيب الكتب وتنظيم الفهارس وطريقة الاستعارة .

وبذل جهودا جبارة للحصول على أكبر عدد ممكن من المخطوطات والمطبوعات ، ورصد لذلك مخصصات في موازنته السنوية ، واستهدى الناس الكتب وعمل على استنساخ الكتب العربية النادرة من مكتبات أوربا بالقلم او بالتصوير ، وأرسل من يجوب البلاد العربية الأخرى ليجمع ما يرى ان الدار بحاجة اليه من أمهات الكتب المطبوعة ونفائس الكتب المخطوطة .

وقد ابتاع لها اكثر من الفى مجلد من اندر الكتب الشرقية والغربية ، وعمل على نشر فهارس للمخطوطات مطولة ، وقد نشر منها حتى الآن : فهرس للتاريخ ، وفهرس لعلوم القرآن ، وثالث للفقه الشافعي ، ورابع للشعر ، وهناك فهرس للحديث يطبع الآن وفهرس للغة العربية وعلومها لما ينته اعداده .

وعمل المجمع كذلك على أن تفتح المكتبة أبوابها لكل طبقات الشعب ، وللرواد من شتى انحاء الوطن العربي طوال العام وكل يوم من الثامنة صباحا وحتى نهاية الثامنة مساء باستثناء يوم الجمعة .

واقتني للدار اجهزة حديثة للتصوير على الشريط المصغر ( ميكروفلم ) وعلى الورق ( فوتوستات ) .

وقد بلغ عدد ما اقتنته الدار بين مخطوط ومطبوع ومجلة ونشرة ( ١٣٥٧٤١ ) . منها ( ٨٨,٤٣١ ) مطبوع و ( ١١,٠٠٠ ) مخطوط . حسب الاحصاء الاخير ومعظم هذه الآثار من النفائس كما ذكرنا . وتجعل دار الكتب الوطنية الظاهرية من أغنى دور

الفقه ، وعلم الفرائض ، والتوحيد ، والتصوف ، واللغة ، والنحو ، والصرف والمعاني ، والبيان ، والبديع ، والعروض ، والمنطق . وأدب البحث والسيرة النبوية والتاريخ . والجغرافيا . والنظم ، والنثر والطب . والكيمياء ، والحكمة الطبيعية والحساب ، والهيئة والهندسة ، والزراعة وسواها .

ولما استقل المجمع العلمي عن ديوان المعارف ووضعت دار الكتب تحت ادارته طالب الحكومة باخلاء الدار من المدرسة الابتدائية التى فتحت فيها ، وسن للدار

الكتب في العالم بالمخطوطات النادرة التى هي مرجع عظيم للعلماء والباحثين والمحققين في الشرق والغرب .

وأقدم مخطوط في خزائنها كتاب " مسائل الامام أحمد بن حنبل " الذي كتب سنة ٢٦٦ ه - ٨٧٩ م .

وهناك مجموعة كبرى من المخطوطات العربية كتبت في القرون الاولى للهجرة ( القرن الثالث والرابع ، والخامس ، والسادس ) ومنها ما كتب بخط اعاظم المحدثين والفقهاء ، والمؤرخين ، والادباء من الشام ومصر والعراق وغيرها من البلاد العربية الاسلامية . ( نرى جانبا منها في اللوحة رقم - ٥ - ) .

وقد أحب العالم الفاضل الاستاذ عبد القدوس الانصاري ان اكون وقراء الدار من رواد منهله الاغر ، فامر بأن ترسل الينا

أعداده . فشربنا منها ما عذب وطاب وأحببت ان اعبر عن شكرى لتلطفه ونبله ، وتقديري لما يبذله من جهود لاتحاف قرائه بكل طريف نافع ، بأن أسهم ولو باليسير في خدمة قراء المنهل الاغر ، فأوافيهم باحاديث اطلعهم فيها على ابرز النفائس من مخطوطات مكتبتنا الوطنية الخالدة لعلهم يجدون فيها ما يفيد ويمتع والى لقاء آخر .

(المنهل ): لا نستطيع ايفاءك حقك ، من الشكر والتقدير ايتها السيدة الفضلى والاديبة الحصيفة والعالمة الجليلة . . أكثر الله من امثالك فى عالمنا العربى والاسلامي فعلمك وفضلك يعيد به التاريخ نفسه ويذكرنا بمثيلاتك في تاريخنا الذهبى ...

اشترك في نشرتنا البريدية