عنوان هذا المقال قطعة من حديث نبوى شريف يفتح باب الامل أمام المجموعة الاسلامية لفتح فلسطين ، واخراج اليهود منها ، وتطهير بيت المقدس من رجسهم ، ولعيش المسلمون في هجرتهم هذه آمنين على حوزتهم منتصرين على عدوهم ، يقيمون شرع الله ، ولا يكون لأعداء الله عليهم من سبيل .
أورد الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسير قول الله تبارك وتعالى : (فآمن له لوط وقال اني مهاجر الى ربي انه هو العزيز الحكيم) العنكبوت . أورد عن قتادة رضي الله عنه انه قال فذكر لنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (انها ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز اهل الارض الى مهاجر ابراهيم ويبقى في الارض شرار اهلها حتى تلفظهم أرضهم) الحديث .. وأورده ايضا بالسند عن الامام أحمد وذكر أنه رواه أبو داود في كتاب الجهاد .
ونحن نورده اليوم لمناسبة ذكرى الهجرة النبوية : هجرة خير الورى صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة بعد ان اتسعت أبعاد الطغيان من قومه فكان في المدينة المأمن وانبلج صبح الدين بعد أن غشيته غواشى الباطل، ومن ثم نجد الرابط بين الهجرتين: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم هجرة المجموعة الاسلامية الى فلسطين حيث مهاجر ابراهيم وانها سوف تجد في هذه
الهجرة كما اسلفنا القول - النصر والمأمن واقامة الدين ، وكبت العدو .
غير ان علامة استفهام تبدو مرتسمة تتطلب الاجابة وهى : (ماذا أعد المسلمون لهذه الهجرة الى فلسطين ؟ وكيف يتسنى لهم استيطانها واقامة دين الله فيها واليهود يسيطرون عليها ويفرضون سلطانهم فيها؟)
لقد ضحى المهاجرون الاولون ابناء مدرسة النبوة بكل مرتخص وغال في سبيل الهجرة : ضحوا بالاهل ، والولد الاثير ، والمال ، فربحوا المغنم ، عوضهم الله عن كل ذلك خيرا وخرجت من المدينة كتائب الاسلام تصاول الكفر وتغزوه وكانت الحرب بينهم وبين خصومهم سجالا فلم يفت ذلك في أعضادهم ، ولم تلن لهم قناة ، ولم يرض أحد منهم بالذلة والدنية في دينه . وكان من قول بعضهم لطاغية من طغاة زمانه في الفتوحات الاسلامية : (ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة الطاغوت الى عبادة الله ومن جور الاديان إلى عدل الاسلام ) . فدانت لهم الدنيا وهوت تحت اقدامهم تيجان الملوك فهل كان من الخلف بعض هذه التضحيات العظيمة الجسيمة التي تؤهلهم للهجرة الى فلسطين وعمارتها واقامة دين الله فيها بعدما كان من عبث اليهود بها وتغيير معالمها ؟
وثمة شئ آخر بلغ به المهاجرون الأولون ما بلغوا من العزة والصولة وامتداد سلطان الدولة انه اطراح المادة بكل اغراءاتها وببريقها ومختلف وسائلها والارتفاع بأخوة الاسلام الى الذروة .. يقول الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما (لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم
بأحق من أخيه المسلم ( . فأين المسلمون في أعقاب الزمن من هذه الروح الطيبة والنفس السمحة المؤثرة والمعاملة الراشدة المسددة ؟ !
ان مما يحز في النفس أن في المجموعة الاسلامية في الحاضر من أصبح يعب في المادة لدرجة التخمة دون أن يكون له التفاتات خيرة نحو الاخوة ممن هم في أمس الحاجة الى سد الرمق أو الى المعونة في دعم نشاطهم لجهاد أعداء الله وخاصة اسرائيل العدو الألد للمسلمين . فبون شاسع بين الخلف والسلف في كل دروب التضحيات التي وصل بها السلف الى ما وصلوا اليه من النصر والتمكين في الارض . وأخشى ما نخشاه أن ينطبق على واقع الخلف الوصف النبوى الوارد في حديث نوبان رضي الله عنه حيث يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يوشك الامم أن تداعى عليكم كما تداعى الاكلة الى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال بل انتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم و ليقذفن في قلوبكم الوهن قال قائل : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت) .
وليت شعرى أى وهن ينزع مهابة المسلمين من صدور أعدائهم اعظم من حب الدنيا والركون اليها والترهل بنعيمها حتى قعد المسلم عن الجهاد وكره الموت ورضي بالذلة والهوان واستلاب مقدسات الاسلام .
لقد حاسب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ثلاثة من أصحابه تخلفوا عن الجهاد معه ، حاسبهم حسابا شديدا ،
وهجرهم هو وأصحابه وفرق بينهم وبين زوجاتهم حتى تابوا وأنابوا ، وأنزل الله في توبتهم قرآنا يتلى ، ليكون درسا للامة ، لئلا يقعد أحد منهم عن الواجب ، وعن جهاد الاعداء اذا جد الجد ودعى داعي الجهاد .
قال تعالى : (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ان لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا ان الله هو التواب الرحيم ) - التوبة . وهذه التربية الحازمة لا تعني فريقا من الناس دون غيرهم ولا سابقا دون لاحق ولا زمنا من الازمنة دون زمن آخر ، بل تعنى كل من أخذ في سبيل الترهل وتخلف عن الواجب وقعد عن الجهاد اذا حدق الخطر بالمسلمين .
فلقد ورد من الوعيد المرعب الذى تقض له المضاجع لمن اخلد للراحة واستمرأ لذة النعيم ما يوحي بضرورة امتشاق الحسام واخذ موقف المسلم من الصف لمجابهة اعداء الاسلام من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (من اصبح وهمه الدنيا فليس من الله في شئ ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ومن رضي الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا) . ففي قوله صلى الله عليه وسلم (ليس من الله) لمن يركن الى متع
الحياة فتطغيه وتلهيه وتقعده عن الواجب في حماية الحوزة بكل وسيلة . وقوله (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) ومن رضي الذلة طائعا غير مكره فليس منا) في كل ذلك وعيد به المزدجر لكل من يأخذ في الطريق المعاكس والنهج المناهض لما خططه الاسلام من ضرورة القيام بواجب الجهاد وعدم الاخلاد للراحة والقناعة بالذلة في ظل الانعزالية .
أعود مرة ثانية فأكرر التساؤل وأقول : ماذا أعد المسلمون للهجرة الى فلسطين مهاجر ابراهيم وهل يمتلك المسلمون زمام الموقف لتنفيذ الهجرة مع فرقتهم وتناحرهم وتخالف صفوفهم وتدابرهم وانقسامهم على بعضهم؟ هل تتسنى لهم الهجرة الى فلسطين في ذلك أو بذلك؟اللهم(لا) بل لا تقوم لهم قائمة الا بالسير على نهج سلفهم في بذل التضحيات في مختلف دروبها وبكل وسائلها وبالشد على الروابط بينهم والتضامن في الآلام والآمال . والا يكن من المسلمين ذلك فان الله سوف ينصر دينه ويعلى كلمته ويحقق الهجرة الى فلسطين وفتحها لعباده كما قال تعالى : (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم) ولعل ذلك يكون عند نزول المسيح ان لم يكن قبله والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون .
تفجر بالآداب والفن منهل فكان غذاء الروح ترعى وتنهل
ثلاثون عاما في جهادوستة وأعلامه تعلو وتعزو وتشمل
وآدابه كالنهر تجري فترتوي بها كل نفس بالفضائل تشغل
كماء نمير سلسبيل تدفقت شآبيبه بالنور يزهو ويرسل
به ابتسم الزهر المعطر وارتمى بأحضان روض في النضارة يرفل
له في ذوى الأفهام أسمى مكانة فلاقلم يهذي ولاما يضلل
تشم به أطياب مسك وعنبر ففي عرفه طيب وعود وصندل
تأبطه في الجانبين مجاهد وسار به للمجد يعدو ويرمل
يعيش طويلا بيننا نستشيره جنيا شهيا يستطاب ويجمل
تحيتنا للمنهل العذب مرة وبانيه آلافا تضاف وتكمل
من الفتية الأنصار من كان حظهم جهادا وتخليدا ومجدا يؤثل

