الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 127الرجوع إلى "الثقافة"

أدباء الطليعة

Share

{ ليس فى قصر أدباء الطليعة بهذا التسلسل أى معنى ، ولكنه يأتى حسب توفر البحث }

تناول ذات مرة الدكتور إبراهيم ناجى الأستاذ توفيق الحكيم بنقد علمى قال فيه : " لا يكفى حين نتناول أدبيا بالتحليل أن نعرف مدى التفاعل بين عالمه الداخلى وعالمه الخارجى ، أو على ما يقال تأثره بالوسط ؛ ثم نقلب ذلك العالم الداخلى عالم النفس عنده لنعرف الارتباطات بين وعيه وباطنه ، وبين كفاياته وموروثاته ؛ ثم نحلل خط حبه من أول طفولته إلى أن يكبر ، هل بقى خط حبه سليما ، هل هدم ، هل بتر ، هل شوهته الدنيا ؟ هل تناولته يد بالحذف أو الاضافة ؟ ماذا لقى فى السنوات الأولى ؟ ماذا أصاب فى المراهقة حين تتفتح النفس ،

وتزدهر ، ويأخذ الجنس فى النضج والتمام . هذا التشريح الذى قام به الطبيب ابراهيم ناجى العبقرى  بزغ نجمه فى سماء الأدب المصرى طفرة ، تهيأ له فى براعة لأنه ملم بحياة توفيق الحكيم الخاصة إلماما ، يجعل مشرطه  لا يرتعش فى يده ، ويجعل أنامله واثقة مما تتناول من دقيق الأوصال .

أما أنا فلست أجد أمامى إلا ما كتب إبراهيم ناجى ، ولست أجد غير ديوانه الذى أرهقنى البحث عنه ، لان إبراهيم ثار يوما - لأمر ما - فجمع ديوانه وألقى به فى  النار ! وشاء أن يهب شعره للنسيان !

وليس ناجى بشاعر فقط ، ولكنه دائرة معارف حية متنقلة ، فاذا بحثت عن ثقة يستطيع أن يحدثك عن شعراء الانجليز والألمان والفرنسيين والعرب والروس ، لكان ناجى فى طليعة العلماء الذين لهم أن يتحدثوا ، وأن يدلوا برأيهم فى سرعة وعمق وثقة وتواضع . بل إن ناجى ملم الإلمام الكامل بالنظريات العلمية والفلسفية ، قديمها وجديدها ! فيها نراه يحاضر فى فرويد ونيتشه وهيجل

وأينشتين وبرجسون وكانت ، يكتب بحثا فى دانتى ، وآخر فى ولز ، وثالثا فى شكسبير أو المعرى أو قاسم أمين ، ويترجم من الانجليزية والفرنسية والألمانية ؛ ثم هو يكتب قصة مصرية محضة وراء النظريات الحديثة فى علم النفس وعلوم التطور والاجتماع ، وهو مع هذا كله مخلص لطبه يبحث فيه ولا يترك " سماعته " , فهو يحملها ويطوف بها على مرضاه ، متسمعا الداء واصفا الدواء .

فناجى حركة غير عادية وذرة جوالة فى آفاق العلوم والآداب والفنون , وإذا شئنا أن ننتفع بعلمه حقا وجب علينا أن نحد من قراآته واطلاعه الهائم ، وأن نحجر على تفكيره بعض الحجر ، وأن نكلمه بأن يهدأ قليلا ليحتجز ما اختزن من معلومات ، ثم ليعيدها إلينا أبحاثا منظمة مرتبة . ولكن هيهات لنا أن نحد من حركة دائبة تستبق السرعة والزمن .

وأما الشاعر ابراهيم ناجى فلا يد لى أن أتأثره فى ديوانه ، فهو عندى الخط الذى يبين عالم حبه وهواه ، ويرسم لنا قصيدته الكبرى فى إطار من الحيرة والحنين والألم ، ويسجل حوادثه وخطرات أفكاره ، لأن ديوان الشعر " ليس إلا بصمات لأصابع الفكر " وإشعاعات لطابع الشاعر وخلجاته .

وليس عسيرا أن تتأثر الصور النفسية التى دارت فى ديوان الشاعر ابراهيم ناجى ، والأسلوب الذى أراده للتعبير عن صوره ، والألوان التى اتخذها لتصوير أطيافه . فقد نجد الخفة والحنين والعمق فى التفكير مع سهولة الأداء ، وقد يضفى علينا إبراهيم ناجى فى شعره حيوية لا مثيل لها ، كما يضفى فى أحاديثه الخاطفة عندما نقابله مقابلة عارضة فى الطريق   فشعر إبراهيم ناجى هو إبراهيم ناجى الذى نعرفه ، فهو يصور صاحبه صورة صادقة ترى فيها البديهة وسرعة الخاطر ، وتلمس الانطواء النفسى مزدحما يأتى سريعا فى القصيدة الواحدة - يمله

البيت الواحد - فى مودة جياشة بالعاطفة زاخرة بالألوان والأطياف ، حتى تنقل تصوير الشاعر بالمعانى الكثيرة المتسابقة فتتركك فى حيرة بين أطيافه وألوانه .

وناجى بار بشعره مخلص فى أدائه ، فهو شعوره المرهف وحبه المهدم ، وهو انفعالاته المتكررة الدائمة المتسلسلة ، وهو اغنيته وإيقاعه يتغنى به فى عالم مجهول ، ناشدا أملا قد يكون ضائعا ، وقد يكون ضالا هو وراءه ، لا يعرف كيف يتأثره .

هو دائما ينشد شيئا مجهولا ، لست أدرى ما هو ! أهو الحبيب الذى تركه أيام الصبا فعاد إلينا شاعرا حائرا مهدم الأمل ؟ لست أدرى أى مجهول يبحث عنه ناجى فى بيداء الزمن ! لست ادرى عمن يبحث حين يقول :

كم بت منتبها أصغى لخطوته

           أراه فى الوهم أحيانا وأسمعه

وأنت فى أفق الأوهام طيف صبا

             سما ودق على الأفهام موضعه

كأنك النسم النشوان منطلقا

            أظل كالنفس الحيران أتبعه

تعال ! وادن بيوم لا تحس به

         أجسادنا ، فى صفاء لا تضيعه

لكن أحسك تجرى فى صميم دمى

             أنت الحياة ، وأنت الكون أجمعه

واستمع إليه وقد جلس تحت أقدام تمثاله :

يا أيها الملك العليل أفق تجد

               مضناك بين العائدين عليلا

يوم المآب !كم انتظرتك باكيا

            وبعثت أحلامى إليك رسولا

خاطبت عنك فما تركت مخاطبا

            وسألت حتى لم أدع مسئولا

وأغرقت فى الأمل الجميل فلم أدع

                 متخيلا عذبا ولا مأمولا

وبكيت من يأسى عليك فلم أذر

           عند المحاجر مدمعا مبذولا

وأسائل الزمن الخفى لعله

          يسقى أواما أو يبل غليلا

مر الظلام وأنت ملء خواطرى

                ودنا الصباح ولم أزل مشغولا

وأتى النهار على فتى أمسى بما

                 حل النهار من الشئون ملولا

وكذا الحياة تعمل إن هى أقفرت

                    ممن يهون عبأها المحمولا

كد على كد ولست ببالع

            إلا ضنى متتابعا ونحولا

صدأ الحوادث بدل الأشراق فى

                   فكرى وكدر خاطرى المصقولا

وتتابع الأنواء فى أفق الصبا

               لم يبق لى صحوا أراه جميلا

ذهب الصبا الغالى وزالت دوحة

              مدت لنا ظل الوفاء ظليلا

أيام يخذلنى أمامك منطقى

                  فإذا سكت فكل شئ قيلا

ويثور بى حبى فان لفظ جرى

           بفمى تعثر بالشفاء خجولا

ما راعنى ما ذقته ، وخشيت أن

         ألقاك بالداء الدفين جهولا

فأشد ما عانى الفؤاد صبابة

              شبت ، وظل دفينها مجهولا

فهو يعود بشعره إلى مواطن الذكريات ، فيرجع إلى

صباه ينشده سنين الذكر وعزيز الرؤيا ، ويحن إلى الماضى

حنين اللهفة والحسرة ، مخاطبا العاطفة والانفعالات ، محدثا

العقل الباطن مناجيا الشعور المستكن فى وعيه الحائر . ولهذا كان شعر ناجى ملما بالذاكرة الواعية حين يستثير ما اختزنت من ماض وحاضر وملما بالعقل الباطن حين يخاطب الأحلام المستقرة فيه ، فشعره من هذه الناحية شعور حقيقى متعمق إلى أعمق الأغوار . ولهذا كان شعره متجددا مرنا متغيرا متتبعا لتجدد حالات النفس والعواطف . ولهذا كان شعر ابراهيم ناجى شعرا جديدا لأنه شعور بالأحلام ، ولا بد للأحلام من رموز وصور ، فهو فى ديوانه متحف فنى ومعرض لصور شتى ذات ألوان وأضواء رمزية .

ولهذا كان ناجى شاعرا رمزيا ، ولكنه يضفى على تماثيله وصوره حيوية خاصة مستمدة من الحقيقة والحياة ، وهو مطرب ، ولكن فى لين ، يثير دون عنف ؛ هو يبعث فيك الانتباه ويحرك الشعور دون انفعال ، كأثر تيار الكهرباء المنقطع ، يثير النشاط والشعور فى غير عنف أو إيذاء

وأنت حين تقرأ قصيدة " الوداع " ترى فيها موقفا بارزا لوداع الأمانى والآمال ، وصورا للحرمان تترى متلاحقة فى يقظات تطيح الأحلام ، وتريك الدنيا كما تعرفها قدرا ونسيانا ؛ وإذا بحلاوة الآمال الممسولة تتفاعل فتنقلب إلى مرارة قاسية :

كل شي ء صار مرا فى فمى   بعدما أصبحت بالدنيا عليما

وهو فى الوداع يقول :

حان حرمانى ونادانى النذير

           ما الذى أعددت لى قبل المسير

زمنى ضاع وما أنصفتنى    زادى الأول كالزاد الأخير

رى عمري من أكاذيب المنى

         وطعامى من عفاف وضمير

وعلى كفك قلب ودم    وعلى بابك قيد وأسير

حان حرمانى فدعنى يا حبيبى

        هذه الجنة ليست من نصيبى

آه من دار نعيم كلما

                جئتها أجتاز جسرا من لهيب

وأنا إلفك فى ظل الصبا

             والشباب الغض والعمر القشيب

أنزل الربوة ضيفا عابرا

       ثم أمضى عنك كالطير الغريب

وانظر إلى الوصف البرئ فى قوله : هل رأى الحب سكارى مثلنا ؟

كم بنينا من خيال حولنا !

ومشينا فى طريق مقمر     تثب الفرحة فيه قبلنا

وتطلعنا إلى أنجمه         فتهاوين وأصبحن لنا !

وضحكنا ضحك طفلين معا   وعدونا فسبقنا ظلنا

ثم يتلفت الشاعر فى يقظة ووعى إذ يرى الحقيقة سافرة والخيال مطرق الرأس فيقول :

وانتبهنا بعدما زال الرحيق    وأفقنا . ليت أنا لا نفيق

يقظة طاحت بأحلام الكرى    وتولى الليل والليل صديق

وإذا النور نذير طالع       وإذا الفجر مطل كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها      وإذا الأحباب كل في طريق

وهو يبكى الديار إذ عاد إليها فوجدها على غير ما عهد : هذه الكعبة كما طائفيها     والمصلين صباحا ومساء كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها          كيف بالله رجعنا غرباء

دار أحلامى وحبى لقينا    فى جمود مثلما تلقى الجديد

أنكرتنا وهى كانت إن رأتنا      يضحك النور إلينا من بعيد

ثم يهوله أن يرى الدار قد لحق فى جدرانها البلى ، فيصرخ ناجى مصورا ما يرى :

والبلى ! أبصرته رأى العيان    ويداه تنسجان العنكبوت

صحت : يا ويحك تبدو فى مكان

              كل شئ فيه حى لا يموت !

حتى إذا مضينا مع شاعرنا وجدناه واقفا بالدار يقول :

وعلى بابك ألقى جعبتى      كغريب آب من وادى المحن

فيك كف الله عنى غربتى    ورسا رحلى على أرض الوطن

وطنى أنت ولكنى طريد      أبدى النفى فى عالم بؤسى

فإذا عدت فللنجوى أعود

           ثم أمضى بعدما أفرغ كأسى

ويمتاز شعر ناجى بأنه مستبق على بهائه ومعانيه إذا ما ترجم إلى أية لغة من اللغات الأجنبية . وهذه ميزة من ميزات الشعر الانسانى الذى لا يعرف الشعوبية والوطن .

بالأمس حرق الشاعر ديوانه لأنه غضب من جحود الناس وإنكارهم ، وظن الطبيب أن الفكر قد تلاشى ، وأن القدر قد غلب ، وأن الخيال قد انهزم ، وأن الروح قد تحطم ، وأن الشعر قد بتر ، وخرج الطبيب إلى الدنيا يمر بالناس فيراهم صورا متشابهة وآلات فحمها الرزق ومحركها الجشع والشهوة والجوع ، مودعا الشعر والفن والفكر ، مذرفا دمعة حارة ، ومبتسما ابتسامة مرة !

وفى الغد سيسمع الطبيب إلى الناس ينشدون أغانى الشاعر ، ويرددون موسيقاه . وسيقف الطبيب على حافة الأبدية ليستمع هو الآخر إلى جرس الأشعار ، منتبها بسلاف الشاعر .

فعد أيها الشاعر إلى نابك المحترق ، وابعث فيه الألحان والشدو ، فإن عملها مصفية إليك . ولا تجنس ما يقولون .

اشترك في نشرتنا البريدية