الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 127الرجوع إلى "الثقافة"

أعظم لحظة فى حياتى

Share

الروائية الأمريكية الفاضلة السيدة " فانى هرست "

كانت أعظم لحظة فى حياتى تلك اللحظة التى عرضت لى فى مسقط رأسى " بسنت لويس " وأنا طالبة صغيرة لا أتجاوز الخامسة عشرة من عمرى .

وكان ذلك فى غضون الموسم العظيم الذى أقيم للاحتفال بذكرى شراء ولاية " لوزيانا " الواقعة فى الاقليم الغربى ، الذى لا تقل مساحته عن ستمائة وأربعين مليون فدان بسعر سنتين ونصف سنت (١) للفدان الواحد .

ولست أنسى الرؤى المجيدة التى تنزلت على فى ذلك المعرض ، فقد اكتشفت أعظم حقيقة فى حياتى ؛ ذلك لأنى وجدت أن أثمن مناجم الذهب فى العالم لا توجد فى ذلك الاقليم الغربى الوسيع ، ولا فى أى قسم من أقسام العالم ، بل إنها مستسرة فيك وفى .

ولقد جىء بكنوز الفن من مختلف أنحاء العالم إلى هذا المعرض ؛ فكان من حسن حظى ، وحظ رفيقاتى الطالبات فى المدرسة ، مؤاتاة الأيام لنا بهذه الفرصة النادرة ، إذ كنا نؤمه ذرافات كل يوم ، فتجد فيه ذلك الكنز الذى تكتشف لنا ثروته الموفورة بغير حساب !        وقد استحوذ على اهتمامى بنوع خاص فى قسم الفنون الجميلة صورة فريدة كانت من أهم ما رأيته فى ذلك المعرض الفخم ، وكانت من ريشة فتى هنغارى غاب اسمه عن ذاكرتى منذ ذلك العهد السعيد .

واعتدت التخلف عن سائر رفيقاتى لأخلو إلى تلك اللوحة الثمينة ، وكان عنواها " النجاح " وقد علقت على حائط مكسو بالمخمل الأحمر ، وقد رسمت فوقها كرة ذهبية يسطع عليها ضوء الشمس الذى أكسبها بريقا خاطفا للأبصار .

وكانت هذه الكرة الذهبية اللامعة تتدلى فى وسط الفضاء .

وكان فى الطرف الأدنى من اللوحة مئات من الأيدى التى امتدت إلى تلك الكرة الذهبية ، بل الأيدى التى سعت إليها ، بل الأيدى التى جاهدت لإدراكها ، بل الأيدى الضارعة إليها المتوسلة أمامها ، بل الأيدى التى كدت رجاء مداناتها والاقتراب منها ، بل الأيدى المندفعة نحوها المسارعة إلى التقاطها ، بل الأيدى التى حاولت القبض عليها مئات الأيدى امتدت نحوها !

الأيدى الناطقة بفصاحة عن إجادة عملها ! الأيدى المقتحمة فى تفكيرها ! الأيدى كثيرة العقد ! الأيدى الفتية ! الأيدى الشيخة ! الأيدى الصنديدة ! الأيدى الجشعة ! ! الأيدى المحتالة ! ! الأيدى القاسية ! الأيدى الحاذقة ! الأيدى المثابرة ! الأيدى المترفة ! الأيدى الأنيقة ! الأيدى الحساسة ! الأيدى الغليظة ! الأيدى الصلبة !

ولكم وقفت أمام تلك اللوحة مأخوذة بسحر معانيها . النجاح ؟ ! !

لقد تمثل النجاح لنا فى تلك اللوحة ، ورأيناه هناك خداعا براقا ، بعيدا عن متناول اليد . . . .

ترى ما هو سر الحصول عليه ؟ ! لقد تجاوب حولى صدى جميع ما قيل عن نجاح

فريق من الأفراد الموفقين المفلحين ، وكثيرا ما قيل لى إن سبب نجاح " فلان " هو ثروة والده الهائلة ورأس المال الذى أمده به . وكثيرا ما عزى أمامى نجاح السيدة " فلانة " إلى حسن طالعها . ولقد قال لى قائل : لو كنت  أنا فى مثل ظروف السيد . . . وأتيح لى ما أتيح له من المناصرة والمساعدة لبلغت ذرى الفلاح ، وأدركت ما أدرك من التوفيق والفوز ، بفضل المصادفة  العمياء التى طالما أجمعت إليه .

حقا لقد قيل لى كل ذلك . وكنت أتساءل عن مغزاه ، فكانت تأخذنى هزة الدهشة والحيرة ، وكم قلت لنفسى : أية مناصرة ، بل أى حظ سعيد قد مكن الشاعر " جراى " من نظم مرثاته الرائعة الى كنا نؤديها عن ظهر قلوبنا كلمة كلمة لا يحرم منها حرفا إذ ذاك فى المدرسة ؟ بل أية مصادفة تلك التى منحت الرسام موريالى القدرة على إبداع لوحاته ورسومه ، التى كانت تجرى الحياة فيها ، وكنا نرى أروقة هذا المعرض مزدانة بها ؟ !

وهل كان نابليون. . . نابليون لو لم توجده المصادفة لفرنسا وقت أن اشتدت حاجتها إلى شاب يقوم بعمله ، ومما أسداه إليها من الخدمات ؟ أو هل كان نابليون يلبث هو هو نابليون فى غير تلك البلاد ، وفى غير تلك البيئة والأحوال ؟ شد ما ساءلت نفسى وناجيتها بكل هذه الأحاديث حين وقفت طويلا أمام تلك اللوحة ، وفى أحد الأيام رافقتنى إليها استاذة تاريخ الفنون ، ووقفا معا صامتين ، ونحن نحقق النظر إلى لمعان الكرة الذهبية والأيدى الممتدة نحوها الفضية إليها ! وبعد سكوت ازدحمت فيه المعانى التفتت إلى أستاذتى الحكيمة وسألتنى قائلة : " ما الذى يسترعى انتباهك  إلى هذه الصورة ؟ " .

قلت : " تلك الأيدى الممتدة نحو الكرة الذهبية ، والتعجب الذى تغرينى به والاستيضاح الذى تضرمه فى مثلى ، فأسأل نفسى : كم يبلغ عدد الأفراد المبخوتين الذين يعينهم حسن حظهم على لمس تلك الكرة ؟ "

فأجابت مستنكرة ، وقالت فى لهجة رصينة : " المبخوتين ؟ حذار ، وماذا تعنين بالمبخوتين ؟ ذوى الحظ الحسن ؟ ليس النجاح يا ابنتى وليد الحظ أو لعبة  من ألاعيب البخت ، بل النجاح علم ما العلوم المحكمة المرتبة . فالأيدى الثابتة الراسخة ، الحازمة الملحة فى إصرارها على السعى والكدح ، هى المرغمة أن تلمس تلك الكرة وتستحوذ عليها . والنجاح مخبوء فى تلك الأيدى عينها "

ولقد كان قولها لى من أثمن ما سمعت ، وقد نفحتنى به حكمة جليلة وأضفت على منه نعمة جزيلة ، إذ أفهمتنى أن السانحة التى تسعفنى بالنجاح هى فى الغالب ضمن دائرة اختصاصى ، بل هى حق من حقوقى ، وليس مرجعها المؤازرة أو ثروة الأب أو الحظ والسعد أو المصادفة العمياء . لأن السعد أو الحظ لا يتيح لتلك الأيدى الاستيلاء على كرة النجاح ، بل إن النجاح يكمن فى قوام تلك الأيدى ، وفى القوة التى تحركها وتحفزها على العمل ، وفى دقات القلب الكبير المتنظمة الجبارة ، وفى الشجاعة وسمو المبدأ وصدق الغاية ونبل القصد ، وفى العزيمة التى لا تغلب ولا تقهر . وفى إقدام أصحاب تلك الأيدى وثبات عزمهم ، بل إن مرجع نجاح تلك الأيدى هو الاخلاص للغرض المنشود .

نرى أية يد من تلك الأيدى المرتسمة فى اللوحة هى التى كانت تئز غيرها فى شدة البأس والاقدام والجهاد والتأنى والثبات والسعى إلى الخير والمكرمات ؟

لله در أستاذتى ! لقد فتحت عينى وأماطت الحجب عن تلك الحقيقة الجليلة حين وقفت فى ذلك اليوم البعيد أمام اللوحة التى تدعى " لوحة النجاح " - الحقيقة التى استوعبتها بجمعة فكرى ، وادخرتها لتطلب العلم معى فى حجرة الدراسة ، ولتفرقه عنى فى ساحة اللعب ، ولتهجع فى سريرى حين آوى إلى عالم النوم والاحلام ، ولترافقنى فى كل حالة من حالات الحياة اليومية ، ولتوحى إلى النجاح الذى يمكن أن أحرزه . . .

ولقد ناجيت نفسى فى ذلك اليوم البعيد الغريب قائلة : ترى ماذا يكون أثر هذه الحقيقة الرائعة فى نفسى وفى نفس غيرى ؟ هل أستسلم لنزعات لحظة يتضاءل فيها نور تلك الحقيقة ، أم أزيد مهره بحسن السعى والاستضاءة بهداه ؟ وقد يكون الحظ والبخت والفرص السانحة وجاه الأب جميعا طوع بذاتى ، فهل أستخدمها للمغرض المنشود ؟ وهل اذكر علي الدوام أن مرجع كل نجاح هو انا ! يا للسلطان الجديد الذى نلته ! ويا للمسئولية الجديدة التى شعرت بها ! ويا للشجاعة الجديدة التى حاصرتنى حين عرفت -  بفضل هذه الحقيقة - أن كثيرا من الجمال الذى يترقرق فى المؤلفات القيمة والمنظومات الرائعة والصور النفيسة والخدم الجليلة والسير العظيمة ، هو المرآة الصافية التى يتجلى فيها

مثال قوى النفس العظيمة الغلابة وممكناتها . وما الطرفة الغالية والحكمة السامية تجود بها الأقلام الناضجة إلا فكرة فرد جمالها مقصده الأسمى ، وحلم بها وكد من اجلها ، وعمل على تحقيقها ، فأخرجها من حيز الخيال إلى عالم الحقيقة . .

وما المشروعات العظيمة أو الأعمال الخيرية إلا ثمرة تمسك فرد بمثل أعلى ! ! حقا ياصاح أنك تحصل على منجم الذهب الأبرز إذا اعتقدت أن مرجع قدرتك على نيل النجاح هو - أنت . أنت ! أجل أنت هو منجم الذهب ! فاستخرج من كنوزه جددا وعلما .

اشترك في نشرتنا البريدية