الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 31الرجوع إلى "الثقافة"

أعلام الكلام لابن شرف القيرواني

Share

أما النقد بمعناه العام فقد وجد مع الانسان بطبيعة الحال، وسايره في تقدمه، فكلما ارتقى الإنسان ارتقى نقده، أي نظره إلى الأشياء، وإن كانت الأغراض وما تزال تبعده عن الحق قليلا أو كثيرا، تبعا لضعفها وقوتها.

ونقد الشعر عند العرب وجد يوم وجد الشعر، وما كانت الاسواق التي تقام في الجزيرة العربية، ويحكم فيها فطاحل الشعراء فيما يلقى من شعر، إلا عناية بالغة بنقد الشعر. ولكن نقد الشعر في تلك الأزمان الخوالى والأيام المواضي كان غير مرتب، أو كان لا يتناول إلا الألفاظ أو المعاني من حيث صحتها وفسادها وحدتها. أما النظر إلى تأثير البيئة فيها، وظروفها وأحوالها ودواعيها ، وخلق قوانين للنقد، مثل عدم تحكيم العاطفة من حب أو بغض أو غضب، فأمر غير موجود.

ولكن مع مرور الزمن، وتنوع أسباب الحياة وألوانها ، وتعدد شكولها ، ألف كثيرون من العرب كتبا خاصة للنقد، أو خصصوا أبوابا للنقد في مؤلفاتهم، أو عرضوا للنقد منبتا في تلك المؤلفات.

فمن الذين ألفوا كتبا خاصة في النقد ابن رشيق الفيرواني، إذ الف رسالة في النقد تدعي " قراضة الذهب" ، وكتابا يسعي "العمدة". وابن شرف الذي نحن بصدده ألف هذه الرسالة "أعلام الكلام" في نقد الشعر خاصة، وابن قدامة والآمدى وغيرهم.

وأما الذين تناولوا النقد في بعض كتبهم فكثيرون يخطئهم الحصر والعد، كالجاحظ وابن عبد ربه وابن قتية وغيرهم وغيرهم.

على أن الأمر أوضح من هذا بكثير، فان استنباط علوم البلاغة -المعاني والبيان والبديع- ما هو إلا نقد ووضع لقواعده العلمية، ولهذا تسمى هذه العلوم علوم النقد.

وللعرب في نقد الشعر أو في نسبة كل قول إلى قائله واستخراج الدخيل -على رغم ما روى الرواة- نظرات صائبات لا تخطئ، وأبحاث عميقة تصيب كبد الحقيقة.

ونحب الآن أن نتكلم عن رسالة ألفها النقادة العربي العظيم أبوعبيد الله بن شرف القبرواني، قرين ابن رشيق ومنافسه في بلاط ابن باديس صاحب القيروان، وهي رسالة ألفت في نقد الشعر العربي خاصة، ووضعت فيه قواعد وأصولا تلتقي مع النقد الحديث، أو النقد المنسوب إلى الغرب في كثير من موضوعاتها.

هذه الرسالة تسمى "أعلام الكلام" وتمتاز بسهولة الأسلوب ووضوح المعنى وعدم التعقيد.

وتكفل مؤلفها ببيان الغرض من تأليفها، فصرح بأنها عبارة عن أحاديث مختلفة اختلف فيها أخبارا فصيحة عزاها إلي أبي الريان الصلت بن السكن من سلامان؛

وكان أبو الريان هذا أدبيا مفطورا ، أسبغ عليه المؤلف من النعوت والأوصاف الشئ الكثير .

واقتدى المؤلف فى هذه الأحاديث بالأوائل كمؤلف ((كليلة ودمنة)) ، وسهل بن هارون الكاتب المعروف فى كتابه (( النمر والثعلب)) ، والهمذاني فى مقاماته ؛ وإذا فأبو الريان هذا الذى يحادثه المؤلف ، ويطلب إليه رأيه فى الشعر العربى والشعراء من عهد الجاهلية إلى أيامه ، أى إلى أوائل القرن الخامس الهجرى ، ثم يطلب إليه فى آخر الرسالة أن يروى له مختارا من الشعر العربى فيرويه ، إنما هو نفس المؤلف . والاراء التى يدلى بها أبو الريان ، إنما هى اراء ابن شرف ، وضعها فى هذا القالب ، لتكون أكثر قبولا ، وأرسخ فى الذهن ، وأبرع فى الأداء والتصوير .

سأل ابن شرف أبا الريان فى الشعر والشعراء ، ومنازلهم فى الجاهلية والإسلام ، فقال أبو الريان : الشعراء أكثر من الإحصاء ، وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء ، فأخذ ابن شرف يعدو لأبى الريان المشهورين منهم ، فقال أبو الريان : لقد سميت مشاهير وأبقيت الكثير ، قلت بلى (١) . ولكن ما عندك فيمن سميت لك . قال : أما الضليل -وهو امرؤ القيس - فانهم كانوا يقولون أسيلة الحد (٢)، فقال هو ((أسيلة مجري الدمع)) وكانوا يقولون تامة القامة ، وطويلة القامة ، فقال هو ((بعيدة مهوى القرط)) ، وكانوا يقولون في العرس السابق يلحق الغزال ويسبق الظلام ، فقال هو ((بمنجرد قيد الأوايد هيكل)) .

قال أبو الريان وأما طرفة فخص بأوفر نصيب على أنزر نصيب من العمر ، وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق

بلسان الجزالة عن جنان الاصالة ، وأما العبسي فمجيد فى أشعاره ولا كمعلفته ، وأما ابن حلزة البكرى فسهل الحزون ، قام خطيبا بالموزون ، والعادة أن يسهل شرح الشعر بالنثر ، وهذا أسهل السهل بالوعى ، وذلك مثل قوله :

أبرموا أمرهم بليل فلما

أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء

من مناد ومن يجيب ومن

تصهال خيل خلال ذلك رعاء

فلو اجتمع كل خطيب سائر من أول وآخر يصفون سفرا (١) نهضوا بالأسحار وعسكرا تنادى بالنهوض إلى طلب الثأر ، لما زادوا على هذا إن لم ينتقصوا منه ويقصروا عنه . وأما ابن كلثوم فصاحب واحدة بلا زائدة ، يعنى معلقته ، وجعلها تغلب قبلتها التى تصلى إليها ، ولم تتركها إلا بعد قول القائل :

أنهي بنى ثعلب عن كل مكرمة

قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

ثم تكلم بمثل هذا عن النابغة زياد وأبى ليلى الجعدى والأعشى والأسود من يعفر وحسان بن ثابت ودريد بن الصمة والراعى عبيد وعامر من الطفيل وزيد الخيل وابن مقبل والحطيئة وأبى ذؤيب والنصرانى الأخطل والدارمى همام  (أعنى الفرزدق) ، وابن الخطفى ، أعنى جرير بن عطية ، والقيسين ابن الملوح وابن ذرريح الكنانى ، وجميل وغيلان والطئرى والدمينى وحميد الهلالى وسحيم الريحى والرماح والكميت والطرماح و نصيب وبشار وابن أبى حفصة وأبى نواس وصريع الغوانى والعباس بن الأحنف ودعبل وعلى بن الجهم والطائى حبيب والبحترى وابن المعتز وابن الرومى وكناجم والصنوبرى والخبزارزى وأبى فراس ابن حمدان والمتنبى وديك الجن .

ولما انتهي أبو الريان من شعراء المشرق عرج على شعراء المغرب كابن عبد ربه صاحب الغقد الفريد وابن هانئ وابن دراج الأندلسي القسطلي وأبي علي التونسي وهو بحتري المغرب.

وهذا هو القسم الأول من الرسالة، وهو كفيل بأن يعطينا صورة قاطعة حاسمة لمعرفة ابن شرف للشعر العربي وشعرائه الأولين ومبلغ فهمه لشعرهم وحكمه عليه وعليهم، وهي معرفة كفيلة بأن ترفع المؤلف إلي ذروة عالية من الإطلاع والفهم.

ثم ختم هذا القسم بأنه أنصف المتأخرين مع أن المعروف أن الناس يحتقرون المعاصر، ويستصغرون المجاور، "فحاش لله من الأوصاف لقلة الإنصاف للبعيد والقريب، والعدو والحبيب".

وهذه قاعدة من قواعد النقد، وهي ألا يحكم الناقد عواطفه في النقود كما كانوا يقولون:

وعين الرضى عن كل عيب كليلة

كما أن عين السخط تبدي المساويا

وبعد ذلك يدخل المؤلف في القسم الثاني من الرسالة، وهو عبارة عن نظريات وقواعد للنقد كما فهمها النقاد المحدثون، فيقول:

قلت: يا أبا الريان أكثر الله مثلك في الإخوان، ووفاك محذور الزمان، ومرور الحدثان ، فلقد سبكت فهما وحشيت علما. قال محمد:

قلت لأبي الريان في مجلس عقب هذا المجلس: يا أبا الريان لقد رأيت لك نقدا مصيبا ومرمى عجيبا، ولقد أرغب في إن أنال منه نصبيا، فأورد أبو الريان أراء ونظريات في النقد منها:

النقد هبة، وإن العلم بالشعر والرواية له لا تخلق من الناس نقدة له، ولا تجمل لهم نفاذا فى نقده،

ولا "جودة فهم" في رديه وجيده .

وأن كثيرا ممن لا علم له يفطن إلى غوامضه وإلى مستقيمه ومتناقضه.

ثم أوصي أبو الريان ابن شرف ألا يستعجل بإحسان ولا باستقباح، وألا يؤخذ المرء بالألفاظ الضخمة، فقد تكون معانيها منحطة مبتذلة، وألا يستضعف الألفاظ المستعملة والكلمات المبتذلة، فقد تكون تحتها معان طيبة "فإن حسن اللفظ والمعنى، فذلك حظ الممدوح، وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح" .

ومنها ألا تستحسن القديم لأن له إجلالا في نفسك، وألا تتهاون بالعاصر إجابة لاستصغارك، وهنا اورد نقدا البعض أبيات لامرئ القبس.

قال أبو الربان : وفضلاء الشعر كثير جدا، ولكل سقطات، ولا يقدح هذا في نظره في مكانتهم.

ونقد أول بيت من معلقة زهير أو مذهبته:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته، ومن تخيطئ يعمر ويهرم

فقال لا يطالبه بحكم دبغنا لأنه لم يكن على شرعنا، بل نطالبه بحكم العقل ، ودلل على حكم العقل بأن المنايا لا تصيب خبط مشواء ولا مخطئ، بل يموت الطفل لأن اجله انتهى، وبقي الهرم لأن أجله باق، وهو نقد على كل حال فيه شئ من الإنصاف كثير، بل لعله الإنصاف كله، فإن صراعاة العقيدة الدينية واختلافها يجب أن ينظر إليها نظرة تقدير، وأن تكون من الأمور المقررة، ولم بأت الغرب أو النقاد الغربيون بأحسن منها في مثلها:

وعند بيته، أي بيت زهير:

ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم

فقال بعد أن عاب الظلم، بأن له مندوحة في أن يقول:

ومن لا يدفع الظلم بظلم، ولكل وجهة. ونقد بيته أيضا:

تراه إذا ما جئته متهللا               كأنك تعطيه الذي أنت سائله

فقال هذا هجاء وذم لا مدح، مع أن الناس جميعا يكادون يجمعون على أنه أمدح بيت، وعلل قوله بأن الشاعر يمدح شريفا أي شريف ، فجعل سروره بقاصده كسرور المقصود بمن يدفع شيئا من عرض الدنيا إليه، والإنسان المعتد بنفسه لا يبدي سروره بهدية تهدى إليه صلة الشريف

ونقد بيته:

على مكثريهم حق من يعتريهم

                        وعند المقلين السماحة والبذل

فقال أول ما ذمهم به ان فيهم مكثرين ومقلين، فلو كان مكثروهم كرماء لبذلوا لقليهم الأموال حتى يستووا في الحال، ويشبهوا في الكرم الذين قال فيهم حسان بن ثابت:

الملحقين فقيرهم بغنيهم

                  والمشفقين على اليتيم المرمل

وكما قال غيره:

الخالطين فقيرهم بغنيهم              حتى يعود فقيرهم كالكافي

وكما قالت الخرنق أخت طرفة لأمه:

الخالطين نحيتهم بنضارهم

                 وذوي الغنى منهم بذوي الفقر

وذوي

ثم ثني بعيب في البيت فقال: إن المكثرين لا يعطون إلا حق من يعتريهم، وليس في هذا فضل لأن إعطاء الزيادة هو الفضل، أما إعطاء الحق فلا، ولكن نعقب على ذلك بأن للبيت رواية أخري وهي:

على مكتريهم رزق من يعتريهمو

              وعند المقلين السماحة والبدل

وإذا فلا وجه للمؤاخذة في هذه القطة، لأن الفرق بين الحق والرزق في البيت واضح، ولكنه قدم لهذا النقد كما قلنا بأنه لا يحط من أقدارهم، وأن القدم لا يشفع

لصاحبه، والحدوث لا يمنع التجويد.

ثم رجع إلي سرد بعض قواعد في النقد فقال: ومن عيوب الشعر اللحن الذي لا تسعه فسحة العربية، وخشونة حروف الكلمة وتعقيد الكلام.

أما الإقواءوالإبطاء والسناد والإكفاء والزحاف، وصرف ما لا ينصرف، فكل ذلك يستعمل، ولكن السالم منه أفضل.

ومن عبوب الشعر مجاورة كلمة ما لا يناسبها، والافتتاحيات الثقيلة والمتطير بها، والكلام المضاد للغرض، كما حصل لأبي نواس مع جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي في قصيدته: في قسيدته :

أربع البلى إن الخشوع لباد

                    عليك وإني لم أخنك ودادي

ولا سيما في ختامها، وقد حمل في مواضع كثيرة على أبي نواس.

ومن عيوب الشعر الخفاء في النسيب على الحبيب، والتضجر ببعده، وغلظة العتاب والسرق؛ "وهذا كثير الأجناس في شعر الناس، ثمنه سرقة ألفاظ، ومنه سرقة معان؛ وسرقة المعاني أكثر لأنها أخفى من الألفاظ، ومنه سرقة المعنى كله، ومنه سرقة البعض، ومنه مسروق باختصار في اللفظ وزيادة في المعنى وهو أحسن السرقات - لا نعلم إذا كان يريد اخفاها، أو أنه ليس بسرقة -ومنه مسروق بزيادة ألفاظ وقصور عن المعنى وهو أقبحها، ومنه سرقة محضة بلا زيادة ولا نقص.

والقسم الثالث من الرسالة هو أن المؤلف طلب إلى أبي الريان أن يروي له شعرا مختارا فروى.

تلك هي رسالة " أعلام الكلام" لابن شرف، تعطينا فكرة صحيحة عن العصر الذي قيلت فيه، ومقدار تعمق مؤلفها في فهم الشعر ونقده، ومعرفته لعلوم الشعر من عروض وقافية.

اشترك في نشرتنا البريدية