لم يحدد الفرق بين المدنيين والمحاربين تحديدا واضحا إلا فى أثناء القرن التاسع عشر . وقد ذهب الكتاب فى أرض القارة الأوربية وقتئذ مذهبا بعيدا فى هذا
التحديد ، فقالوا إنه لما كانت الحرب علاقة بين الدول لا بين الأفراد ، فان العداء القائم بين هذه الدول بعضها وبعض يجب ألا يتعدى الجنود إلى السكان المدنيين ولكن علماء القانون الدولى من الانجليز والأمريكيين لم يأخذوا بهذا الرأى ، وإن اعترفوا كلهم بأن المبادئ الأساسية للقانون الدولى تحرم تعريض المدنيين لهجوم مباشر من قبل المتحاربين ، وتوجب تأمين هؤلاء المدنيين على أنفسهم وحرياتهم وصيانة أموالهم الخاصة إلا فى حالات استثنائية قليلة ، ما داموا مسالمين خاضعين للنظام والقانون .
لكن الفرق بين المدنيين والمحاربين لم يعد له فى الحرب الكبرى الماضية ما كان له فى القرن التاسع عشر من وضوح ، وسبب ذلك أن جميع الذكور القادرين على حمل السلاح قد أصبحوا فى تلك الحرب عرضة للتجنيد ، أو أنهم قد جندوا بالفعل للقيام بأعمال تتصل بسير الحرب من قريب أو بعيد .
يضاف إلى هذا أن أدوات الحرب الحديثة يجعل التمييز بين المحاربين والمدنيين أمرا عسيرا من الوجهة العملية ، فمهما حرص الطيار على أن يقصر هجماته على الأهداف العسكرية فإنه لا يستطيع أن يثق بأن ضرباته لن تصيب المدنيين إلا إذا وافاه الحظ ولازمه حسن التوفيق . ولذلك ذهب بعض المتطرفين إلى أن من العبث أن تحاول التفرقة بين المدنيين والعسكريين ، وأن كل ما وضع على أساس هذه التفرقة من قواعد وقوانين قد انهار . ولكن هذا الرأى الفرط فى اليأس لم يقبله معظم علماء القانون الدولى ، بل يقولون إن الأحوال الجديدة - وإن قلت من الفروق بين المحاربين والمدنيين من وجوه عدة ، وأدت إلى تعديل بعض القواعد القائمة فى هذا الوقت - لم تؤثر مطلقا فى القاعدة الأولى الأساسية وهى أن هناك محاربين وغير محاربين ، وأن غير المحاربين
يجب ألا يكونوا عرضة لهجوم المباشر من جانب قوات أعدائهم المسلحة .
كذلك لا يقر قانون الحرب أعمال التدمير والقتل التى توجه إلى السكان المدنيين مباشرة . بقصد إرهابهم أو إضعاف روحهم المعنوية رغم ما قد يكون فى هذه الأعمال من فائدة للمحاربين . أما ما يصيبهم من أذى عفوا لم يكونوا هم المقصودين به بالذات ، بل كان نتيجة للأعمال الحربية العامة ، فهو مبرر في نظر القانون . فاذا حوصرت إحدى المدن مثلا ، وضربت بالقنابل فقتل بسبب ذلك عدد من أهلها المدنيين لم يكن فى قتلهم مخالفة لقوانين الحرب ، ولكن هذه القوانين نفسها لا تجيز ضرب مدينة مكشوفة ، وإن كان هذا الضرب سيؤدى لا محالة إلى قتل عدد من الجنود المحاربين . ولو أن الأمر كان غير هذا لما كان هناك حد للتخريب والتدمير لأن كل مدينة لا تخلو من جنود أو من رجال سيدعون فى الغد القريب إلى التجنيد .

