الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 149الرجوع إلى "الثقافة"

أعيان الجيل، [ لون من ألوان الأدب يوشك أن ينقرض ... ]

Share

...انفض المجلس أو كاد ، وأخذ السامرون يتسللون واحدا واحدا ومثنى مثنى ، وخلا المكان إلا واحدا هنا وواحدا هناك ، وإلا صدى تلك المناقشات الحامية التى كانت تتجاوب بها جدران الغرفة الفسيحة منذ قريب !

ورحت أستعيد فى خيالى صورة هذه الجلسة الممتعة الفريدة ، وما ضمت من ذوى القوة والجاه والنفوذ فى دوائر الفن والأدب ، ودوائر العلم والمال ، ودوائر الرأى والسياسة ؛ فاذا الصور تتزاحم فى رأسى ، وإذا الذكريات تنثال على خاطرى ، وإذا سؤال يتردد على شفتى :

(( هل بلغت الأمة العربية فى يوم من أيامها من الغنى بالرجال ما بلغت اليوم ؟ )) .

أعنى : هل اجتمع لها قبل اليوم فى جيل واحد من ذوى الأخطار والمواهب ما اجتمع لها اليوم ؟

ولست أحب أن يسبق إلى وهم أحد أننى أزعم أن الأمة العربية اليوم أرقى منها فى كل ما مضى من عصور التاريخ ؛ فذلك وهم لا يستند إلى برهان صحيح ؛ على أنه مع ذلك ليس هناك تناقض البتة بين هذا الذى أنكره وذاك الذى أدعيه ؛ فلقد تكون أمة من الأمم غنية بالرجال ذوى الأخطار والمواهب إلى درجة لا يسبقها فيها سابق ، وهى مع ذلك متخلفة فى ميدان الحضارة ؛ وعلى العكس من ذلك قد تكون الأمة هالة فى تاريخ الجيل تلمع وتتضوأ ، ولا يشتهر فيها مع ذلك عظيم مبرز متفرد !

بل إنى لأزعم أن الأمة فى أول خطاها إلى التاريخ تكون أغنى بالرجال المبرزين ، من الأمة التى بلغت آخر الشوط وانتهت إلى الغاية  . . .

وأعود ثانية إلى سؤالى .

ولست أغلو فى القول ، أو أتحيف الحقيقة ، لو قلت إن الأمة العربية اليوم لم يجتمع لها فى جيل واحد من تاريخها الطويل ما يجتمع لها اليوم من ذوى الكفايات البارزة والمواهب الفذة ؛ فحينما نظر الناظر ، هنا أو هناك ، لمعت لعينيه أضواء باهرة لرجال ذوى أخطار لم يجتمع مثلهم فى زمان فى مكان على طول تاريخ الأمة العربية الحافل !     هذه الصور اللامعة لهؤلاء الزعماء والقادة ، ماذا يدخر التاريخ منها فى يومه لغده ؟

أعنى : هذه الصور التى نراها لزعمائنا وقادتنا ، وهذه الأحاديث التى نتناقلها عنهم فى مجالسنا وسهراتنا ، وتلك المفارقات التى تتفق لهم فى حياتهم فتضحكنا منهم أو تضحكنا لهم ، وتلك الحيوات الخاصة التى يحيونها فى بيوتهم وبين خاصتهم ، فيتكشفون لأنفسهم وتتكشف لنا أنفسهم ؛ وتلك المآثر ، أو المباذل ، التى نشارك الفضوليين فى تتبعها والبحث عن حوافزها وملابستها ، فنعرف عنها ما نرويه ونتحدث به فى مجالسنا  . .

... هذه ، وهذه ، وتلك ، وأولئك - ماذا يعرف عنها التاريخ فى غد ؟

ماذا يعرف طالب الأدب بعد خمسين سنة عن (( طه حسين )) إلا كتب (( طه حسين)) ؟ وماذا يعرف عن العقاد إلا كتب العقاد ؟ وماذا يعرف عن فلان وفلان إلا كتب فلان وفلان ؟

وماذا تغنى كتب الشاعر أو الأديب فى دراسة الشاعر أو الأديب ، إذا كانت حياتهما الخاصة سرا فى ضمير التاريخ ؟

ماذا يكتب مؤرخو الأدب اليوم عن المنفلوطى ، والمويلحى ، والمرصفى ؛ وعن الكاظمى ، وحافظ ، وشوقى ؟ هل تراهم يكتبون عنه إلا : ولد سنة كذا ، ومات سنة كذا ؛ وقال  . . . ، ثم قال . . . ؟ .

وأين هذا من حياة المنفلوطى ، والمويلحى ، والمرصفى ؛ وحياة الكاظمى ، وحافظ ، وشوقى ؟

أين حياتهم الخاصة ؟ أين صلاتهم بالناس ؟ أين فقرهم وغناهم ؟ أين تقلب أحداث الحياة بهم ؟ أين ما أحبوا وما كرهوا ؟ أين ما خلعوا وما لبسوا ؟ أين ما لقوا فى حياتهم من أزمات ؟ أين ما اعترض سبيلهم من عقبات ؟

هل يغنى عن كل أولئك فى دراسة الشاعر أو الأديب أن يعرف يوم مولده ويوم وفاته ، وما كتب ونظم من شعر ونثر ؟

لقد حاولنا منذ سنوات أن نقيم للمتنبى مهرجانا نجدد فيه أدبه ونخلد ذكره ، لمرور ألف سنة على مهلكة ؛ والمتنبى شاعر الأمة العربية كلها غير منازع ؛ ولكن أساتذتنا وأدباءنا وأهل البحث والنظر منا لم يتفق منهم اثنان على نسب المتنبى ومنشئه ؛ فقال واحد : هو لقيط دعى ، وقال آخر : هو شريف علوى ، وقال ثالث : ... ...

. . . وبكينا واستبكينا ، وقلنا : ما كان أغفلهم فى عصور الجهل والانحطاط من القيام بحق العلم ، إذ غفلوا عن تدوين تاريخ المعاصرين من الأعيان والأدباء ! . . .

فأين ما دونا نحن ، فى عصر العلم والنور، من تاريخ هذا الجيل الذى نعيش فيه ؟

على أن السابقين من أدبائنا كانت لهم عناية بهذا الفن

معدومة النظير ، ولا أحسب أمة من الأمم قد اجتمع لها فى (( تاريخ الرجال )) ما اجتمع للأمة العربية ، حتى إن لكل طائفة من الناس معجما يثبت من تاريخهم ما يرون الحاجة إليه ؛ فثمة الكتب الكثيرة فى طبقات الصحابة ، وطبقات الرواة ، وطبقات الفقهاء ، وطبقات النحاة ، وطبقات الشعراء ، وطبقات الأطباء ، إلى عشرات وعشرات من هذا الباب .

ثم انظر (( وفيات الأعيان )) و(( معجم الأدباء )) وما تسلسل منهما وانبنى عليهما من كتب التراجم العامة التى جمعت فأوعت من تاريخ الأعيان والأدباء وذوى الشهرة والامتياز .

والحق الذى لا جدال فيه أن (( عصور الجهل والانحطاط )) كانت أكثر منا عناية بحق التاريخ ؛ وإذا كان مؤلفونا القدماء قد أغفلوا أشياء لها أثر فى الدراسات الجديدة لم يكن مقدورا عند القدماء ، فانه من الغبن أن نفرض على جيل من الناس أسلوبا من التفكير لم تكن عقولهم مهيأة لاستقباله ؛ فلا على القدماء ما أغفلوا من أشياء كانوا يجهلون قدرها ؛ ولكن ما عذرنا نحن اليوم ؟

أليس عجيبا أن يكون هذا الفن العظيم - فن التراجم - موضع عناية علمائنا ومؤرخينا منذ المائة الثانية للهجرة إلى أمس القريب ، ثم لا يوشك أن ينقرض إلا فى هذا الجيل الذى يزعم أهله أنهم قد بلغوا من الايمان بالحق منزلة تسمح لهم أن يعرضوا الموتى عراة على أعين الناس فى صناديق من زجاج !

أليس يدعو إلى الدهشة أن يتسلسل هذا الفن منذ المائة الثانية ، يبنى لاحق على سابق ، ويزيد فى السلسلة حلقة بعد حلقة ، حتى إذا انتهى إلينا لم نجد من مظاهر العناية به فى عصرنا إلا كتابين : نشر أحدهما المرحوم تيمور باشا ، يترجم فيه بضعة عشر من خلاته وصقوته

ورواد مجلسه ؛ وطوى الثانى المرحوم عبد الوهاب النجار على فنونه وألوانه !

على أن ثمة كتبا عدة من إنشاء هذا الجيل لترجمة حياة بعض العاصرين ؛ فهناك ((حياة الرافعى)) ، ومذكرات الجزيرى عن سعد ، وسعد زغلول للعقاد ، وكتاب شكيب أرسلان فى شوقى ، وكتاب ميخائيل نعيمة فى جيران ؛ وهناك مذكرات شقيق باشا ، و((فى المرآة)) للبشرى ، وغيرها .

ولكن هذه كلها تراجم آحاد لا تغنى كبير غناء فى التعريف بأعيان هذا الجيل !

هأنذا أعرض طائفتين من أعيان هذا الجيل بأسمائهم : أما إحداهما فقد انطوى تاريخها على الأرض منذ حين ، ولكن صداها ما يزال يرن فى آذان المشرقين ؛ وأما الأخرى فما تزال بين سمع الدنيا وبصرها مكافحة دائبة . . .

... هأنذا أعرض هاتين الطائفتين ثم أسأل : ماذا يعرف الناس عنهم ويتحدثون به فى مجالسهم وأندية سمرهم ؟ ثم ماذا يعرف التاريخ ويأثر من هذه الاحاديث ؟

ماذا يعرف الناس عن الكاظمى ، والزهاوى ، وحفنى ناصف ، وإمام العبد ؛ وعن طاهر الجزائرى ، والشنقيطى ، والمرصفى ، واليازجى ؛ ثم عن الخانجى ، والحلبى ، وزيدان ، ومترمى ، وسركيس ؟

أليس هؤلاء أساطين من دعائم القوة الأدبية فى هذا الجيل ؟

بلى ، وقد كانوا أحياء معاصرين ، وكان لهم أخبار ونوادر ، ومفارقات وأقاصيص ، ومآثر ومباذل ، يتداولها السامرون للهو والتسلية ، وإن لها لشأنا حين يقتضينا حق الأدب أن ندرس تاريخ هذا الجيل ودعائمه والمؤثرات فيه ؛ فماذا نقول يومئذ ؟

إن الذى ينبغى أن نقوله يومئذ قد بدأ يتسرب من أيدينا ويتبخر من رءوسنا ، لأنه تاريخ غير مكتوب ؛ فهل بقى بعد إلا الكتاب والديوان ؟ . . . ولكن أين الرجل ؟ . . . أين الانسان الذى يكشف لى عن معانى الكتاب ومعانى الديوان ؟

وا أسفا ! لقد مات الشعر والشاعر ؛ فما هنا شعر يترجم عن عاطفة ، ولكنه صدى لحن خافت تحمله الريح إلى مكان سحيق !

هذه طائفة قد طواها جيلها فى مدارج النسيان ، وليس بيننا وبين ماضيها القريب إلا سنوات ، وأما الطائفة الأخرى ...

ها نحن أولاء ما نزال نعيش فى الأحياء ، وما زال حديثنا رطبا على شفاه الناس يترجم عن معانينا ويكشف عن ذات أنفسنا ، وما زالت حياتنا حادثة تتراءى على أعين الناس فيعرفون عنا ما لا نكاد نعرف ؛ وما زلنا إلى ذلك ننتج شعرا ونثرا يتفهمهما الناس على ضوء ما يعرفوننا أو يعرفون عنا ؛ ولكننا غدا تاريخ من التاريخ ، فمن لى بأن يعرفنى القارئ غدا عرفانا نتراءى به قلبا لقلب ، ونتكاشف نفسا لنفس ، فيقرأ آثارى الأدبية - بعدى - وكأنى جالس إليه أحدثه حديثى وأبثه نجواى ، وبينى وبينه اختلاجة العاطفة ونبض الشعور ؟

من لى بأن يقرأ الناس غدا كتاب ((الأيام)) فيعرفوا مؤلفه وصاحب خبره ؛ ويقرءوا (( سارة )) فيعرفوا عاشقها وصاحب نجواها ؛ ويطالعوا (( أغانى الكوخ )) فيعرفوا شاعرها وأين وقع أغانيه ؟

ولست أعنى رجال الأدب حسب حين أتحدث عن أعيان الجيل ؛ فقد قلت فى صدر هذا الحديث : إن الأمة العربية لم يجتمع لها فى يوم من أيامها ما اجتمع لها اليوم

من ذوى القوة والجاه والنفوذ فى دوائر الفن والأدب ، ودوائر العلم والمال ، ودوائر الرأى والسياسة ؛ وسينطوى هذا الجيل فى مدارج النسيان كما انطوى جيل سبق ، فلا يكاد التاريخ يذكر شيئا بعد عن فلان وفلان وفلان ، وإنهم اليوم ليملون على التاريخ ما يقول !

ولعله من العجيب أن يكون إغفال الأدباء هذا الباب فى الوقت الذى بدأت فيه القصة تأخذ مكانها فى الأدب الجديد ، وبدأ الناس يقبلون عليها ، وبدأ الكتاب يجودونها ويفتنون فيها .

والقصة والترجمة الشخصية صنوان ، بل لونان على مائدة ، تهفو النفس إلى كليهما على قدر مشترك ؛ وبينهما من التشابه ما يكمل من أحدهما نقص الآخر ؛ ويكاد الفرق

يكون معدوما بين القصة التاريخية فى بعض صورها وبين الترجمة الشخصية ؛ ولقد يعمد القاص الفنان إلى خبر تافه فى ترجمة إنسان فيتخذه نواة ينشئ منها قصة تصيخ لها الدنيا ؛ ولقد يعمد المؤرخ الصادق الحس إلى قصة من قصص التاريخ فيتخذها مصباحا يهديه ورائدا يذلل له سبيله .

فكيف وقع - والصلة بين هذين الفتين هى ما ذكرت - أن ينشط أحدهما و يخمل الآخر ؟ ما سببه وما علاجه ؟ . . .

أما سبب ذلك وعلاجه فلعلى أعود إليه فى مقال تال إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية