فى ٢٦ يونيه سنة ١٩٣٧ اختفى علم المصريات الخفاق وهوى نجمها الثاقب ، الذى يرجع إليه وإلى تلاميذه الفضل الأكبر فى كشف القناع عن صفحات تاريخنا وسجل تراثنا العقلى ، أعنى " أدولف أرمان " الذى تقدم فى ١٢ يونيه سنة ١٢٩٤ إلى المجمع العلمى البروسى ببحثه القيم ( مصدر مصرى لأمثال سليمان ) (١) فسجل حسنة جديدة من حسنات العقلية المصرية القديمة على الكتاب المقدس ، وقد وجه هذا البحث الكثيرين من العلماء إلى تتبع نتاج عقلية قدماء المصريين ، ومدى تغلغله فى تراث الشعوب الأخرى ؛ ففاضت القرائح بالأبحاث الكثيرة التى تناولت الكتاب المقدس نقدا وتحليلا ، حتى وفق الكثيرون من أصحاب هذه البحوث إلى إرجاع كل قطرة إلى نبعها الذى أخذت منه . ولعل أحدث وأنضج كتاب ظهر فى هذا الموضوع هو كتاب تلميذ ( أرمان ) أعنى ( جيمس هنرى بريستد ) " فجر الضمير" (٢) .
أما بحث ( أرمان ) فهو يدور حول كتاب ( تعاليم امين - أم - أوبه ) الذى يرجح أنه عاش حوالى أوائل الألف الأولى ق م . وقد اكتشف هذه التعاليم المحفوظة فى بعض أوراق البردى الهيراطيقى بالمتحف البريطانى السير ( وليزبدج ) ونشرها عام ١٩٢٣ (٣) ، ومن الغريب أن هذا الحكيم المصرى سلك فى وضع نصائحه التى ضمنها ثلاثين بابا نفس الطريق الذى سلكه حكماء الشرق منذ القدم ، فساقها على صورة نصائح والد لولده ، كما هو
الحال فى هذه الحكم التى ينصح بها لقمان ابنه حسبما ورد فى القرآن الكريم . وليس المصدر المصرى هو الوحيد الذى نجده فى سفر الأمثال ، بل هناك مصادر أخرى أظهرها البابلى الأشورى . والآن وقد اتفق رجال المصريات مع نقاد الكتاب المقدس على أن هذا السفر ليس كله تراثا عبريا ، سقطت الحجة القائلة إن سليمان هو مؤلفه ، وإن كنا لسنا فى حاجة إلى عناء كبير لسرد كثير من الأدلة المقتبسة من السفر نفسه والتى تنفى نسبته إلى ابن داود ؛ فكتاب الأمثال عبارة عن مجموعة متفرقة من الحكم والأمثال التى لا تربط بينها رابطة ، ولا نلمس فى أسلوبها وحدة أو تناسقا فى الأفكار ؛ فهو لن يمكن أن يكون من وضع فرد بعينه ، أو نتاج قريحة عصر بمفرده ؛ ومتى كانت أمثال أمة من الأمم من وضع فرد أو عصارة عصر من عصور تاريخها المختلفة ؟ أليست الأمثال أدبا شعبيا تتناقله الألسنة ، وتتوارثه الأجيال ، فتغيره العصور ، وتبدله الأذواق ، حتى يأتى عصر التدوين فيقدر لها من يثبتها ؟ وهذا ما حدث فعلا لسفر الأمثال ، فهو مجموعة من المجاميع التى لكل واحدة منها لونها الخاص ، ومذهبها الخاص ؛ فهى إما دينية ، وإما دنيوية ، ومنها الخاص بالنصح ، والخاص بالتحذير والانذار ، ومنها الألغاز ، ومنها الهجاء ، ومنها ما سيق فى أسلوب قصصى لطيف ، ومنها ما عبر عنه باللفظ الوجيز . ومن حسن الحظ أن هذه المجموعات وردت مسندة إلى شخص بعينه أو هيئة بعينها ، كما أننا إذا قارناها بالترجمة اليونانية لوجدنا فرقا كبيرا ؛ ومرجع هذا أن الترجمة اليونانية اعتمدت على نسخة تغاير هذه التى بأيدينا ، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من قبل .
وينقسم سفر الأمثال إلى الأقسام الآتية : أولا - أمثال سليمان ، وهى تقع فى الاصحاحات ١ - ٩ عبارة عن نصائح والد لولده لا تلبث أن تعرض
لله فتلخص رأيها فيه فى الحكمة المأثورة (رأس الحكمة مخافة الله) ، ونجد فيها علاوة على ذلك الشئ الكثير من النصح والتحذير ، وفى الأصحاحين الثامن والتاسع نقرأ شيئا من الحكم القصصية كالوليمة التى أعدتها الحكمة بعد أن بنت بيتها ، و نحتت أعمدتها السبعة ، وذبحت ذبحها ومزجت خمرها ، وأعدت مائدتها ، وأرسلت جواريها إلى ساحات المدينة العالية ينادين الجاهل والغبى ليأكل ويشرب فتنصرف عنه الجهالة وتدبر الغباوة .
ثانيا - أمثال أخرى لسليمان من أصحاح ١٠ إلى أصحاح ٢٢ آية ١٦، وهى تبلغ نحو ٣٧٥ مثلا من الأمثال البسيطة التى تناولت شتى المواضيع مثل ( فم الصديق ينبوع حياة ، وفم الأشرار يغشاه ظلم ) و ( القليل مع العدل خير من الجزيل مع الظلم ) و ( محتكر الحنطة يلعنه الشعب والبركة على رأس البائع ) و ( لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملآن ذبائح مع خصام )
ثالثا - أمثال حكماء من أصحاح ٢٢ آية ١٧ إلى أصحاح ٢٤ آية ٢٢، وهى عبارة عن نصائح والد لولده مثل (لا تسلب الفقير لكونه فقيرا ولا تسحق المسكين فى الباب) أو تحذيره خاصة من شرب الخمر مثل ( لمن الويل ؟ لمن الشقاوة ؟ لمن المخاصمات ؟ لمن الكرب ؟ لمن الجروح بلا سبب ؟ . . . للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون فى طلب الشراب الممزوج . لا تنظر إلى الخمر إذا احمرت حين تظهر جيابها فى الكأس وساغت مرقرقة ، فى الآخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعوان ) .
رابعا - أمثال أخرى لحكماء أصحاح ٢٤ آيات ٢٣ - ٣٤ ، وهى تخالف السابقة فى أسلوبها ؛ ومنها (محاباة الوجوه فى الحكم ليست صالحة) و (من يقول للشرير أنت صديق تسبه العامة . تلعنه الشعوب) .
خامسا أمثال لسليمان جمعها رجال الملك حزقيا من أصحاح ٢٥ إلى ٢٩ ، وهى تشبه تلك التى جاءت فى القسم
الثانى ، ويبلغ عددها نحو ١٢٧ مثلا ، تناولت مختلف الموضوعات مثل (اجعل رجلك عزيزة فى بيت قريبك لئلا يمل منك فيبغضك) و (لا تفتخر بالغد لأنك لا تعلم ماذا يلده اليوم) و (ليمدحك الغريب لا فمك ، الأجنبى لا شفتاك) و (قال الكسلان : الأسد فى الطريق ، الشبل فى الشوارع) و (الباب يدور على صائره ، والكسلان على فراشه) و (الكسلان يخفى يده فى الصحفة ، ويشق عليه أن يردها إلى فمه) .
سادسا - كلام أجور بن يافة أصحاح ٣٠ ، ومعظم آياته عبارة عن ألغاز وهجاء ، مثل (ثلاثة عجيبة فوقى وأربعة لا أعرفها : طريق نسر فى السماء ، وطريق حية على صخر ، وطريق سفينة فى قلب البحر ، وطريق رجل بفتاة ، كذلك طريق المرأة الزانية أكلت ومسحت فمها وقالت ما عملت إثما) ، ومن أمثلة الهجاء (جيل يلعن أباه ، ولا يبارك أمه ، جيل طاهر فى عينى نفسه ، وهو لم يغتسل من قذره ، جيل ما أرفع عينيه وحواجبه مرتفعة ، جيل أسنانه سيوف ، وأضراسه سكاكين ، لأكل المساكين على الأرض والفقراء من بين الناس) .
سابعا - كلمات الملك لموئيل أصحاح ١ - آيات ١ - 9 وهى عبارة عن نصائح أمه له لما صار ملكا (ماذا بنى ؟ ماذا يا ابن رحمى ؟ ماذا يا ابن نذورى ؟ لا تعط حيلك للنساء ، ولا تتبع مهلكات الملوك ، ليس الملوك يا لموئيل ، ليس للملوك أن يشربوا خمرا وللأمراء أن يسكروا ، لأن الشرب قد ينسيهم الفرض فيطير حق الفقير ، أعطوا المسكر لهالك ، والخمر لمرى النفس ، يشرب وينسى فقره ولا يذكر تعبه بعد ، افتح فمك للأخرس فى دعوى اليتيم ، افتح فمك ، اقض بالعدل وحام عن الفقير والمسكين) .
ثامنا - مدح مرتب ترتيبا أبجديا فى ربة الدار أصحاح ٣١ آيات ١٠ - ٣١ جاء فيه (امرأة فاضلة ، من يجدها ؟ لأن ثمنها يفوق اللآلئ ، بها يثق قلب زوجها فلا يحتاج إلى غنيمة ، تصنع له خيرا لا شرا كل أيام حياتها ، تطلب
صوفا وكتانا وتشتغل بيدين راضيتين ، هى كسفن التاجر تجلب طعامها من بعيد وتقوم إذ الليل بعد ، وتعطى أكلا لأهل بيتها وفريضة لفتياتها ، تتأمل حقلا فتأخذه وبثمر يديها تغرس كرما . . . )
هذا عرض موجز لهذا السفر ، نتبين منه نوع محتوياته والشخصيات التى أسندت إليها هذه المحتويات . والآن نتساءل : لماذا نسب هذا السفر إذا إلى سليمان ؟
نحن نعلم أن ابن داود تولى الملك بعد وفاة أبيه فى حوالى منتصف القرن العاشر قبل الميلاد ، وحكم ما يقرب من أربعين عاما انصرف فيها إلى الاصلاحات الداخلية ، وتوثيق العلاقات الخارجية بينه وبين جيرانه ؛ فخط المدن وأمن الطرق ، فازدهرت التجارة وارتقى مستوى المعيشة . بنى المعبد وزوده بمختلف الأوانى التى تدل على روعة الفن وجمال الذوق ؛ هذا إلى جانب الأبنية العظيمة التى شيدها فى مختلف المدن . وكما يفيض سفر الملوك الأول بأعمال سليمان كذلك القرآن الكريم حيث يقول الله سبحانه وتعالى : " ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ، وأسلنا له عين القطر . ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير . يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجيفان كالجواب وقدور راسيات . اعملوا آل داود شكرا . وقليل من عبادى الشكور " . وكانت النتيجة المحتومة للانصراف إلى الاصلاحات الداخلية وارتقاء مستوى المعيشة أن توجه الشعب إلى ضروب الفنون ، وشعب الأدب المختلفة ، خاصة الشعر . وكانت للشعب أسوة حسنة فى ملكه الشاعر الحكيم الذى يقول فيه الأصحاح الثالث من سفر الملوك الأول إنه فى أول عهده بالملك ذهب إلى مدينة (جبعون) وقدم قرابين لله ، فتراءى له حلم ليلا أن الله سأله حاجته ، فقال سليمان (إلهى لقد ملكت عبدك مكان داود أبى، وأنا ما زلت فتى صغيرا لا أعلم الخروج والدخول . . . فأعط عبدك قلبا فهيما لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر) . ويحدثنا
السفر نفسه أن (الله أعطى سليمان حكمة وفهما كثيرا جدا ، ورحبة صدره (قلبه) كالرمل الذى على شاطئ البحر ، وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع أبناء الشرق وكل حكمة مصر ، وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الازراحى وهيمان وكلكول ودردع بنى ماحول ، وبلغ صيته جميع الأمم التى حوله ، وتكلم بثلاثة آلاف مثل ، وكانت قصائده ألفا وخمسا ، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى فى لبنان إلى الزوفا النابت فى الحائط ، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك . . .) وفيما يقرب من هذا المعنى يقول القرآن الكريم : " وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ ، إن هذا لهو الفضل المبين "
هذا هو رأى الكتب المقدسة فى سليمان ؛ فهل يستبعد بعد هذا أن ينسب إليه المتأخرون من اليهود معظم ما يتصل بالفلسفة والحكمة فى كتابهم المقدس كالأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد ؟

